سينما .. مسرح .. تليفزيون .. أغانى .. كيف يواجه الفن خطر «داعش»؟

04/09/2016 - 4:00:31

تحقيق : عمرو والى

لم تعد ساحة الإرهاب مقتصرة فى الوقت الراهن على شكل أو تنظيم محدد، حيث اختلف فى مفهومه وأسلوبه وأدواته عن الماضى، وبات تنظيم «داعش» هو الأبرز بين تلك التنظيمات وأشدها خطورة لاسيما بعد تمدده الواسع لدول عربية أبرزها سوريا والعراق وليبيا، لتنتقل هجماته أخيراً إلى أوروبا. وما زاد من خطورة «داعش» إلى حد يجعلها أكبر خطر إرهابى يواجه العالم، قدرتها على جذب آلاف الشباب العربي المسلم الذي يشكّل الجيلين الثانى والثالث لمهاجرين من أصول عربية إسلامية. وقد لعبت السينما المصرية دوراً بارزاً فى تناول قضية الإرهاب الذى انتشر في مصر خاصة فى فترة التسعينيات، وقامت برصد حقيقي ومتابعة دقيقة لتلك القضية بشجاعة عبر مجموعة من الأفلام أبرزها «الإرهابي»، و«الناجون من النار»، «الملائكة لا تسكن الأرض»، و«الإرهاب» ، وغيرها، واللافت للنظر اليوم وبعد مرور أكثر من عامين على إعلان تنظيم «داعش» جاءت المعالجة الفنية العربية لا تتناسب مع حجم خطره على المنطقة، فظهرت فى بعض الأعمال علي استحياء، وفيما غلب الطابع الكوميدي أو الهزلي فى أعمال أخرى ... «الكواكب» تطرح تساؤلاً حول دور السينما والدراما فى مواجهة تنظيم «داعش» الذى يشكل صورة الإرهاب الجديد، وهل يستطيع القائمون على الصناعة تقديم أعمال تواكب خطورة إرهاب اليوم؟
داعش فى الدراما
ظهر تنظيم «داعش» في عدد من الأعمال ، ومنها ما عرض خلال الآونة الأخيرة، وأخرى يتم التحضير لها، وحيث تطرق مسلسل «حواري بوخارست» بطولة أمير كرارة لقضية انضمام الشباب لهذا التنظيم وفيه جسد الفنان أحمد حاتم شخصية الطبيب الصيدلي الذى يسافر إلى سوريا للانضمام إليه وفي مسلسل «مأمون وشركاه» والذى عرض فى شهر رمضان الماضي، بطولة الفنان عادل إمام، تمت الإشارة إلى شخصية المتطرف الذي يتبنى الفكر الداعشي المتشدد في شخصية زوج ابنة البطل، والذي جسده الفنان حمزة العيلي ولكن جاءت معالجتها مقتصرة على الشكل الخارجي، مثل الذقن والجلباب واللهجة المتشددة.
كما تقدم الفنانة التونسية هند صبري فيلم «زهرة حلب»، والذى تم الانتهاء من تصويره إخراج التونسي رضا الباهي، والذي تعود به إلى السينما التونسية بعد غياب سبع سنوات، والذي من المنتظر عرضه خلال الأيام المقبلة، بالاشتراك مع هشام رستم، فاطمة ناصر، باسم لطفي، محمد آل رشّي، وجهاد زغبي.
يتناول الفيلم قضية استغلال البشر عن طريق الدين، عبر رحلة إنسانية شاقة تقوم بها البطلة، وهي أم من تونس ذهب ابنها للقتال في سوريا.
وفى مصر تم الإعلان عن عرض فيلم «دعدوش» خلال موسم عيد الأضحي تأليف ساهر الأسيوطي، وإخراج عبد العزيز حشاد، يتناول قضية داعش من منظور كوميدي، بطولة هشام إسماعيل، ومدحت تيخا، وياسر الطوبجي، وميريهان حسين بالإضافة إلى فيلم «القرموطي علي خط النار» حيث من المنتظر أن يقدم الفنان أحمد آدم شخصية القرموطي، التي تخترق عالم تنظيم «داعش»، في محاولة لتناول هذه الجماعات بشكل كوميدي، من خلال شخصية «أبو مصعب القرموطي».
هوليوود وداعش
وفي هوليوود يصور النجم برادلي كوبر عبر شركته JOINT EFFORT التي يمتلكها مع المخرج تيد فيليبس مخرج فيلم: «كلاب الحرب» حلقات عن داعش تستند إلى كتاب: الرايات السود وصعود داعش، لجوبي واريك، الذي يستعرض تاريخ التنظيم انطلاقاً من أحد السجون الأردنية وصولاً إلى تمدده في سوريا. الرواية الفائزة بجائزة بوليتزر 2016 ستظهر على شاشة HBO.
