خطاب مفتوح من نادية لطفي إلي فاتن حمامة

04/09/2016 - 3:40:10

نادية لطفى

عزيزتي فاتن وحشتينا!
أم ليس للأشواق حساب في زمن المعارك؟ يقيني أن المعارك تزيد صفوف الشعب توثقا وارتباطا وتعاطفا وتضاعف حنين المقيم إلي الغائب ثم تشحذ عند الغائب مشاعر الحب للوطن حتي تصبح أقل خفقات القلب صراخا له في الصدر لواعج وتتقاسم حياة الغائب عند المعارك عوامل الجزع وشواغل القلق فلا يهنأ ولا يهدأ ولا يفر من هذا كله إلا وهو يغمض عينيه ويحتضن تحت الجفون وبين الأهداب كل صور الوطن الغالي دعيني يافاتن أضف إلي شريط الصور في ذاكرتك صور الأيام الأخيرة التي عشناها والتي نفتح عليها اعيننا كل مشرق شمس..
إنها أيام المعركة: أيام البوتقة التي ننصهر فيها الآن لنقدم للتاريخ أمضي ما نملك وأروع ما نتحلي به من صفات وقد تهزين رأسك وتقولين:
فلماذا كتبت علينا النكسة؟
فأقول لك باليقين كله:
قد خسرنا بعض المعركة الأولي ولكن الحرب معارك لا معركة واحدة وقد قال الرئىس هواري بومدين إننا خسرنا المعركة ولكنا لم نخسر الحرب..
ولا شك أنك تقرئين الصحف الأوروبية التي يضخع أكثرها للنفوذ الصهيوني وترتبط حياتها بهذا النفوذ لأن المؤسسات وبيوت المال الصهيونية قادرة علي توقيع العقوبات بإيقاف إعلاناتها عن أي صحيفة تناصر العرب ولا تردد مع الصهيونيين أكاذيبهم! فقد مهدت الصحف الأوروبية ومن باب أولي الصحف الامريكية لهذه المعركة بحملة من إثارة العطف علي صهاينة إسرائيل فصورتهم في صورة الشعب المسالم الذي يريد الحياة ويريد له العرب الموت.. مثلما أراد لهم هتلر من قبل هم يضربون علي وتر هتلر لأنه أربح الأوتار وأسرعها في تحريك العواطف والشجون خذي مثلا قولهم إن العرب سوف يستعلمون في إبادة إسرائيل القنابل السامة التي تحرمها الحروب يا للهول وظلوا ينشرون أخبار الكمامات التي تحصي بالألوف التي تستوردها إسرائيل من ألمانيا الغربية لتتقي بها الفتك العربي السام ونشروا خرائطهم علي أن جيوش العرب تحدق بإسرائيل لتقذف بها إلي البحر!
ونسوا - يافاتن- أن الذي بدأ التهديد هو ليفي اشكول حين حشد قوات إسرائيل علي الحدود السورية منذ 15 مايو الماضي لكي يزحف إلي دمشق ويسقط حكومتها ونسوا أننا طلبنا سحب قوات الطوارئ الدولية كحق خالص لنا حتي نستطيع أن ندافع عن الشقيقة سوريا إذا وقع عليها العدوان بل نسوا أن الذي يحرك إسرائيل إلي هذا التهديد لسوريا هي الولايات المتحدة الامريكية أن إسرائيل رأس جسر استعماري في قلب وطننا العربي إنها لا تملك القوة ولا تملك الجرأة لكي تقذف بتهديداتها في وجوه العرب أو تحول التهديدات إلي حرب ساخنة وعدوان سافر إلا أنها مخلب القط أنها ترسانة الاستعمار الجديد..
