«الماء والخضرة والوجه الحسن» وتردي السينما

04/09/2016 - 3:58:53

بقلم: سامح فتحي

بعد أن أنهيت مشاهدة فيلم " الماء والخضرة والوجه الحسن" أصابتني حالة من الدهشة ثم الإحباط واليأس من جراء ما وصل إليه حال السينما المصرية من ترد لا أعرف له في الحقيقة أسبابا مباشرة، فإذا كانت لدينا مجموعة مميزة من الممثلين القادرين على إيصال مكونات ومكنونات الشخصيات المُمَثلة، ولدينا المخرج القادر على توجيه حركة ممثليه وتنفيذ العمل بكل حرفية ومسئولية، وهو هنا - من مدرسة يوسف شاهين، حيث عمل مساعدا له في فيلم "حدوتة مصرية" (1981)، وفي فيلم "وداعا يا بونابرت " (1985) الذي شارك فيه بالتأليف أيضا، وشارك شاهين في كتابة سيناريو "إسكندرية كمان وكمان"(1989)، فيسري نصر الله من المخرجين الذين لهم بصمة واضحة في أعمالهم، حيث يراعي دائما أن يرضي ميوله هو، ويشبع هوايته، ويستخدم فكره في أعماله قبل أن يرضي الجمهور، وسبق أن أظهر لنا قدراته في أعماله السابقة منها فيلم " جنينة الأسماك " (2008 )، وفيلم " احكي يا شهر زاد" (2009)، كما لدينا منتج لا يمكن أن يمانع أبداً في رفع تكلفة الفيلم في مقابل تحقيق مكاسب تعود من عرضه، سواء مكاسب مادية أو أدبية، إذاً أين يكون الخلل ؟! وما سبب إخراج فيلم ضعيف وفقير فنيا ؟ وإذا كان الضعف يأتي أساسا من السيناريو والحوار أليس ذلك قبل أن يكون مسئولية كاتب السيناريو والحوار أو المؤلف هو مسئولية المخرج ؟ وفي فيلمنا هذا نجد المخرج يسري نصر الله مشاركاً في التأليف، أي أنه متورط في كافة نواحي العمل، لا يمكن أن يتملص من ناحية واحدة منها، والنتيجة فيلم عجيب لا يستحق حتى كلمة فيلم، وإنما يجوز أن نطلق عليه عملا دراميا فقط لا يرقى لأن يكون فيلما سينمائيا، فهو خليط بين تيمات مختلفة لأفلام سابقة مثل فيلم " عفاريت الأسفلت"1996، خاصة من خلال تشابك العلاقات الجنسية في مكان واحد وبواسطة أفراد متقاربين، وفيلم "الفرح"2009 الذي تدور أحداثه من خلال فرح شعبي يتحول إلى مأتم وهو ما يلاحظ في فيلم " الخضرة والماء والوجه الحسن " الذي تدور غالبية أحداثه من خلال فرح شعبي. فمن المفترض أن ذلك العمل يدور في مدينة ريفية بالدقهلية وهي مدينة بلقاس حيث تعيش أسرة من الطباخين الذين يعملون في طهي الطعام في المناسبات المختلفة، مكونة من الأب (علاء زينهم) الذي يعيش في منزل قديم عزيز على نفسه، شهد أمجاده في فن الطهي مع شقيقته (إنعام سالوسة) وأبنائه (باسم سمرة) و(أحمد داود)، ويعمل جميع أفراد العائلة في مهنة الطبخ، وللعائلة صديق هو (محمد الشرنوبي) الذي يعمل مطربا في الأفراح التي تعمل بها العائلة، ومع هذه العائلة تعيش الفتاة (منة شلبي) التي هي ابنة شقيق (علاء زينهم)، ومخطوبة (لباسم سمرة)، لكنها في الحقيقة تحب شقيقه (أحمد داود) الذي توفيت زوجته وتركت له ابنا صغيرا، كما أن (باسم سمرة) لا يشعر تجاه خطيبته بأية عاطفة بل إن عاطفته تتحرك نحو (ليلى علوي) التي طلقت من زوجها