السيسى وحمدان.. الرئيس والمثقف ولقاء لم يتم!

01/09/2016 - 1:20:47

بقلم: أحمد النجمى

التقى الرئيس السيسى بالمثقفين مرتين.. الأولى خلال حملته الانتخابية، والثانية خلال الفترة الأخيرة قبل شهور، علمنا - أيضاً - أن الرئيس يلتقى من وقت إلى وقت.. بشخصيات بعينها، تمثل قيمة فكرية فى مجالها، سواء فى الاقتصاد أو الثقافة أو العلوم أو السياسة، وعلى وجه اليقين.. لو كان عالمنا الكبير د. جمال حمدان حياً بين المصريين الآن.. لكان أول من طلب الرئيس لقاءهم، نزعم أيضاً.. أن السيسى - وحده - كان يستطيع تفكيك العزلة التى فرضها حمدان حول نفسه، وأحاط بها حياته.. فالسيسى ليس فقط من قراء جمال حمدان - كما أكد بنفسه - لكنه أيضاً من أكثر العارفين بقدره!


“لو” تفتح عمل الشيطان.. لكن الشيطان - هذه المرة - غائب عن العمل، لو كان جمال حمدان حياً.. لصار الآن فى الصدارة، ألم يقل الرئيس السيسى فى خطاب افتتاحه التاريخى لقناة السويس الجديدة نصاً “.. ها هى نبوءة جمال حمدان تتحقق”؟ ألم يكن جمال حمدان هو أول من طالب بتوسيع القناة قبل ٤٠ عاماً حين كتب فى كتابه “قناة السويس نبض مصر” إن القناة هى القلب النابض فى النظام العالمى، وهى مركز النقل الأول فى أوربا، مطالباً بتوسيعها لاستيعاب الناقلات العملاقة؟


الحق أن السيسى حين وضع فى برنامجه كرئيس للجمهورية مشروع قناة السويس الجديدة، كان يستوحى - تماماً - فكرة جمال حمدان، ويحولها من الإبداع النظرى إلى السياق العملى.. ليتحول “الرئيس” فى علاقته بـ “المثقف” - أو السيسى فى علاقته بحمدان - إلى علاقة تفاعلية واقعية، يمكن أن تراها العيون على أرض الواقع!


ليس غريباً - والحال كذلك بين سياسات الرئيس السيسى العملية والأفكار النظرية للعلامة الراحل جمال حمدان - أن تشغل الأجزاء الأربعة لـ “شخصية مصر” مساحة ثابتة على مكتب الرئيس السيسى، الذى يعيد قراءتها من وقت إلى وقت - كما قال فى لقائه الصحفى المطول الذى نشر على حلقات مع رؤساء تحرير الأهرام والأخبار والجمهورية الأسبوع الماضى - ليكون جمال حمدان بهذا، رافداً رئيسياً من الروافد التى تغذى القرار الرئاسى المصرى، ليس فقط فى مشروع قناة السويس الجديدة، وإنما أيضاً فى جملة المشروعات التنموية العملاقة المحيطة بالقناة الجديدة، والتى تعنى - عملياً - إنهاء عزلة سيناء، وما يترتب على هذا من اعتبارات استراتيجية شديدة الأهمية، فى معادلة الأمن القومى المصرى، وتحديداً فى التوازن الشامل أمام إسرائيل، التى ستظل العدو التاريخى لمصر والعرب.. فضلاً عن أفكار جمال حمدان التى تمثلت فى مشروع السيسى “المليون ونصف المليون فدان”، الذى يخرج به السيسى المصريين من الوادى الضيق، ويملأ الفراغ الاستراتيجى لمصر من جهة الغرب.


لن نبالغ لو قلنا إن السيسى استوحى - ولا يزال - جزءاً مقدراً من مشروعاته الكبيرة ذات الوزن الاستراتيجى من أفكار وكتابات جمال حمدان، سواء تلك التى فى “شخصية مصر” أو غيرها من كتبه المهمة.