وأعلن كوبر في معرض كلامه عن المشروع "أننا نريد تعريف الناس بهذا التنظيم حتى لا تبقى المعلومات المتداولة حوله مجرد استنتاجات وشائعات لا تستند إلى أسباب منطقية".
وعكة شديدة
يقول المؤلف لينين الرملي، والذى قدم فيلم «الإرهابي» بطولة الفنان عادل إمام إن الإرهاب يبدأ دائماً من نقطة تراجع الفكر و انتشار الجهل، مشيراً إلى أن حالة سوء التعليم التى قاربت علي ما يزيد عن نصف قرن، ووصلت فى الوقت الراهن إلى تسريب الامتحانات، موضحاً أن هناك مؤامرة تحاك ضد مصر هدفها تدمير الشباب والبلاد، بالإضافة إلى تراجع دور الأزهر، مطالباً الدولة بتجديد الخطاب الديني، موضحاً أنه ناقش قضية الإرهاب من خلال عدد كبير من الأعمال فى السينما والمسرح ومن بينها فيلم «الإرهابي»، ومسرحية «أهلا يا بكوات»، و«اخلعوا الأقنعة»، وغيرها.
وأضاف الرملي أن السينما تمر فى الآونة الأخيرة بوعكة كبيرة، وعليها أن تنهض وتعود من جديد لتحارب مشكلات المجتمع الحقيقية، وأهمها الأخطار الخارجية التي تحيط بمصر خارجيا وداخلياً، و الإرهاب الجديد الممثل فى التنظيمات المتطرفة مثل داعش، وغيرها، وهو الآن أخطر مما كان عليه فى فترة التسعينيات، لأن الإرهاب ليس تياراً منفصلاً عن المجتمع، ولكن أيديولوجية الواقع تحتوى على الإرهاب بكل أنواعه، موضحاً أن اغتيال المفكر فرج فودة كان هو المحرك الأساسي لديه من أجل كتابة فيلم الإرهابي.
وأكد أن الإرهابى أو المتطرف لا تختلف طريقة صناعته عبر العصور المختلفة، ولابد أن يدرك الجميع أن ما نراه الآن من أفكار متطرفة ليست سوى نتاج لتاريخ جماعات متطرفة عبر أكثر من 80 عاما من الأفكار المغلوطة التى لا تضع فى حساباتها أى اعتبار للوطن أو للحدود، معتبرا أنه من الصعب تقديم عمل متكامل عن «داعش» على سبيل المثال فى ظل تلك الظروف والعقبات، التي تمر بها السينما الآن.
دعم السينما
فيما أكد المؤلف بشير الديك أن الإرهاب الموجود فى عدد من الدول العربية والغربية عبر تنظيم داعش اختلف كثيراً عما كان يحدث فى الماضي، لاسيما حقبة التسعينيات، مطالباً بضرورة تقديم أفلام سينمائية جديدة تواكب التطور الحالي، بكتابات أكثر عمقاً ودراسة عن قضية داعش باعتبارها الأبرز لاسيما فيما يتعلق بالإرهاب وجماعاته، واستخدام تقنيات حديثة تجسد ما يحدث من تفجيرات وحوادث طعن وإرهاب ممنهج، مع التركيز على الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص للانضمام لمثل هذه التنظيمات.
وطالب الديك صناع السينما برصد أفكار داعش المتطرفة وتقديمها فى أعمال فنية، وعليه يجب الاتحاد لمواجهة هذا الطوفان الإرهابي، وتقديم فن راق يتناسب مع الواقع، وهنا يجب تدخل الدولة والإهتمام بالفن مثلما حدث فى فترتى الخمسينيات والستينيات، مؤكداً انه عندما تدهور الفن، وتجاهلت الدولة توعية الشباب، ظهرت تلك الجماعات الإرهابية التي غزت عقول البشر بالتعصب والتشدد، وبالتالي يجب أن تعود الدولة بقوة لدعم السينما، مع السير بخط مواز فى الاتجاه الديني والفكري لأن الأعمال الفنية وحدها لا تكفي لمواجهة خطر هذا الإرهاب الجديد.


