حمدان فيلسوف المكان

01/09/2016 - 1:18:50

بقلم د. عمر الفاروق

لم يكن يختار السهل إذا خير تؤهله قدراته للصعب مشحوذة بالتحدى لا يلتفت للقشور.. يعنيه اللب، يرتقى الأعلى- وينفذ للجوهر يستهويه “الإقليم” لأنه الأعقد قابل للفحص.. بما يرضى رؤيته الشاملة لا يعرضه بالوصف فذلك الأسهل وإنما ينقب عن شفرته وسره هذه التى تتكامل حروفها.. على طول تاريخه وعرضه يراه مركبا فى بنية كلية Holistic متدامجة، قد تداخلت شرائحها الطبيعية والبشرية والأقتصادية.. منطوية على ارتباطاتها المتراكمة، ويراه عضويا حيا.. له روحه الغضة، متفاعلا داخل ذاته.. ناميا بذاته وبالتواصل مع غيره.. مثمرا ثقافته، وهذه بالضبط عبقرية الإقليم فى نظره، عبقرية تتجلى فى خصوصية ثقافته.. وعملية تكونها، وتتمثل فى نسيجها الوظيفى.. وتجسيدها لشخصية المكان طبيعته وبشره، بغض النظر عن مستواها ومكوناتها، فالعبقرية تكمن فى العملية وما تنتجه.. أما نوعية الثمرة.. فلها مقاييسها الأخرى تلك نظرة حمدان ونظريته أيضا، وهى ما طبقها على مصر باعتبارها نموذجه الأثير والأمثل، ولأن عليه أن يبدأ بوطنهHome Geography على حد قوله، فكل شبدر من أرض مصر يقتضى تغطيته ببحث مكثف فكيف ينصرف عنها.. قبل أن يستقطر جغرافيتها وتاريخها.. ويميط اللثام عن عبقرية شخصيتها، هكذا كان اختياره.. وربما أيضا قدره.


يحاول الكتاب أن يرسم صورة عريضة ولكن دقيقة بقدر الإمكان لشخصية مصر، ومصر لاشك موضوع مثالى لذلك، نظراً لما تمتاز به من طبيعة جغرافية واضحة الحدود والتقاطع، ولما تملكه من تاريخ الفى حافل، الغريب فى الأمر -مع ذلك- أن مصر جغرافيا بالمقاييس العلمية العالمية الرفيعة.. ما تزال إلى حد بعيد “أرضا بكراً” ولا نقول “أرضا مجهولة” على المستويين الأكاديمى المتخصص والثقافى العام، حقا لقد كتب شىء لا بأس به عن جغرافية مصر بمختلف اللغات خاصة الأجنبية ولعلماء أجانب غالباً الا أنه على قيمته وخطره.. مجرد نواة متواضعة نسبيا أو شظايا متناثرة هنا وهناك، والكل لا يعدو قطرة من محيط إذا كان المستهدف مكتبة جغرافية وطنية بالمعنى العالمى وليس فى العربية حتى الآن مرجع علمى واحد عن جغرافية مصر، مرجع جامعى أو فوق جامعى جدير بالكلمة، هذا أكاديميا.. أما على مستوى الثقافة العامة.. فإن الحصاد بائس.. إن لم يكن حصاد الهشيم.


ولا عجب بعد هذا ما نرى ونلمس من تخبط التخطيط وإحباطه وإجهاضه فى عديد من المجالات وعلى معظم المستويات إذ لا تخطيط البتة أيا كان نوعه بلا جغرافية، ثم فى ركاب التخطيط الفاشل.. هل من مفر أن يسير أو يستمر التخلف المادى والاقتصادى والحضارى العام ، دع عنك بعد هذا تردى سياستنا الخارجية وتدهورها، إن ثقافتنا الوطنية من أسف قاصرة محدودة، وحتى عند ذلك فنحن نأخذها بطريقة عاطفية فجة أكثر منها علمية ناضجة ونحن -حرفيا- ندفع لذلك كله ثمنا باهظا فى كل جوانب نواحي حياتنا بلا استثناء، ومن ناحية أخرى.. فإننا قط لم نكن أحوج مما نحن الآن الى فهم كامل معمق موثق لوجهنا ووجهتنا لكياننا ومكاننا، لإمكانياتنا وملكاتنا، فمصر بحاجة أكثر من أى وقت مضى إلى إعادة النظر والتفكير فى كيانها ووجودها نفسه وبالعلم وحده فقط.. لا الإعلام الأعمى ولا الدعاية الدعية ولا التوجيه القسرى المغرض.. يكون الرد..)


