جمال حمدان الذى يقرأ الرئيس السيسى كتابه عن شخصية مصر الآن: هكذا عرفت صاحب مصر

01/09/2016 - 1:32:22

بقلم: يوسف القعيد

قال الرئيس عبد الفتاح السيسى فى حواره مع رؤساء تحرير الصحف القومية الثلاث: ياسر رزق، رئيس تحرير الأخبار، محمد عبد الهادى علام، رئيس تحرير الأهرام، فهمى عنبة، رئيس تحرير الجمهورية، إنه يقرأ الآن كتاب شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان لجمال حمدان بمجلداته الأربعة، ليست المرة الأولى التى يتحدث الرئيس فيها عن شخصية مصر لجمال حمدان. فقد ذكره بالاسم فى خطابه الذى ألقاه فى افتتاح قناة السويس الجديدة. هذه قراءة فى عالم جمال حمدان فيها الكثير من الخفايا والأسرار التى ربما تنشر لأول مرة بمناسبة ذكر الرئيس له مرتين مؤخراً.


توفى جمال حمدان يوم السبت ٢٢ أبريل سنة ١٩٩٣ على أثر حريق اندلع فى شقته الصغيرة التى كان يعيش فيها. الكائنة بشارع أمين الرافعى. وهو الشارع المتفرع من شارع هارون بحى الدقى بالجيزة.


الحريق ما زالت تحوطه علامات الاستفهام الكثيرة. ورغم مرور كل هذه السنوات التى توشك أن تكمل ربع قرن بعد عامين من الآن. فإن علامات الاستفهام ما زالت بلا إجابة حقيقية. أو بإجابات قد لا يقبلها العقل الإنسانى. ولدىَّ على المستوى الشخصى أسئلة كثيرة جداً لم أجد إجابات لها.


لدرجة أننى بعد دفنه ذهبت إلى النيابة أطلب تقديم بلاغ لإعادة التحقيق فى ملابسات وفاته. وكانت النيابة قد حفظت التحقيق وصرحت بدفن الجثة. فاتضح لى أنه ليس من حقى تقديم هذا البلاغ لأننى لست صاحب مصلحة فى القضية. وليست لدىَّ أدلة جديدة. كما أننى لا أمت بصلة قرابة من أى درجة من الدرجات لجمال حمدان. هكذا يقول القانون الأصم. الذى تحكمنا عباراته وكلماته. رغم أنها قد تكون مجافية لحقائق الواقع.


لكن فى هذه المناسبة يمكن للإنسان أن يتذكر جمال حمدان. أن يكتب عنه. أن يحاول تعويض غيابه الجسدى. لأن حضوره بكتاباته ما زال ماثلاً أمام أعيننا. وأمام حتى من لم يعاصروه من الأجيال الجديدة التى لم تعش أيامه. ولم تتابع حياته. وربما لم تقرأ كتاباته المهمة. بل شديدة الأهمية.


إن كان جمال حمدان­ قد شكل ظاهرة هامة فى حياته فقد تحول إلى مشكلة بعد مماته. فى حياته كان أول من استخدم تعبير «عبقرية المكان» فى الكتابة العربية. وإن كان البعض يقول أن الكاتب الفرنسى ميشيل بوتور قد سبقه إلى نحت هذا التعبير فى كتابه الجميل عن صعيد مصر. حيث قضى بوتور سنوات فى منتصف هذا القرن مدرساً للغة الفرنسية فى الصعيد.


لكن جمال حمدان يبقى مؤسس الجغرافيا السياسية. التى تهتم بالمكان والبشر الذين يعيشون فى هذا المكان والإمكانية التاريخية الناتجة عن التقاء الناس بالمكان وبما فيه.