ونعود إلى “الجزء الدرامي” فى هذه العلاقة، ونعنى به الناحية الإنسانية!.. ماذا لو كان جمال حمدان على قيد الحياة؟


كان الرئيس السيسى سيسعى سعياً حثيثاً للقائه.. وكان سيقدر حتماً تلك العزلة التى فرضها الرجل على نفسه سنين طويلة، ويقف على دوافعها وأسبابها، والسيسى فضلاً عن كونه رجل مخابرات حربية يعرف كيف يخطو الخطوة قبل أن يفكر فى أن يخطوها، هو رجل سياسى صاحب قدرات على “الاختراق الإنساني”، وهو ابن بلد.. يفهم التكوين الداخلى لأولاد البلد، وجمال حمدان ابن حى “شبرا” وابن الطبقة المتوسطة الصغيرة، ليس بعيداً فى تكوينه عن السيسى ابن حى “الجمالية” وإن كان السيسى ينتمى إلى شريحة أعلى فى هذه الطبقة.. لكن الروابط الفكرية بين أبناء القاهرة التاريخية “كالسيسي” وأبناء هذا الحى الحديث الذى نشأ فى عصر محمد على باشا قبل أكثر من قرنين “شبرا” لها دلالتها.. فأبناء هذين الحيين تجمعهما قيم “ابن البلد”، هذه القيم.. هى ذاتها التى كان السيسى سيستخدمها لإخراج جمال حمدان من عزلته..!


حتى لو وصل الأمر إلى أن يزوره السيسى فى بيته، كان سيفعلها، فالحق يقال.. إننا لم نعرف السيسى مستكبراً أو متعالياً، إنه - حتى الآن - صاحب رصيد إنسانى هائل لدى المصريين، كما أننا نعرف فى السيسى تقديره الشديد للعلم والعلماء، وإذا ذكر العلم وذكر العلماء.. كان “جمال حمدان” فى طليعة المذكورين.. كان السيسى سيكرمه أرفع تكريم، وسيزيل أية مظلومية وقعت عليه قديماً.. تحديداً فى “الجامعة”، فضلاً عن أنه كان سيصبح ضمن “المجموعة الضيقة” من مستشارى الرئيس، وأعتقد أن جمال حمدان كان سيتقبل السيسى ويرحب به ويتعاطى مع تحركاته.. ويقدم له النصائح المطلوبة، لماذا؟


لأن جمال حمدان الذى لم أره بعيني ولو لمرة واحدة، ولم أسمع صوته ولو لمرة واحدة، كان فيما يروى عنه رجلاً شهماً كريماً “لدرجة لافتة”، وما كان انعزاله عن المجتمع، وإغلاق باب داره عليه، سوى رفض لما وقع عليه من ظلم، ورفض لما يحدث فى مصر.


وأحسب أن حالة “الرفض” لدى جمال حمدان لما يحدث حوله وصلت إلى درجة “إنكار ما حوله”، أى رفض وجود الظواهر ذاتها.. لدرجة فرضت عليه عزلة تامة عن المجتمع، بعد أن انهار المشروع القومى لمصر انهياراً شاملاً، ولم يكن جمال حمدان سطحياً حتى ينتظر رؤية الانهيار الشامل بعينيه.. لقد رآه منذ خاض السادات فى مشروع السلام مع العدو الصهيونى، وفى سياسة الانفتاح الاقتصادى، وفى سياسة استعمال الإسلاميين فى مواجهة اليسار المصرى.. كل هذه “الانقلابات” التى صنعها السادات فى سبعينيات القرن الماضى، صنعت حالة من “الرفض” لدى المثقف المصرى، فما بالنا بجمال حمدان.. الذى كان مشروعه الفكرى يصب فى اتجاهات تتعارض جميعها مع اتجاهات السادات؟ ثم ما بالنا بجمال حمدان الذى كان مشروعه الفكرى يتعارض بالأساس مع وجود رجل كحسنى مبارك فى الحكم، ذلك الذى لم يكن يصلح بالأساس لتولى حكم مصر؟


يمكننا القول - إذن - أن جمال حمدان.. رحل وفى حلقة غصة من حكم مصر فى عهدى السادات ومبارك.. وأن الغصة التى كانت فى حلقه من الزعيم خالد الذكر جمال عبدالناصر، قد زالت تماماً.. متي؟


بعد رحيل جمال عبدالناصر بسنوات، حتى أن كتابات جمال حمدان، صارت من الأسس المرجعية لليسار القومى ولبعض الناصريين فى مصر منذ السبعينيات، بصرف النظر عن أية تفاصيل أخرى.. وأية مواقف أخرى يتخذها بعضهم حتى الآن منه! فالثابت من كتابات جمال حمدان - وهى جميعاً بين أيدينا - أنها تتسم بحس قومي عروبى واضح لا لبس فيه، صحيح أنها أقرب إلى أفكار جمال عبدالناصر فى كتابه “فلسفة الثورة” الذى صدر فى الخمسينيات، وأبعد عن سياسات ناصر الوحدوية فى أواخر الخمسينيات ثم الستينيات، لكنها تلتقى مع أفكاره الرئيسية.. تحديداً فكرة “الدوائر”: العربية والإسلامية والإفريقية.. وأعتقد - وقد تيسر لى قراءة كثير مما كتبه جمال حمدان - أنه يشكل “الظهير النظري” المنضبط لأفكار التيار القومى بصفة عامة والتيار الناصرى بصفة خاصة.. الآن على وجه التحديد!