(شخصية مصر.. ص ص ١٨-٢٠).


باعتزال حمدان الجامعة.. أصبحت سيرته بالضبط هى ما كتبه، ومهما تعددت الآراء بشأن اعتزاله (بما قد يقتضى دراسة أخرى) فسيبقى فى جوهره.. تعبيراً عن مجمل فكره، لم يكن بداية انسحابا.. بل اعتزالاً بل اعتصاما بنقطة أعلى يتأمل منها الواقع فى شموله .. ويصوب منها نيران عقله فقد أدرك منذ الأزمة الجامعية الأولى.. أن ما ينتظره بعدها أكثر، فالساحة الضيقة لا تناسبه وهو لا يتقن شراكها، فأداته الرئيسية قلمه .. وهل يحطم القلم فخا ؟ فنأى عاليا منها .. وشرعه، دون أن يكون الثأر هدفه فكما تحرر من الساحة.. حرر نفسه من نوازعها، وتفرغ واهبا نفسه بشجاعة نادرة يكتب..ومعتذرا أنه لم يكن أشجع، ملتزما ألا يغادر موقعه.. إلا بعد أن يزول وجه مصر القبيح نهائيا، وكذلك وجه العرب الكالح القمىء المتنطع (ج٤، ص٦٣١) هو لا يعتذر خوفا على سلامته أو حتى حياته - ولكن حرصا على أن يصل للناس ما يكتب وكل لبيب بالإشارة يفهم.


وقبل أن يعتزل.. كان قد نشر.. ما لفت إليه النظر.. من أول وهلة، خاصة مؤلفه المرموق “دراسات فى العالم العربى” الذى نال عنه جائزة الدولة (١٩٥٩) ويدل وعده عن دراسات مقبلة تكشف “عبقرية الحضارة العربية” على اهتمامه الفكرى المبكر بمشروع “عالم عربى موحد” اهتماما لم يخفت قط نبضه مقترنا برفضه.. “للمشروع الإسرائيلى” .. التي اعتبرته يوما عدوها الأول، وقد أكد بعد ذلك خطه الفكرى تجاهها، وفند دعاواها العنصرية فى كتابه “اليهود انثروبولوجيا” وبقى يرفضها.. فلم يكن عقله يقبل بأنصاف الحلول مطلقا، ويرى كل ما طرأ بشأنها.. مجرد تغيرات انقلابية محزنة ومخزية، جعلت من التفكير العلمى سخرية، وحولت نتائجه الصلبة إلى هراء.. تذروه رياحها الفاسدة، ولكنها ليست سوى جولة وزوبعة (ج٤، ٦٣٣).ورغم قلة المعلومات عنه خلال فترة بعثته (بريطانيا ١٩٤٩-١٩٥٣) سوى ما يتصل بألمعيته الفذة.. التى أقر بها أساتذته، وانتهت برسالة “سكان وسط الدلتا” Mid-Nile Delta Population التى حصل بها على درجة الدكتوراة، إلا أن الواضح أن استغراقه الأكاديمى فى إعدادها،لم يشغله عن رصد تغيرات عالم ما بعد الحرب الثانية حوله خاصة ما يتصل بانحسار الاستعمار التقليدى لحساب حركة التحرير الوطنى الصاعدة، رصدا وجد رصيده داخل نفسه، خلال معايشته فورة الوطنية المصرية.. ضد الاستعمار البريطانى.. طوال سنوات دراسته فى الجامعة (٤٤-١٩٤٨) وأثمرت من بعد ثمارها الناضجة.. فى كتابيه “استراتيجية الاستعمار والتحرير” و “افريقية الجديدة” وغيرها من المقالات فى الدوريات المتخصصة أفصحت عن منهجه فى الدمج بين الجغرافية والتاريخ فى بنية واحدة، تظللها الفلسفة كما تجلت فى الباب السادس من “شخصية مصر” (الفصول ٢٣، ٢٤، ٢٥ص ص ٦٠٣-٧٨٣) .. فى رؤية ثاقبة وصياغات محكمة تكشف أبعاد الجانب السياسى .. من هذه الشخصية المركبة، متطلعا إلى “النظرية العامة” .. التى تحكم وجودها واستمرارها وبقاءها، تطلعا يمكن متابعة جذوره عند بعض أساتذته.. خاصة عباس عمار وسليمان حزين.. فى أعمالهما المبكرة، ويظهر حمدان وقد تجاوزها بعد ما امتصها وتشرب بها، مستندا فى وثبته إلى ثقافة متنوعة.. ورؤية نافذة فضلا عن لغته الثرية بمستوياتها وايقاعاتها.. التى تعود لموهبته المتفردة، بما جعل منها علامة أسلوبية.. تدل عليه وإن لم يوقع تحتها باسمه.