لقائى الأول معه


مساء يوم الاثنين ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٧٠. كنت أقف أمام الكشك. وفى مساء ذلك اليوم كان الراديو – الذى كان سيد الأذن المصرية فى ذلك الوقت – قد قطع إرساله وبدأ إذاعة تلاوة للقرآن الكريم. وكنا نخمن السبب فى ذلك. لكن لم يجرؤ خيال مصرى أو عربى للتحليق حتى الوصول للسبب الرئيسى. فى تلاوة القرآن الكريم من الراديو المصرى بشكل متصل ومستمر. من كان يجرؤ على التفكير. فى وفاة عبد الناصر. كنت عند كشك مدبولى. ربما كانت الساعة الثامنة مساء. عندما سمعت: صدق الله العظيم. لأول مرة منذ بداية التلاوة. وجاء البيان الصاعقة. ليعلن وفاة عبد الناصر.


أكتب الآن عن ردود الأفعال. رد فعل الحاج محمد مدبولى كان حالة من الذهول. خبط جبهته بكلوة يده. ثم خبط جبهته فى الكشك. كان يقف معه أستاذ يلبس بدلة سوداء وقميص أبيض. الحاج مدبولى لم يكن يعرف زبائنه على بعضهم. لذلك لم يقدمنى له. أو يعرفنى عليه. وقد عبر عن دهشته من رد فعل الحاج. قال ما معناه أن الموت علينا حق. وكلنا سنموت وقد استهولت كلامه. ولأن ما سمعته كان كفراً ما بعده كفر. عرفته على نفسى. كنت فى ذلك الوقت أنطق اسمى ثلاثياً محمد يوسف القعيد. وعرفنى على نفسه: جمال حمدان.


كان اللقاء الأول. ولكنه لم يصبح اللقاء الأخير.


فى هذه اللحظة لم أكن أعرف جمال حمدان. ربما بقى فى الذاكرة منه. كتابه الصغير. الذى كان كتابه الأول بالنسبة لقراءتى له. إنه الكتاب الصادر فى سلسلة كتاب الهلال. صباح الاثنين الخامس من يونيو ٦٧. بعنوان: شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان. وكان وقت نشره عبقرياً. لقد وصل للناس فى اللحظة التى أصبح فيها قلب مصر حفرة مليئة بالدماء. وقصة هذا الكتاب مع جمال حمدان. لاتؤكد عبقرية مصر: المكان والناس وإمكانية التقاء وتفاعل الإنسان بالمكان تحت ظلال الزمان. ولكن عبقرية جمال حمدان نفسه الذى توصل لاكتشافه. وكتبه ثلاث مرات. الأولى فى هذا الكتيب الصغير. والثانية فى كتاب متوسط. «والتالتة تابتة» فى «ملحمة العمر» حيث الكتابة الثالثة والأخيرة. فى أربعة مجلدات تقع فى أربعة آلاف صفحة. وهى المجلدات الأربعة التى نشرتها دار الهلال مجلدة وبعناية تامة وتبيعها بأقل من تكلفتها.لا يعود لفكرة تلح على الذهن إلا المبدع. الذى يحاول تأصيلها. وبلورتها. وأنا أعتقد أنه كان فى جمال حمدان جزء أصيل وجوهرى من تركيبة الفنان.


الذين وقفوا ضد مشروعه. قالوا: إن تعبير عبقرية المكان سبقه إليه ميشيل بوتور. الروائى الفرنسى المجدد. عندما كتب كتاباً عن صعيد مصر. لم يترجم إلى اللغة العربية حتى الآن. وكان بوتور قد عمل مدرساً فى صعيد مصر أربع سنوات فى أربعينيات القرن الماضى. ورغم توارد الخواطر بينهما. إلا أن تعبير جمال حمدان يبقى نحتاً خالصاً يخصه وحده.


ولكى أكمل أصل الحكاية أقول أننى بعد كشك مدبولى ذهبت إلى مقهى ريش وصفت ما شاهدته عند كشك مدبولى. قال لى أحد الجالسين. لا ننسى أن جمال حمدان فُصِلَ فى زمن عبد الناصر. كان من الذين خرجوا من الجامعة فى أيامه.