ترسانة سلاحه وقاعدة افكاره التي تشد العالم إلي الوراء وتحجب عن الأحرار نور الشمس قطعا كتبوا أننا نستعد للحرب وأن اسرائيل هي الحمل الوديع الذي يتحرش به الذئب العربي وحركوا قلب الإنسان الأوروبي لمناصرة الصهيونيين في إسرائيل فتصدي أكبر كتاب الغرب للدفاع عن حق الوجود الإسرائيلي أنهم ضللوا هؤلاء الكتاب إن جان بول سارتر وقع الوثيقة التي تؤيد إسرائيل وهذه سقطة من كاتب كان يغمس قلمه في مداد الأحرار ويعبر بشرف عن قضاياهم وهي سقطة لا تغتفر لأن جان بول سارتر مع سيمون دي بوفوار زارا معسكرات اللاجئين في غزة وقال إن الذي يريان من بؤس اللاجئ شيء يدعو للتأمل والحزن!
أنهما رأيا الوجه الثاني من الصورة أن الوجه الأول هي الدعاية الصهيونية التي تملك الكثير وتنفق الكثير أما الوجه الثاني الذي شاهداه فهو وجه الحقيقة والحق وكان المفروض أن يسانداه بعد أن زارا مسرح الجريمة في إسرائيل ذاتها من هنا فسقطتهما لا تغتفر ولن تغفرها الشعوب العربية ولن يغفرها التاريخ!
ولاشك انك قرأت ان كاتب المسرح يونسكو قرر ألا يسمح بأن تمثل مسرحياته في العالم العربي، قولي له يا فاتن ومن قال لك إننا سنمثل مسرحياتك بعد أن وقعت وثيقة الخزي لنصرة إسرائيل علي العرب، وتغليب الباطل علي الحق، قولي له إن هذه ستارة النهاية تنزل علي كل أعماله الفنية التي كانت تلقي منا التقدير.. ولم نعد ننظر إليها إلا بالطريقة التي ننظر بها إلي صاحبها الذي باع نفسه للصهيونية..
عزيزتي فاتن..
علي أننا لم نعدم الشرفاء!
علي أننا لم نعدم الشرفاء يقفون إلي جانبنا ويصمدون معنا. أولهم ذاك الرجل الذي تحرر من الأحضان الأمريكية واسمه ديجول! انه رفع قدر فرنسا في فرنسا، وجعل الدولة التي اشتركت في الغدر الأول دولة تقاوم الغدر الثاني وتصمه بأنه عدوان ينبغي أن تزول آثاره، ولم نعدم الشرفاء في قلب مراكز الأعداء فالعالم المؤرخ آرنولد تويتبي أصدر تصريحا يسجله التاريخ ويردده ضمير البشرية.. لقد قال اذا كان لليهود من حق في أرض.. فهو حقهم في أرض ألمانيا التي أعدمتهم بالجملة لا في أرض العرب التي هجروها من ألفي عام..
فاطرقي يا فاتن أبواب الشرفاء، في دور الصحف، وانبهك إلي «الايمانيتين» ففيها من يسمعون وجهة نظرنا، وقولي لهم أصل الحكاية، وقصص المرات العديدة التي اعتدت فيها إسرائيل، وقصص الذين يتحدثون كل يوم عن إسرائيل ولم يتحدثوا يوما واحدا عن حقوق مليون فلسطيني أخذت منهم بيوتهم وأرضهم وبياراتهم وآمالهم.. وضاعوا في الأرض وتشردوا لأن عصابات اليهود طردتهم من فلسطين.
وقفي طويلاً يا فاتن عند دورالولايات المتحدة.. ودور بريطانيا!
قولي يافاتن إن كل الأدلة تواترت وما زالت تتواتر بأن أمريكا وبريطانيا وإسرائيل شكلوا حلف الغدر الثلاثي علي العرب وأننا لم نطلق رصاصة واحدة الا عندما هاجمونا .. هاجمونا بقوات تجمعت من كل مطاراتهم في المنطقة ومن اسطولهم السادس.