والمرجح أن فكرة مشروعه الخاص عن “شخصية مصر” قد ولدت أثناء اعداد رسالته ، يدل على ذلك اطلاعه الواسع على أدبيات المؤلفات السابقة.. عن شخصيات الاقاليم والدول وخاصة ما كتبه ما كيندر وفوكس عن بريطانيا، وما كتبه لا بلاش عن فرنسا.. فى مقدمة كتاب عن تاريخها، اطلاعا عامدا منقبا يعود عصبه.. إلى بحث مصر آنذاك عن هويتها.. وتوقها إلى استعادة ورحها، بحثا تعود منابعه إلى الحملة الفرنسية.. ونهضة محمد على من بعدها، وتوقا تأجج بعد ثورة ١٩١٩، وإرهاصاتها فى الثورة العربية قبلهاو فقد بلغت حيرة مصر أشدها.. خلال عقدى ما بين الحربين خاصة، وطرحت فى ساحتها صياغات متناقضة ومتعددة، وقدمت الإجابات عن هويتها.. ما بين فلسفية وسياسية ودينية، بل وأدبية وفنية بشتى الصور، نهل منها حتى ارتوى برحيق عصره، ثم ألهمته ودفعته للمشاركة بعد عودته من بعثته، مشاركة بمقالات مكثفة عن “شخصية مصر وعبقرية إقليمها” أثارت بأصالتها نقاشا واسعا بما قدمته من إجابات.. وأيضا بما طرحته من اسئلة، ثم توسع على مراحل فى مشروعه.. حتى تجسد سفرا من أجزاء أربعة، لم ينته منها إلا قبل وفاته بسنوات معدودة، مخلفا بذلك إجابته الموسعة الناصعة عن شخصية الوطن ولكنها جديرة كما أراها أن تكون نافعة، ليس فقط من حيث ما تسهم به فى الكشف عن هويته.. وإنما أيضا بما تلقيه من ضوء ينير مستقبله.


وبقدر ما ارتوى احتشد، وتدامج مع كتابه، وبقدر ما يكشف الكتاب عن شخصية مصر.. يكشف عن مؤلفه تنبثق قوته منها.. ويعود ضعفه لضعفها، وربما آن الأوان لعرض بعض ما كتب، خاصة ما يعكس ركائزه الفكرية.. التى وردت مركزة فى الجزء الاخير من سفره باعتبارها سارية فيه بدايته إلى نهايته.


(.. مصر تحتاج إلى فورة حقيقية كل بضعة عقود أو أجيال تعيد تقليبها وخضها وتجنيسها ثم توجيهها إلى الطريق الصحيح، بل إنها فى حاجة إلى الفورة الشعبية كشرط للبقاء الحق والحقيقى والوجود الكريم، أى لكى تعيش ولا تنفرض معنويا وأخلاقيا، بمثل ما أصبح الحكم الديمقراطى المطلق منذ الآن شرط عدم انحدارها وتدهورها، أو المزيد من هذا الانحدار والتدهور..) شخصية مصر ج٤، ص٦١٤،٦١٣ .


(.. غير أن الديمقراطية كالحرية، أو ليسا جانبين لشىء واحد ؟ الديمقراطية لا تنمح ولكن تنتزع لا تستجدى من الديكتاتورية، وإنما تفرض عليه فرضا بقوة الوعى وفعل القوة وبيد الشعب نفسه، والانقلاب العسكرى مرض، فعله المضاد هو الثورة الشعبية ولقد ولى زمان الحاكم المطلق المستبد.. فى حياة مصر ..) ج ٤، ص ٦١٢.