عرفت فيما بعد أنه عندما قامت ثورة يوليو. كان جمال حمدان فى الرابعة والعشرين من عمره. ولم يكن فى مصر. كان مبعوثاً للحصول على الدكتوراه من جامعة ريدنج فى بريطانيا فى فلسفة الجغرافيا. من المؤكد أن جمال حمدان لم يكن له موقف عنيف ضد يوليو. خاصة بعد عبد الناصر، لأنه حكى لى كيف ذهب هيكل إليه فى منزله، بصحبة مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة الهلال وقتها، ولأن جمال حمدان كان لا يفتح باب شقته لأحد، ترك له رسالة، احتفظ بها جمال حمدان حتى وفاته.


وأيضاً فإن التطورات التى رأتها مصر بعد رحيل عبد الناصر. جعلته يزداد تمسكاً بعبد الناصر ومشروعه. ما سمعته أبداً ينتقد مصر الناصرية. ويبدو أن كلامه عن أن الموت علينا حق. وأن كل إنسان لابد أن يموت. كان هدفه تهدئة الحاج مدبولى لحظة غضبه غير العادية بعد علمه برحيل عبد الناصر.


بهاء وحمدان


عاش جمال حمدان حياته بأكبر قدر من التوتر. وقصته مع أحمد بهاء الدين تؤكد هذا. فقد حدث أن كتب الأستاذ بهاء. يصف حالة جمال حمدان ومسكنه فى غرفة وصالة بالدور الأرضى. بإحدى عمارت الدقى. وكان هدفه من الكتابة أن يطلب لجمال حمدان معاشاً استثنائياً. لأنه خرج من الجامعة وسوى معاشه فى ظل ظروف لم تعد قائمة. ربما لم يكن المعاش يكفيه. من المؤكد أن كتابة الأستاذ بهاء فيها نبل نادر. وتطوع شهم وكريم بالكتابة عن مشكلة كان يعانى منها جمال حمدان. لكن جمال حمدان رأى فى هذه الكتابة مساساً بخصوصياته. وتجول فى شوارع حياته الخلفية ما كان يجب أن يتم. غضب حتى مات. وهو غاضب. ومات من بعده بهاء. وكان يرفض بدرجة عالية من الإباء والتوتر. وربما التصلب. الاستماع إلى ما يمكن أن يقال من تبريرات لما أقدم عليه بهاء.


هيكل يروى


قصة خروجه من الجامعة


أما قصة خروجه من الجامعة فقد حكاها لى الأستاذ هيكل بعد ذلك. فى إطار كلامه عن أزمة أساتذة الجامعة مع ثورة يوليو. والأخطاء التى وقعت فى ذلك الزمان البعيد. وإن كان الأستاذ هيكل أخرج جمال حمدان من سباق الأزمة العامة. قال لى هيكل:


- جمال حمدان من الذين فهموا الثورة أكثر من غيرهم ألف مرة. جمال حمدان كانت عنده مأساة أخرى. لكنه لم يتعرض لأزمة سلطة. جمال حمدان تعرض لحالة من الصراع بينه وبين طرف آخر. جمال حمدان اتهم هذا الطرف الآخر، وهذا الاتهام كان جزءاً من ملابسات رسالته الجامعية. عموماً إن جمال حمدان قصة أخرى تخرج عن سياق ما نحن بصدده الآن.


لكنه أحيل إلى المعاش مبكراً وبصورة استثنائية، وهذا جرى فى ظل حكم عبد الناصر!


أفهم هذا. أفهم ما جرى له ولكنه لم يفقده إيمانه بالثورة؛ لأنه كان يرى ما هى التفاصيل، ويدرك الجهد ولا يضيع التفاصيل بسبب الجهد. إن مشكلة جمال حمدان كانت علاقة مثقف بزميل له، حصل بينهما إشكال على سرقة رسالة علمية، واحتكما إلى سلطة أعلى. أرجو أن نكون حريصين عند الكلام فى هذه القضية بدون حدود.