من هنا.. كان جمال حمدان سيجد فى السيسى أملاً حقيقياً.. ليس فقط لأن السيسى واحد من قرائه والعاملين بأفكاره - كما ذكرنا فى السطور السابقة - ولكن لأنه كان سيلمس فيه الصدق فى القول والعمل معاً، وهذه تحديداً - مشكلة الصدق - كانت المشكلة الأساسية لجمال حمدان مع الرؤساء والزعماء، بل مع المجتمع المحيط به ككل..!


هذا الصدق.. هو ما جعل جمال حمدان مهتماً طيلة الوقت بوطنه وبأمته العربية والعالم الإسلامى ككل، فقد كان يرى دوره هو تنوير القراء - من أكبرهم مقاماً إلى أصغرهم! - بدور مصر الذى أوجدته الجغرافيا وصنعه التاريخ، من هنا ترك لنا جمال حمدان زاداً من الأفكار الخلاقة والأصيلة، يمكن الاستناد إليه والأخذ منه، لدرجة تستلفت الانتباه.. فمن يقرأ أفكار الرجل يجدها حية ترزق إلى الآن، ومن يقف على تقديراته للأمور، يجدها متحققة من حولنا الآن..!


من هنا.. لنا أن نتصور اللقاء بين السيسى وحمدان.. بين الرئيس والمثقف، ذلك اللقاء الذى لم يتم - وجهاً لوجه - ولكن تم من الناحية الفعلية، فأفكار جمال حمدان آخذة فى التحول إلى مشروعات عملاقة، ينفذها الرئيس السيسى الذى ذكر الرجل بكل تقدير واعتزاز أكثر من مرة، بل اجتزأ فى خطاب افتتاح قناة السويس جزءاً مما كتبه فى “شخصية مصر”..!


إنها علاقة مثالية بين الرئيس - أى رئيس - والمثقف، أى مثقف.. تلك العلاقة التى ينتج عنها تغيير الواقع إلى الأفضل، وإنقاذ الوطن مما كان فيه طوال ٤٠ عاماً، قضى منها جمال حمدان سنين طويلة جداً فى معزله الاختيارى، بيته المتواضع فى “الدقي”..!


و “دار الهلال” أخذت على عاتقها إعادة طبع أعمال “جمال حمدان” التى سبق أن أصدرتها، والطبعة الأخيرة من “شخصية مصر” تحقق أرقاماً ضخمة فى التوزيع، ودار الهلال حين صنعت هذا، كانت تصنعه لتقدم للقارئ المصرى والعربى “ذخيرة ثقافية”، وليس مجرد أعمال ثقافية مهمة، وحين اتخذ “غالى محمد” رئيس مجلس الإدارة قراره بإعادة طبع مجلدات “شخصية مصر” الأربعة، كان يعلم تماماً لمن يصدرها ومتى يصدرها وكيف يصدرها.. فقد أصدرها لمئات الآلاف من القراء الذين يحتاجون أن يعرفوا مصر بالضبط.. هذا الكيان العبقرى فى مكانه، وفى دوره التاريخى على السواء، ويصدرها فى توقيت خطير - ٢٠١٤ - حين كانت مصر تستعد لرحلة النهوض الحقيقى مع السيسى.. بعد حكم “المحظورة” الذى كان يستهدف بالأساس محو الهوية المصرية والعربية لصالح المشروع السياسى الإخوانى الدينى، ويصدرها فى أفضل صورة طباعية تليق بها..!


ولقد أصابت “شخصية مصر” فى طبعتها الأخيرة هدفها.. تماماً!


ولسوف يواصل جمال حمدان خلوده بأفكاره، تلك التى تواصل التجسد على أرض الواقع عبر مشروعات وتوجهات الرئيس السيسى، برغم أن القدر لم يجمعهما وجهاً لوجه..!