( لرحلة مصر على طريق الاشتراكية دربان أساسيان، الاصلاح الزراعى على مستوى الاقطاع والريف والتأميم على مستوى رأسمالية المدن وتلك كما يقرر مابرو محاولة أصيلة.. وإن كانت قد تعرضت للنقد بسبب عدم راديكاليتها) ( ج٣ ، ص٥٩) .


(.. النتيجة النهائية أن مصر حاليا قد أصبحت خليطا غريباً وربما متناقضا من عناصر اشتراكية ليبرالية من رأسمالية الدولة ورأسمالية الطبقة، أو هى إلى حد آخر بورجوازية باسم الاشتراكية وإصلاح باسم الاشتراكية، وإصلاح باسم الثورة، إنه على أفضل تقدير اقتصاد مخلط .


وفى ضوء هذا التحليل.. ينتهى الكثيرون إلى أنه إذا صح أن الثورة أسقطت تحالف الإقطاع والرأسمالية وأحلت محله تحالف العسكريين والمثقفين خلال الستينات، فإنها فى النهاية وخلال السبعينيات قد أسقطت هذا التحالف بدوره وأقامت بدلا منه تحالف العسكريين والرأسماليين) (ج٢، ص٦٢).


(.. قمة المأساة بالطبع.. أن الديون تحيل اقتصادنا القومى برمته تابعا خاضعا، معتمدا على الخارج .. إلى حد رهن الاستقلال الوطنى ذاته، ومن السخرية أن خير من عبر عن هذه التبعية.. هو روبرت ماكنمارا الذى قال حين كان رئيسا للبنك الدولى إن الشعب المصرى يأكل ٣أيام فى الأسبوع من جهده، و٤ أيام من جهد غيره..) (ج٣، ص١٣٤).


(.. ولكن يقينا قبل تخطيط الانتاج جميعا.. ألا تأتى منطقيا مشكلة الفاقد فى الإنتاج، ذلك الفاقد الذى يسخر من عملية الإنتاج نفسها، مثلما يسخر من عملية تخطيطية قبلها أو بعدها..) (ج٣ ، ص٢٨٩).


(.. وأول وأشمل مثلما هو أبسط وأبرز أعراض الأزمة الاقتصادية هو الانفجار الاستهلاكى، فإن يكن الاستهلاك هو المسئول بعامة عن شيطنة pedqvil الاقتصاد المصرى، فإن الاستيراد هو المسئول بخاصة عن سرطنته، فإذا ما عدنا إلى نمط الاستهلاك بشىء من التفصيل، فإن الانفاق الحكومى ابتداء استعراضى تحكمه مركبات العظمة والغرور الكاذب فبدعوى الكرامة الوطنية يحاكى جهاز الدولة نظراءه فى أكبر وأغنى الدولة، فى حين أن الدولة نفسها لا تعدو كسرا عشريا وربما مئويا فى القوة والحجم والوزن السياسى والمادى) .


(ج٣، ص١٢٢).


(.. أما الانفتاح الذى يرادف الانتفاح فقد خلق طبقة جديدة ثقيلة من الرأسمالية العاتية المستغلة والطفيلية غير المنتجة فى أعلى السلم الاجتماعى، كما خلق طبقة جديدة منتجة، ولكنها نسبيا مستغلة أيضا فى أسفل السلم الاجتماعى من الحرفيين والعمال المهرة، ارتفعت من القاع بسبب ندرتهم واقتصاد السوق، حتى الفلاحون بدأوا جزئيا وبطريقة ما يتبرجزون، على الأقل من تداعيات البترول العربى والانتفاح العربى ). (ج٣، ص٦٣)


(.. أما أولئك الذين يرون بأن الارتباط بالغرب وحده هو الانفتاح وحده، فنظرتهم تلك عوراء لا ترى الحقيقة إلا بعين واحدة لا ترى إلا أن العالم هو الغرب.. ولا شىء سواه وهى النظرة الاستعمارية التى سادت طويلا، والتى تركز على أن الدنيا هى أوربا Euro-Centric والان على أوربا وأمريكا معاAtlanto Centric أو الغرب بعامة West-Centric (ج٣، ص١٥٣).