ولكن السلطة أخذت موقف خصم جمال حمدان فى هذه القضية! ألا يعد ذلك تدخلاً ضد جمال حمدان؟!


هذا صحيح، ولكن هذه السلطة كانت سلطة إدارية ولم تكن سلطة سياسية.


خذ مثلاً زعيماً مثل شارل ديجول. ديجول وهو الأسطورة الحاكمة فى فرنسا، كان من الصعب عليه أن يرى فى فرنسا مثقفين آخرين. ويبقى السؤال: لماذا ظل ديجول على صلة وثيقة بمالرو؟!


لأن مالرو ذهب إليه فى أيام المحنة، وقابله من البداية وتحولا إلى أصدقاء. وأصبح هو يتكلم من صوت فرنسا الحرة. وعندما وصل ديجول إلى السلطة استمرت هذه الصداقة ونمت وترعرعت.


ولكن المثقف من الصعب أن يكون صديقاً للسياسى!


كان هذا سؤالى، وهكذا جاء رد الأستاذ هيكل:


- أكمل على سؤالك خاصة عندما يصبح هذا السياسى حاكماً. ولكن لابد من القول أيضاً أن هذا السياسى – حتى وهو حاكم – لا يحتاج إلى نوع معين من الحوار المستمر والمتصل، ومن يقوم بذلك معه لابد أن يكون فى موقع متساو.


لكن الجوهر فى هذه العلاقة إنك إن لم تكن تعرف هذا السياسى الذى أصبح حاكماً، قبل أن يصبح أسطورة، لن تقوم بينك وبينه علاقة إنسانية أبداً، لأن هذه المعرفة، تكون قد تمت، عندما كانت المواقع متساوية. إن هذا يوفر حالة إنسانية نادرة لعلاقة إنسانية نادرة أيضاً.


وحتى إن حدثت مشكلات وأزمات فإنها تقع بعد ذلك، وتصبح قصة أخرى.


حمدان وأكتوبر


لجمال حمدان كتاب عن أكتوبر. عنوانه: حرب السادس من أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية. كان قد نشره سنة ١٩٧٤. أى بعد الحرب بسنة واحدة. وجمال حمدان من العلماء الذين لهم اهتمام بقضايا الاستراتيجية. فله كتاب عن البترول العربى وكتاب عن اليهود. وكتاب عن استراتيجية الاستعمار والتحرر وكتاب عن العالم الإسلامى المعاصر.


هذا الكتاب أعادت دار الهلال نشره فى أكتوبر سنة ١٩٩٧. وبعد صدور هذا الكتاب تفجرت قضية غريبة. اكتشاف غياب فصل من هذا الكتاب. كان هذا الفصل موجوداً فى طبعة سابقة من الكتاب. ثم اختفى من الطبعة الأخيرة.


كانت البداية من مقال للكاتب الفلسطينى عمر كيلانى فى جريدة الحياة التى تصدر من لندن. قال فيه إن كتاب جمال حمدان الذى أعادت نشره دار الهلال قد تم حذف فصل كامل منه. وأن هذا ما كان يجب أن يتم. وكانت دهشة الكاتب الفلسطينى المقيم فى دمشق. من أن تقدم دار الهلال على ذلك. وهى الدار العربية. ومع كاتب أو مؤلف له ثقل ومكانة جمال حمدان. الذى يعتبره الكاتب – بحق – واحداً من أهم العبقريات المصرية فى القرن العشرين.