القوة الناعمة
واعتبر المنتج محمد العدل أن الفن والثقافة هما القوة الناعمة لأي وطن، مشيراً إلى أن أي نشاط ثقافي هو ركيزة ضد الإرهاب، والجماعات التكفيرية مثل داعش وأنصار بيت المقدس وغيرها، موضحاً أن الدولة فى الماضي اهتمت بالفن عبر مشروعات ثقافية، وإصدار الكتب التي ساعدت علي تشكيل وعي الناس، ومع انسحابها ظهرت الجماعات المتطرفة، وهذا هو الأساس والطريق الأصعب فى تغيير الفكر، وبالتالي يجب علي الدولة العودة مرة أخرى لدعم الفن بكافة أشكاله، لتقديم أعمال تواجه التطرف.
دم بارد
ومن جانبه أكد المخرج الشاب أمير رمسيس على تحضيره لفيلم بعنوان «دم بارد» لمناقشة الأسباب الاجتماعية الحقيقية التي تدفع الناس للانضمام إلى «داعش»، وانسياق الشباب وراء تلك الأفكار، بالإضافة إلى الطرق التي يمكن اتباعها للقضاء على هذا التنظيم الذى أصبح يشكل خطراً كبيراً على جميع الدول العربية، موضحاً أن الفيلم سيتطرق لكل أساليبهم فى تعذيب وحرق الضحايا والتمثيل بالجثث، وغيرها.
وأوضح رمسيس أنه لم يتم حتي اللحظة الإستقرار علي أبطال الفيلم أو موعد التصوير لعدم اتفاقه مع أى شركة إنتاج حتي الآن.
سلاح السخرية
بينما اقر الناقد الفني طارق الشناوي، إلى إنه لايمكن تعميم فكرة التناول الساخر أو الهزلي على كل الأعمال التي تناولت تنظيم داعش فى الوطن العربي، مشيراً إلى أن المخرج الجزائري رشيد بوشارب قدم فيلماً تحت عنوان «الطريق إلى اسطنبول»، إنتاج بلجيكا، يتحدث عن أم عزباء تعيش في الريف البلجيكي مع ابنتها وتنقلب حياة الأم عندما تختفي ابنتها وتكتشف بعد ذلك أنها سافرت مع صديقها للانضمام لـ«داعش» في سوريا، وعرض في مهرجان برلين السينمائي، وتناول فكرة تجنيد داعش للفتيات، لاسيما الفرنسيات، موضحاً أن الفيلم قدم بتناول ممتاز عن فكرة ما يحدث للشباب من غسيل للمخ، وكيفية استقطاب الشباب بشكل عام، موضحاً أن «داعش» فى النهاية هو تنظيم دولي من كل البلاد فى العالم.
وأضاف الشناوي أن السخرية فى حد ذاتها إذا تم تقديمها بشكل مناسب يليق بالقضية فلامانع، موضحاً أنها أحد أهم أسلحة المواجهة، لهذا الفكر المتطرف والمتشدد، وهو موقف إيجابي للغاية، ضارباً المثل بنشيد صليل الصوارم ، والذى قام النشطاء علي مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت بالسخرية منه، وتحويله إلى أغنية على طريقة المهرجانات، بالإضافة إلى تركيب مقاطع لضحكات للفنان إسماعيل ياسين عليه، وبالتالي فالسخرية ليست نقيصة، أما استخدامها من أجل الهروب من المواجهة، فهنا تصبح الأزمة.
ولا يستبعد الشناوي إمكانية تقديم عمل يتناول هذا التنظيم الإرهابي، شرط وجود رغبة من صناع السينما أو الدراما، مؤكداً أنه لا يجب الوقوع فى فخ إنتاج الأعمال لمجرد تقديمها فقط، على غرار ما حدث فى حقبة التسعينيات، فتم تقديم عشرات الأفلام التي تحدثت عن الإرهاب، ولكن كان تناولها فج وساذج للغاية، وهنا يجب الإنتباه إلى ضرورة تقديم تلك الأعمال بشكل يحمل منطق سليم ومدروس وعميق لتلك الظاهرة وأبعادها وكيفية مواجهتها، أما التناول لمجرد تأدية الواجب فقط فهو مرفوض.
عوامل وأسباب
ويرجع الناقد الفني رامي عبد الرازق قلة الأعمال التي تتناول «داعش» هنا في مصر إلى عدة عوامل منها أن الدراسات التي تتناول هذا التنظيم بشكل متعمق وشامل على المستوى الفني والإجتماعي قليلة لذا تظل هناك جوانب غامضة يصعب الوصول إليها، لاسيما وأن المجتمع المصري لايعاني من تلك الأزمة كباقي الدول مثل سوريا والعراق، حيث اقتصرت الحوادث فقط المتعلقة بهذا التنظيم على سيناء،، موضحاً أن هناك عنصراً آخر وهو أن اكتمال تلك الظاهرة والبعد عنها بفترة زمنية كافية سيجعلها أفضل فى التناول والعمق والحكم عليها.