(.. النتيجة النهائية هى مجتمع طبقى مختل طبقات مقلوبة وطبقية متميعة، باختصار فوضى طبقية ضاربة وخلط هيكلى عام وعارم وهذا الهلط وهذا الخلط وهذه الفوضى حدد ملامح انقلاب طبقى لا ثورة طبقية انقلاب اجتماعى لا ثورة اجتماعىة ومصر فى هذا الرأى.. لم تكن طبقية ولا برجوازية ولا رأسمالية أكثر مما هى عليه اليوم بالدقة ولا كانت الفروق الطبقية أوسع وأبرز مما هى عليه الان قط حيث ازداد الاغنياء غنى والفقراء فقرا أكثر من أى وقت مضى وصل عدد المليونيرات فى مصر الان-القطط السمان- إلى القمة القياسى فِى تاريخ مصر الحديث، البعض يقول بضع عشرات من الألوف، بينما يقدره جهاز الضرائب بنحو ١٥- ألفاً فى حين يصل به بعضهم إلى ربع مليون مليونير نتيجة الصافية أو الصافعة فى تقدير هذه المدرسة الفكرية النقدية أن مصر فقدت طريقها إلى الاشتراكية، واختلت بوصلتها الاجتماعية طبقيا، فالانفتاح إذن هو أعلى مراحل الليبرالية والميول الرأسمالية) (شخصية مصر، (ج٣ ص٦٤).


(..وواقع الزمر أن ما لا تريد مصر أن تذكره، هو أن نموذج الرأسمالى وقمته الأمريكى.. لا يصلح لها كدولة نموذج يصلح لمجتمع أو دولة الوفرة، ولا يصلح لمجتمع أو دولة الندرة مثل مصر.. والحقيقة.. فى الحساب الصافى والتصفية النهائية، إن كلا من الانفتاح والانغلاق مطلوب مفيد، لكن المشكلة هى كيف؟ ولمن؟، فالانفتاح مفيد بالتأكيد للأقلية (الساحقة)، والانغلاق مفيد بالتأكيد للأغلبية (المسحوقة)، ولذلك فإن الأول تنمية لكنها لا مفر طبقية، بورجوازية واستغلال باسم الوطنية، والثانية تنمية وطنية.. ولكن للقاعدة العريضة والجماهير الأساسية، قدر موزون إذن من الانفتاح والانغلاق، ونكاد نقول بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا.. هى الصيغة الملائمة المطلوبة لمصر..) (جـ٣، ص ص ١٥٦-١٥٧).


(.. ومصر بالذات محكوم عليها بالعروبة والزعامة، فمصر لا تستطيع أن تنسحب من عروبتها، أن تنضوها عن نفسها حتى لو أرادت، كيف؟ وهى إذا نكصت عن استرداد فلسطين العربية كاملة من البحر إلى النهر، وهادنت وحكمت عليها بالضياع، فقد حكمت على نفسها أيضاً بالإعدام بالانتحار، وسوف تخسر نفسها ورصيدها، الماضى والمستقبل.. التاريخ والجغرافيا..) (جـ١، ص ٤٦).


يرى بأن «الشخصية الإقليمية» ذروة الجغرافية وبإطلالة كلية يراها علوية رفيعة super Geog، وذلك بقدر ما هى تركيبية.. لا تقف عند حدود وصف المكان.. بل تتعداها إلى فلسفته، بما تعتصره ثم تستقطره من بنيته وروحه وعقله، وهى فلسفة عملية بقدر ما تلخصه وتضعه من مقولات صائبة.. تدعم قوته وتعالج ضعفه، ولم يكن دربه إليها سهلاً، فرغم الإقرار بأهميتها وقيمتها، إلا أن نماذجها السابقة محدودة.. فى الأدبيات الجغرافية بعامة، يذكر من بينها.. ما كتبه لابلاش فى مقدمته لكتاب لافليس عن تاريخ فرنسا.. تحت عنوان «شخصية فرنسا الجغرافية»، والمؤلف المشهور لفوكس عن شخصية بريطانيا the


personality of britain، وكتاب


ماكيندر «بريطانيا والبحار البريطانية»، كما يشير إلى دراسات «حزين» المبكرة عن البيئة والموقع فى مصر عبر التاريخ، وأيضاً إلى كتب «مصر ورسالتها» لحسين مؤنس، و«تكوين مصر» لشفيق غربال، و«أصول المسألة المصرية» لصبحى وحيدة، و«سندباد مصرى» لحسين فوزى.. باعتبار ريادتها فى تلمس خصائص شخصية مصر.. جغرافياً وتاريخياً وسياسياً.