صحف مصرية كثيرة. هى: الشعب التى يصدرها حزب العمل الاشتراكى. والوفد التى يصدرها حزب الوفد. والجمهورية التى تصدر عن دار التحرير. أثارت القضية بعد أن أثارها عمر كيلانى فى الحياة. الشعب أعادت نشر مقال جريدة الحياة بعد مقدمة اتهامية لدار الهلال. وفى جريدة الوفد قام عماد الغزالى المحرر الثقافى للوفد بعمل تحقيق عن هذا الفصل المحذوف. سأل فيه كل الأطراف. وفى جريدة الجمهورية كتب كامل زهيرى عن هذا الفصل. خاصة أن جمال حمدان كان قد تكلم عن كامل زهيرى فيه. وجريدة الأسبوع المصرية الأسبوعية المستقلة تناولت هذه القضية أيضاً.


إيضاح لا بد منه


بعد أن تحدثت عن أن جمال حمدان حذف فصلاً كاملاً من كتابه. وكان ذلك قبل سنوات. رد علىَّ الصديق مصطفى نبيل رئيس تحرير كتاب الهلال. الذى نشر الطبعة الثانية من كتاب جمال حمدان. ومصطفى نبيل من أفضل رؤساء تحرير ثلاثية دار الهلال الشهيرة: مجلة الهلال، وروايات الهلال، وكتاب الهلال. علاوة على ثقافته الواسعة والعميقة. فهو حرفى من الطراز الأول. عمل مع الأستاذ أحمد بهاء الدين – وهو من هو – سواء فى مجلة الهلال بدار الهلال. أو عندما سافر معه للعمل بمجلة العربى فى غربة أحمد بهاء الدين التى فرضها على نفسه فى زمن السادات. عندما ترك رئاسة تحرير الأهرام إلى رئاسة تحرير مجلة العربى الكويتية.


قال مصطفى نبيل رداً على ما كتبته حول حذف جمال حمدان فصلاً من كتابه عن حرب السادس من أكتوبر. وكان عنوان الكتاب: حرب السادس من أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية.


كتب مصطفى نبيل يقول:


- الغريب أن الإجابة على هذا السؤال موجودة فى الكلمة المثبتة فى الغلاف الخلفى للكتاب. حيث نجد الآتى:


«قام الكاتب الدكتور جمال حمدان بمراجعة هذه الطبعة وتنقيحها قبل صدورها. والتنقيح يعنى إعادة النظر فى الكتاب كله. حتى يكون فى حجم كتاب الهلال. ولا يخالف وجهة نظره. ولكن ليس معنى ذلك أن يتراجع عن آرائه. وبذلك فإن الدكتور جمال حمدان هو الذى استبعد هذا الفصل. وحذفه بخط يده. أما دواعى تأخير نشر كتاب د. جمال حمدان. خاصة بعد الحذف والتغيير الذى قام به. فهى مرتبطة بظروف السلسلة».


يبقى السؤال الكبير: لماذا قام جمال حمدان بالحذف؟ وهل هذا من حقه؟! يقول مصطفى نبيل:


- إن جمال حمدان كتب هذا الكتاب بعد حرب أكتوبر مباشرة فى ذروة الحماس والتفاؤل بنتائج هذه الحرب. وقد أصيب جمال حمدان بالإحباط مرتين. الأولى بعد هزيمة يونيو ٦٧ وما كتبه قبلها. والثانية من تواضع النتائج السياسية التى أسفرت عنها حرب السادس من أكتوبر.


والباب المحذوف – يكمل مصطفى نبيل فى مقال له بمجلة المصور ثم حوَّله لرسالة لى بعد أن أثرت القضية – يتناول رؤية مستقبلية تحقق بعضها ولم يتحقق البعض الآخر. وهى مازالت مسجلة فى كتابه الأصلى. ولا يملك أحد إلغاءها وهى تعالج قضايا سياسية متغيرة. وأعطى خلالها اهتماما كبيراً لمؤتمر جنيف الذى لم ينعقد أصلاً.


يتبقى الفصل المحذوف. ماذا نجد فيه؟! تلك سياحة فى هذا الفصل الذى يبدأ من الصفحة ٨٣ من الطبعة الأولى من كتاب جمال حمدان والذى يتحدث كله عن النتائج السياسية لهذه الحرب.