وظلت فترة طويلة تعمل معلمة في الخليج وعادت لبلدتها مما أعاد عاطفة باسم سمرة تجاهها، ويقع صديق تلك العائلة (محمد الشرنوبي) في غرام شقيقة أحد أثرياء المدينة وهو (محمد فراج) التي تبادله الحب ويعقد قرانهما عرفيا، ولا يعكر صفو هذه الأسرة سوى طمع «محمد فراج» في المكان القديم الذي تقيم فيه العائلة ليحوله لمشروع تجاري كبير، لكن العائلة ترفض تماما ويتطور الأمر لتنقلب الأحوال إلى أن ينتهي العمل بالقبض على «محمد فراج» لقتله «محمد الشرنوبي»، ثم عودة السعادة للعائلة التي توفي كبيرها.
ويحفل ذلك العمل بأخطاء ساذجة من مثل مشهد الفتيات اللاتى يلهين حراس المنزل بالإغراء الذي حبس فيه (محمد فراج) شقيقته حتى يتمكن باسم سمرة من تحريرها، فكان في منتهى السذاجة ولا يتلاءم مع البيئة المصرية، كما ظل العمل لأكثر من منتصفه يدور حول الطبخ والمأكولات وطبيعة عمل الطبخ، ولم يكن ينقصه سوى أن يستضيف الشيف شربيني ليقدم بنفسه العمل وكأنه الأقرب للفيلم التسجيلي الذي يوثق هذه المهنة . كما لم يكن هناك مبرر درامي لكثرة المواقف الجنسية بين الممثلة (زينة) و(أحمد داود) في أثناء الفرح الشعبي، والإصرار على إتمام ذلك الموقف الجنسي، وبين (محمد الشرنوبي) وزوجته العرفية، وبين (باسم سمرة) و(ليلى علوي) وحتى بين (علاء زينهم) وإحدى الفتيات الفقيرات.. الخ، وكان المبرر لذلك شباك التذاكر فقط، ومن الغريب أن يقال عن العمل إنه من الأعمال النظيفة !. وكان مشهد إطلاق النحل من المشاهد الفكاهية التي لا يمكن أن تحدث كأسلوب للعقوبة في أي مكان بمصر، وقد تم ذلك المشهد فقط حتى يتسنى للأبطال اللهو في الترعة، وكأنهم نجوا من لدغات النحل ليصابوا بالبلهارسيا وهي ألعن !. كما لا نجد مبررا واحدا لأن تحاول (منة شلبي) التحرش (بباسم سمرة) على السلم وهي تعلن في كل وقت أنها تحب بشدة شقيقه . وكان إقحام (محمد الشرنوبي) مع عصابة الغجر مفتعلا بشدة وغير ملائم لأجواء العمل نفسه . وجاء الحوار في أحيان كثيرة فقيرا غير معبر عن عواطف حقيقية، خاصة بين باسم سمرة وليلى علوي، وكان صارخا غير مجد ولا مفيد على لسان محمد فراج مع أحمد داود، ولم يكن معبرا عن الحكمة والأصالة والحنكة والخبرة على لسان علاء زينهم كما كان يفترض منه أن يكون . ويلاحظ اجتهاد علاء زينهم جدا في أداء دوره، وكذا أحمد داود ومحمد الشرنوبي، لكن كان أداء باسم سمرة ضعيفا مكتفيا بالابتسامة البلهاء كلما قابل ليلى علوي، كذا لم يكن محمد فراج في الدور المناسب له، وأدت ليلى علوي دورها بحنكة في حدود الدور الذي لم يكن قويا في الأساس من ناحية السيناريو، كذا كان دور منة شلبي في منتهى الضعف حيث ظلمها بشدة . وكانت الموسيقى التصويرية أحيانا عجيبة، فكيف في بيئة الريف تكون الموسيقى التي يسمعها الفلاحون موسيقى من النوع الغربي الراقي جدا ؟!. كان العمل باختصار عبارة عن مشاهد مفككة تستطيع أن تقدم بعض المشاهد على الأخرى دون أن يُحدِث ذلك خللاً فى دراما العمل .