وأضاف عبد الرازق أن المعاصر لمرحلة ما أو ظاهرة معينة هو أسوأ مؤرخ ، وهنا لا يجب التعجل للحكم علي تلك الحالة وتقديمها فى أعمال لأن الأفكار تتبدل سريعاً، ولكن مع التشديد على أنه لا مانع من تناول تلك الظواهر بشكل تحليلي يقترب من الموضوع الأم كأن نتناول على سبيل المثال فكرة استقطاب الشباب لتنظيم داعش، وإلقاء الضوء على هذا الأمر شديد الخطورة، لتوعية الأفراد والمجتمع ككل، وهناك بعض الأعمال التي تناولت هذا الطرح، لافتاً إلى أن الدراما والسينما المصرية لم تتناول «داعش» بشكل عميق أو على مساحات واسعة، ولكن تمت الإشارة لها على الهامش كما حدث فى مسلسل «حواري بوخارست».
عائق الإنتاج
وأكد عبد الرازق أن هناك حالة من الغياب للرؤية والعقلية المقتنعة بأهمية هذه الظاهرة لدى القائمين على الأعمال الفنية، بما في ذلك الإنتاج الذي يخشى المغامرة والدخول في منطقة قد لا يجدي من ورائها مالاً، فالمنتج اليوم يستسهل العمل الذي يرتبط باسم فنان معين ولا يقرأ النص بل يكتفي باسم الفنان، وهنا نقف أمام عائق الإنتاج والرغبة في الربح السريع بغض النظر عن المضمون المقدم، موضحاً أن الأعمال التي تقدم مشكلات المجتمع الحقيقية والمعقدة بصورة جذابة ومشوقة هي الباقية فى وجدان المتفرج.
وأوضح أيضا1 أن أحد أهم أدوار الفن علي الإطلاق هو تقديم التوعية كما حدث فى حقب زمنية مختلفة ومنها الثمانينيات والتسعينيات مثل مسلسل «امرأة من زمن الحب» سلط الضوء على قضية عبدة الشيطان، والتي انتشرت بشكل كبير فى هذه الفترة، وأعمال مثل «الإرهابي» و«دم الغزال» كلها ساهمت فى التقريب من ظاهرة الإرهاب التي انتشرت موجته فى مصر، وهنا فالمجتمع لديه حالة من الشغف لتناول القضية التي تمسه وتمس مستقبله، ومستقبل أبنائه، مؤكداً أن أي عمل سيتناول قضية داعش، سيقابل بالمتابعة من قبل الجمهور على اعتبار أن الحدث نعيشه، وامتد إلى بلدان عربية وغربية.
حسابات خاصة
«وفى نفس السياق قالت الناقدة الفنية
ماجدة خير الله أن الدولة يجب أن تضع ضمن أولوياتها فكرة تناول هذا الموضوع إذا كانت جادة فى محاربة الفكر المتطرف والمتشدد، ولكن على أرض الواقع لا توجد شركة إنتاج أو منتج لديه الاستعداد لعمل فيلم أو مسلسل قد يواجه بالمنع أو الرفض بعد إنتاجه، ويتحمل الخسائر، لاسيما وأن كل الأفلام والمسلسلات تمر على جهاز الرقابة، للحصول على إذن رقابي وهنا هي خاضعة لسماح الدولة بإنتاجها من عدمه، لأن الدولة لها حساباتها الخاصة فى التعامل مع هذه الظاهرة متسائلة ما المشكلة فى السماح بصناعة أفلام ومسلسلات تكشف الفكر المتطرف لكل الجماعات الإرهابية مثل داعش وغيرها.
وأضافت خير الله أن هناك حالة من التطور فى الشكل السينمائي والدرامي خلال السنوات الأخيرة، وهو ما ظهر فى تقديم أعمال فنية بتكنيك فني عال يعتمد على أحدث التقنيات العالمية التي تتيح مستويات بصرية وسمعية ممتازة، يمكن توظيفها مع أى موضوع جاد، وهي نقطة إيجابية يجب استغلالها، مع ضرورة إحترام عقل المتلقي، لا أن يتم التناول بشكل فج ساذج ضاربة المثل ببرنامج «ميني داعش» الذي قدمه خالد عليش في رمضان الماضي علي إحدي الفضائيات والذى لاقي انتقادات كثيرة لترسيخه فكرة العنف ونشر الذعر فى نفوس المشاهد، دون أي فائدة أو محتوى قيم.