يقول جمال حمدان فى هذا الفصل المحذوف:


-  استراتيجية السلام الإسرائيلية هى باختصار تكتيك الحل الجزئى لا أكثر ولا أقل.


- إن إسرائيل تخشى السلام الحقيقى أكثر مما تخشى الحرب. وتفضل حرباً دموية حتى غير مضمونة على سلام دائم قائم على العدل.


-  أثبتت التجربة حتى الآن أنه ليس ثمة حل سياسى ولا نصف حل سياسى. وإذا كان ثمة شىء فلقد أثبتت التجربة فشل الحل السياسى. وإذا كان فإنما قد نجح فى أن يثبت أن الحل السياسى يعنى حتى الآن الحل الجزئى.


- أن يسمى أحد معركة أكتوبر وما بعدها - من موقف معلق - بأنه حل سياسى أو محاولة للحل السياسى. فأمر غير مستساغ وغير مبرر ولا يعنى هذا نفى دور العمل السياسى ولكن العمل السياسى شىء. والحل السياسى شىء آخر تماماً.


-  من الخطأ أن نترك إسرائيل فى سلام لمدة طويلة. وهذا لا يكون إلا بحروب متقاربة. الفواصل الزمنية بينها أقصر فأقصر. حتى لا نسمح لها بفرصة التقاط الأنفاس. وحتى تبلغ حد الإرهاق والإنهاك المزمن. فالسقوط الأخير.


ويقول جمال حمدان فى هذا الفصل:


-  ليس أمامنا إلا أن نكون أمة فدائية. وليس يفل الحرب الإسرائيلية إلا حرب فدائية. بل إن الصراع مازال فى بدايته ولا يزال الخطر على أشده ولا يزال أمامنا شوط بعيد جداً قبل أن نسترد الحق العربى.


لقد كان هذا الفصل خاصاً بالتنبؤات. وهو الفصل الثالث من كتاب جمال حمدان. والصدق فى النبوءة مسألة أكثر من صعبة. فقد توقع جمال حمدان مثلاً أن تنشب حرب جديدة بين العرب وإسرائيل. وأن هذه الحرب ستبدأ من فصل القوات على جبهة الجولان. وهذا ما لم يحدث حتى الآن.


وتنبأ جمال حمدان فى هذا الفصل أن أمريكا ستميل فى التسويات القادمة إلى جانب العرب. وإن حاولت أمريكا إرغام إسرائيل على التعقل. فليس من المستبعد أن تتمرد عليها وأن تأخذ مصيرها فى يدها. وتضعها والعالم أمام الأمر الواقع. وليس من المستبعد أن تقوم إسرائيل بحرب استقلال مثلما فعلت الوكالة اليهودية من قبل. إن أمريكا تتعرض لضغوط شديدة مضادة من العرب ومن إسرائيل. ومن ثم فستنقل هذه الضغوط إلى إسرائيل. التى سترضخ بالحتم وستضغط أمريكا بالقطع على العرب. بل قد تهدد وتهوش. ولكنهم سوف يرفضون على وجه اليقين.


إن كل هذه النبوءات لم تصدق. وذلك يحدث مع من يحاول التنبؤ مهما كانت معطيات الواقع التى تحركه. لأن الآتى من الأمور يفاجئ الناس بما لم يتوقعوه عندما قرروا أن يقتربوا من مجازفة التنبؤ. لن أردد المقولة التى تقول: كذب المنجمون ولو صدقوا. لأن جمال حمدان لم يكن منجماً. لكنه حاول أن يتنبأ. والفارق بين الأمرين كبير وواسع. أعود لصلب القضية وأقول ومع هذا ليس من حق جمال حمدان أن يحذف هذا الفصل. ذلك أن الكتاب بعد نشره لا يعود ملكاً لمؤلفه. بل ملك جماهير القراء. ولا يمكنه الحذف منه أبداً.