مدن دفينة

02/09/2016 - 9:29:53

تأليف: جيني هول - ترجمة: الحسين خضيري تأليف: جيني هول - ترجمة: الحسين خضيري

أحمد شامخ

مدن دفينة ...هذا هو عنوان كتاب الهلال الذي يصدر في5/9/2016 من تأليف: جيني هول - ترجمة: الحسين خضيري وهذه هي الترجمة الكاملة للكتاب الذي صدر لأول مرة عام 1922م والذي يقول عنه المترجم  في عام 1879م، وعندما انطلق فلاح إيطالي يحفر قناةً للري في حقله، إذا به وعلى غير المتوقع يكتشف شارعًا في مدينة،هذه المدينة  التي تم اكتشافها هي مدينة بومباي أو بومبي Pompeii التي بُنيت منذ ما يربو على ألفي عام  والتي تبعد عن روما مسافة ساعتين بالقطار.


الغريب في الأمر، أن المدينة على حالها دفنت وذلك في الرابع والعشرين من أغسطس عام 79م، ومكث أهلوها الذين تحجرت جثثهم على حالهم التي كانوا عليها.


ظلت المدينة حبيسة النسيان والرماد والحمم البركانية المتجمدة طيلة قرون.


عاش في بومبي مائتا ألف نسمة، عاشوا في رغدٍ ونعمة، في مدينة بها كل المرافق التي تنعم بها المدن الحديثة أيامنا هذي.


وعرف سكان بومبي الفنون وعرفوا حياةً سياسية واقتصاديةً متميزة، وتماسّوا مع كثيرٍ من الحضارات بفضل تنقلهم البحري بين موانئ البحر المتوسط ومدنه.


لكن أهل بومبي عُرفوا بالفسق والمباهاة به، بدا ذلك منهم على نحوٍ مسرف وتمثَّل في فنونهم والرسوم الجدارية التي على مبانيهم، كما أنهم أقاموا الاحتفالات للمصارعة بين البشر والبشر وما بين البشر والحيوانات، والتي كانت لابد لها من نهايةٍ دموية، فهانت عليهم النفس الإنسانية واستهانوا بحرمة الدم.


وعلى الرغم من التحذيرات التي تلقاها سكان المدينة نذيرًا بثورة البركان إلا أنهم أبوا مغادرتها؛ فلم يأبهوا للهزات الأرضية التي سبقت البركان ولا بالبركان الذي أصابهم قبلها بسبعة عشر عامًا، وظلت الكلاب تنبح نباحًا حزينًا بينما صمتت الطيور وعزفت عن تغريدها!


لم يأبه السكان في بومبي بهذي المظاهر قط، وتجاهلوا نداءات الإمبراطور الروماني نيرون لمغادرة مدينتهم.


حتى كان ضحى يوم الرابع والعشرين من أغسطس عام 79م اليوم الذي أعدوا فيه للاحتفاء بإله النار عند الرومان، حين تصاعدت السحب الدخانية كشجرة صنوبر وحجبت الشمس عن المدينة وأحالت نهارها إلى ليلٍ دامس.


وأُمطرت المدينة مطر سوءٍ أسود فسمع السكان ضجةً عظيمة وانفلقت الصخور، وانطلق اللهب والدخان نحو السماء ثم انصب هذا كله على رؤوس السكان ،قليلون من أدركوا النجاة إذ فروا إلى الميناء، وآخرون لاذوا بالبيوت،وآخرون سحقتهم الصخور، وإن هي إلا لحظات وانصبت عليهم الحمم البركانية صبًا ووارت المدينة تحتها وغطتها مسافة ثلاثة أمتار!


تم اكتشاف المدينة بعد حوالي ألفٍ وستمائة عام، فعثر على السكان وقد اختنقوا، وما مستهم الحمم البركانية، حيث تحجرت جثثهم تحت الرماد، حتى إنه تم العثور على عائلة كاملة وهي تقوم بأمور حياتها العادية وقد ماتوا على حالهم متأثرين بالهواء الكبريتي السام، حتى أوانيهم وحيواناتهم ظلت كما هي!


حدث هذا لبومبي وجارتها مدينة هيركولانيوم Herculaneum.


مازالت بومبي تشغل أذهان الناس إلى عهدنا وإن نحت في هذا منحىً آخر، فكما أنها كانت


مركزًا لفنون الفسق في عهدها، فإنه يزور موقع مدينة بومبي الأثري الآن في إيطاليا ما يقرب من مليوني سائحٍ سنويًا.


زار هذه المدينة الموسيقي الألماني العالمي موتسارت عام 1769م حتى إنها ألهمته أفكار أوبرا "المزمار السحري" وثمة زعم بأن بومبي هي المعنية بالنهاية الدرامية في كثيرٍ من الأساطير الشعبية، ومازالت المدينة الرومانية تشغل الأذهان حتى إن الشغف بها دفع بالباحثة ماري بيرد Mary Beard أن تؤلف كتابًا عنونته بـ "الحياة في مدينة رومانية" وحسب ما قامت به الباحثة بيرد فإن بومبي لم تكن فاسقة ولم تكن مدينة حمامات صحية ومياه ساخنة وأدوات نظافة ورجال ونساء يهتمون بأناقتهم ونظافتهم حيث إن بيرد أثبتت– كما يردف توم هولاند في عرضه المنشور في الجارديان اللندنية- أثبتت في كتابها أن المسئولين عن السياحة يعيدون بناء المواقع الأثرية بما يتناسب وتصورات السياح؛ حيث يعشق السائح أن يرى أطلال مدينة رومانية أنيقة ولكن فاسقة، ويريد ما يؤكد له أن كل سكانها فاجأتهم الحمم فدفنوا في التو، وهم يمارسون حياتهم.


إن صح ما أثبتته الكاتبة بيرد سيزداد حتما الشك وهو بالفعل قائم في أن كثيرًا من البيوت والمواقع الأثرية من صنع خيال مهندسي السياحة ومروجيها.


على أننا نرى للمدينة وجهًا حضاريًا على صلةٍ بما حوله من حضارات وثقافات حيث شوهدت أواني العطور التي تم جلبها من بلاد البلطيق وقوارير نبيذ من شتى أنحاء العالم أيضًا، كما عُثر على رسوم جدارية رائعة.


تلك هي بومبي بوجهيها، الفاسق والبريء.


يمضي بنا الكتاب إلى اليونان أيضًا، حيث حضارة أوليمبيا ومايسني اليونانيتين العريقتين.


هكذا لا يتوقف البحث والتنقيب والتحقق، الذي يثري الحياة ويرقى بها.