ومن هنا فقد وجد من الضرورى أن يفرغ أولاً من تعريف موضوعه، وتحديد ضفافه المنهجية العامة، موضحاً غايته النهائية، وردت كما يلى فى الصفحات الأولى من الجزء الأول من كتابه المتفرد.


(.. الشخصية الإقليمية.. أكبر من مجرد المحصلة الرياضية لخصائص وتوزيعات الإقليم، تبدأ بالتساؤل عما يعطى منطقة تفردها وتميزها بين سائر المناطق، محاولة أن تنفذ إلى روح المكان لـ «تستشف» عبقريته الذاتية التى تحدد شخصيته الكامنة، وهذه فكرة «الهيكل» المركب compage، عند بعض الجغرافيين الأمريكيين أو ما يعرف كاصطلاح عام بعبقرية المكان genius loci فيها يتم تشريح كائن عضوى ضخم macro organism إلى أعضائه الكائنات الدقيقة micro organisms، كما لا بد من إعادة تركيبه وهى بهذا تحاول أن تصنع عالماً صغيراً نسبياً micro cosm فى مكانه الدقيق والصحيح من عالم أعظم macrocos، ومن ثم تقع فى دائرة ما سمى بالجغرافية الملحمية Macrogeography، ذلك كله.. الجغرافية الطبيعية والبشرية والإقليمية - على المستوى النظرى الأكاديمى، غير أن المستوى التطبيقى لا يقل أهمية وخطراً، فمن المنطقى بلا شك.. بعد أن تكون قد حللت شخصية المكان فى الماضى والحاضر، بكل هذه الاستفاضة والإحاطة والشمول، من المنطقى أن تتعرض بالتقييم والتقويم لنقاط القوة والضعف التى قد تنكشف فيها، وهذا ما يقودنا رأساً إلى الجغرافيا التطبيقية، جغرافية التخطيط ورسم السياسات الإقليمية والاستراتيجية القومية، وبهذا الشكل تصبح جغرافيا التخطيط فى واقعها بمثابة جغرافية المستقبل Geofuturology، توظف الماضى والحاضر، فى كشف الطريق أمام مستقبل أفضل..) (شخصية مصر، جـ١، ص ص ٥٧-٥٨).


(.. والآن فإن من المحقق أن طبيعة الجغرافية الكاملة الكامنة هذه.. لا تتحقق فى شىء كما تتحقق فى دراسة الشخصية الإقليمية، فليست الشخصية الإقليمية مجرد تقرير حقيقة علمية مطلقة.. يمكن أن تخضع تماماً للقياس الرياضى الإحصائى، وذلك على الرغم من أنها تعتمد على مادة علمية موضوعية بحتة، إنها عمل فنى بقدر ما هى عمل علمى، فكما يقول «جلبرت».. إن الجغرافية فن التعرف على شخصيات الأقاليم وتفسيرها، وأن شخصية الإقليم كشخصية الفرد يمكن أن تنمو وأن تتطور وأن تتدهور.


على أننا نرى أن فن تناول المادة العلمية لا يكفى وحده، ولهذا فنحن أيضاً مع «دبنام» حين يعرف الجغرافية بأنها «فلسفة المكان»، ومع «ماكيندر» حين يتحدث عن «الجغرافية الفلسفية»، وذلك دون أن نذكر دعوة البعض المتطرفة إلى ما يسمونه Geosophy، ولا يعنى هذا أو ذاك فلسفة محلقة غامضة، بل فلسفة عملية واقعية concrete philosophy قد ترفع برأسها فوق التاريخ.. ولكن تظل أقدامها راسخة فى الأرض، فلسفة تخلق بقدر ما تحدق.


وهكذا فإن المطلوب جغرافية حية، بمعنى جغرافية الحياة اليومية every day life geography، تلك التى إذا عرفتها عرفت كل شىء عن نمط وطبيعة وظروف وقوانين الحياة فى هذا المكان أو ذاك، جغرافية الحياة التى وإن بدأت من أعلى آفاق الفكر الجغرافى فى التاريخ والسياسة، فإنها لا تتقاعس عن أو تستنكف من أن تنفذ أو تنزل إلى أدق دقائق حياة الناس العادية فى الإقليم، باختصار جغرافيا تنسج الحياة اليومية ودورة حياة الناس الجارية فى نمط الإقليم ومورفولوجية الأرض..) (من كتاب شخصية مصر ص ص ١٥-١٨).


