منتصف الليل في لندن ومكالمة بصوت لم أعرفه!

04/09/2016 - 3:30:57

نادية لطفي نادية لطفي

بقلم الفنانة : نادية لطفي

كنت في رحلة إلى لندن عندما تلقيت خبر وفاة الرئيس البطل عبدالناصر... أيقظنى من النوم في الثانية صباحا لبيب معوض المحامى الذي كان موجودا في لندن في ذلك الوقت ونقل إلىّ الخبر المؤسف!
كنت قد وصلت إلي لندن مع زوجي في زيارة قصيرة منذ يومين فقط والتقينا هناك بالصديق المحامي لبيب معوض وفي الليلة المشئومة تركنا لبيب في حوالي الواحدة والنصف صباحا ولم تمر نصف ساعة وإذا بالتليفون يدق في حجرتنا وكان المتحدث هو لبيب معوض واعتقدت أنه قد نسي شيئا يريد تذكيري به ومع أن صوت لبيب له طابع معين مميز أعرفه من أول وهلة إلا أن صوته في هذه اللحظة قد تلون وأصابته حشرجة وأصبح همسا لا يكاد يسمع وظننت أن لبيب مرض فجأة ويريد مساعدتنا فرحت أصرخ فيه مالك يالبيب فيه إيه اتكلم ... وكانت هذه الصرخات قد أعطته شجاعة مؤقتة فقال لي «البقية في حياتكم الرئيس جمال مات» ولم استطع أن اسمع منه أكثر من ذلك وألقيت بالسماعة وأنا في ذهول لا تخرج من فمي كلمة واحدة وتلقف زوجي السماعة وراح يستفسر من لبيب عن الخبر الذي نزل علينا نزول الصاعقة!
وبدأنا ندير مؤشر الراديو علي جميع محطات العالم حتي ازداد تأكدنا من صحة الخبر المفجع وظللنا حتي الصباح نترقب افتتاح مكاتب شركات الطيران لنعود علي أول طائرة إلي القاهرة وفي شوارع لندن كان الناس يتقاطرون علي محلات وأكشاك بيع الجرائد التي خرجت جميعها وعلي صفحاتها الأولي «الخبر الحزين» الذي هز أرجاء العالم لأن عبدالناصر كما قالت جميع الصحف والمجلات الانجليزية ليس رئيسا مصريا فحسب بل هو أبرز قادة العالم العربي ومن ألمع الزعماء والساسة الذين شهدهم القرن العشرون ومن اقطاب دول العالم الثالث التي أصبح لها وزن في ميزان القوي الدولية.
وعلي الرغم من أنني كنت علي بعد مئات الأميال من القاهرة وأتلهف علي العودة بأسرع ما يمكن للمشاركة في هذا الحدث الجلل إلا أنني في لحظات كثيرة كنت أحس كأنني في القاهرة بين أهلي ومواطني فكل من عرف الخبر وتأكد منه أصيب بوجوم وحزن شديدين وكانت الكآبة محفورة علي وجوه كل من التقيت بهم ودموع الحزن والأسي تنهمر بغزارة من العيون.
فالجميع كانوا يقدرون شخصية «ناصر» ويتحدثون بثقة عن الأعمال الخالدة التي حققها لشعبه وأمته العربية ولكثير من شعوب آسيا وإفريقيا وينعون فيه الزعيم الفذ العملاق وما المسيرات التي شهدتها شوارع لندن واشترك فيها مئات من العرب والانجليز وغيرهم من الجنسيات المختلفة والأعداد الغفيرة التي توجهت إلي دار السفارة المصرية في لندن للتعزية في الفقيد العظيم إلا دليل قاطع علي ما كان لجمال عبدالناصر من ثقل وتقدير في جميع أنحاء العالم.
رحم الله عبدالناصر الأب والقائد والزعيم ... أسكنه الله فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.