قولي لهم إن إسرائيل لا تملك هذا العدد من الطائرات الذي تجاوز الألف طائرة في أول أيام العدوان قولي لهم إن هذه هي المؤامرة ضد الإنسان العربي... من أمريكا التي تريد أن تمضي في ركابها ذنَبا لا كرامة له وتنضم إلي أحلافها تابعا لا رأي له قولي إنها تحارب الأحرار وتصنع نكسة الثوار وتتآمر علي كل من يشرئب إلي الانطلاق.
إن تاريخها معنا يافاتن يفضحها من البداية إلي النهاية.. منذ رفضت تمويل السد العالي منذ رفضت تسليح جيشنا حتي قررت ألا تعطينا القمح الذي كنا ندفع ثمنه أنها توجت غباءها السياسي وقصر نظرها ووحشيتها وضراوتها بالضربة الأخيرة التي وجهتها وهي ترفع فوقها علم إسرائيل.
مع الامريكيين قاتلنا:
فإذا قالوا لك : وقد هزمتم...
فقوليها بأعلي صوتك لم نهزم ولن نهزم إننا خسرنا جولة والجولات باقية والمعركة مستمرة!
لا لم نسقط فوق الأرض أننا عشنا أعز أيام العمر رغم علقم النكسة ومرارتها!
إن الرئيس عبدالناصر أعلن عن تنحيه ليتيح لمن يخلفه فرصة مواجهة آثار النكسة فإذا بالشعب يرفض التنحي ويهدر في شوارع القاهرة وفي كل شوارع الوطن العربي من المحيط إلي الخليج لا زعيم إلا ناصر ... وإذا بهذا الهدير يطرق باب بيته صوتا آمرا وبيعة شاملة واستفتاء ما عرف التاريخ من قبل أسرع منه ولا أروع ولا أعظم وإذا بعبدالناصر يعود.
وقولي لهم يا فاتن إن عبدالناصر الذي تصوروه سيسقط عندما تلقي أول قنبلة علينا في عدوانهم الأول عام 1956 قد كبر حجما وزاد انتصارا وعز رسوخا... وصار في كل قلب.
عزيزتي فاتن...
وقد تحولت بلادنا إلي خلية نحل!
في كل مكان إنتاج ... وعمل .. وتطوع .. وتبرع!
ونحن نمضي بسرعة مع كل طريق في الميدان العسكري الحمدلله أفادتنا النكسة بقدر يوازي ما يمكن أن يحققه النصر وفي الميدان الشعبي تلاحمت الصفوف وصهرت المحنة كل النفوس في بوتقة التفاني والبذل والايثار وفي الميدان العربي صار للعرب صوت الرجل الواحد .. يحارب بسلاح البترول وبسلاح القناة فإذا قالوا لك عن البترول إنه سيوقف الحياة في أوروبا فاسأليهم: فلماذا لم تهتزوا حين ابيدت الحياة عند شعب فلسطين بأيدي العصابات الصهيونية وقد خطت المرأة خطوة طيبة في المعركة وأصبحت اراها في كل ميدان وكان الفن رائعا وهو يلاحق المعركة بأغانيه وأناشيده وما زال يفرز من صفوف إنتاجه العديد ما يجعله موضع الاحترام والتقدير..
وإذا كنا نفتقدك بيننا فإن لك حيث أنت رسالة كبري تتمني أي واحدة منا لو تتاح لها فرصتها أنت سفيرة بلادك إلي فرنسا لكي تقولي للشرفاء حقيقة أمرنا وخبايا معركتنا إذا ضاع صوتك مرة وسط صراخ الصهيونية فلا تبالي.. استمدي من حربهم عليك عزما علي أن يتحول صوتك إلي صراخ إنساني يهز القلوب.
عزيزتي فاتن...
إذا كان هذا الخطاب جسرا طائرا بينك وبين وطنك فأرجو أن يجدك في موقف الصلابة كما نحن وفي موقع الإباء كما كل العرب فاقرئي لطارق كيف يعرف القصة ويتعلم الحقد.. ويتشرب الثأر!
الكواكب 27/6/1967