ليس كتاب شخصية مصر عملاً موسوعياً.. كما يوصف أحياناً.. ربما بسبب تعدد أجزائه (٤ أجزاء) وضخامة عدد صفحاته (٣٥٥٢ صفحة)، بل إنه على العكس تماماً (ضد موسوعى) على حد قوله، ذلك أنه إذا كانت الموسوعة - تعريفاً - عملاً تجميعياً معلوماتياً بالدرجة الأولى، فإن شخصية مصر عملاً عقلياً بنائياً من جذوره، يستند إلى مقولات فكرية.. يبدأ منها، وينتقل إلى ما يثبتها واقعياً.. جغرافياً وتاريخياً، يدل على ذلك عنوانه الرئيسى «شخصية مصر».. دراسة فى عبقرية المكان.. ومن مفهوم «العبقرية» الأساسى.. تشتق عناوين فصوله (٣٧ فصلاً) بل وعناوينه الثانوية داخل صفحاته، كما يدل على ذلك التحديد المبكر لملامح هذه الشخصية (ص ٣٣)، هذه التى يفترض تقليدياً أن ترد فى صفحاته الأخيرة، والمرجح أن حمدان قد وضع بعد تأمل طويل وعميق.. منظومة كتابه الفكرية أولاً (شكل ٣)، ثم عكف بعد ذلك على البرهنة عليها وإثباتها تفصيلياً، محاذراً فى موضوعية صارمة.. أن يتعسف قط فيما يعرضه من أدلته.. أو يغفل ما يتعارض معها، عامداً إلى تفنيدها.. باعتبار أن ذلك مما يؤكد مقولاته ولا يضعفها، لا يثبت هذا قائمة مراجعه (وهى بالمئات) فحسب.. بل وأيضاً ما يورده فى تحليلاته من مناقشة آراء غيره، وقد مكنته قدراته العقلية من السيطرة على موضوعه.. وبنفس الدرجة على ضده، ملتقية مع طموحه العلمى نحو بناء النظرية، ومطوعة مهاراته الفائقة الأخرى (اللغوية بصفة خاصة) لتحقيق هدفه.. أو أهدافه المتعددة على وجه الدقة، لقد احتشدت قواه جميعها تحت إمرة عقله، يتجلى ذلك تماماً فى كل سطر كتبه، الرؤية الفلسفية، وقدرات التجريد والتعميم والتخيل والتوقع، ومهارات التصوير والإحساس الإيقاعى المرهف، ودانت له اللغة فى تركيباتها المركبة والسلسة، هذه التى وظفت ببصيرة نافذة لتجسيد مشروعه الفكرى، بمستويات نفعيته المتعددة لوطنه وعلمه، وبما يلبى طموحه المتقد.. لأن يعكس شخصية مصر عند الذروة.


(.. ولئن حق لنا أن نبغى تفاصيل التفاصيل عن كل قطعة من أرض مصر، فحق علينا كذلك ألا نغرق فيها أو نتوه، وإنما علينا أن نتجاوزها، نقفز منها وفوقها إلى أعلى الكليات وأعم العموميات، فوصف المكان وحده ليس يكفى، بل لا بد بعده من فلسفة المكان، وإلى جانب النظرة التحليلية الميكروسكوبية والجغرافية المجهرية، لا غنى عن النظرة التركيبية التليسكوبية والجغرافية والماكروسكوبية macroscopic الواسعة الأفق.


وإذا كانت الدراسة الإقليمية التحليلية.. تثرى معرفتنا بالمعلومات، غير أنها قل أن تتقبض على روح المكان، أو تجسد العبقرية بإحكام، إنها تشرح الإقليم.. إلا أنها فى غمار ذلك تضحى بروح الإقليم، ولهذا فإن علينا لكى نقيس شخصية مصر فى الصميم أن نتحرك من التخصيص إلى التعميم.. من الجزء إلى الكل، نضع رقعة الوطن فى بؤرة واحدة، لننظر إليها من منظور سماتها وخصائصها وملامحها الرئيسية السائدة، وهكذا نبدأ بدراسة «التجانس» بجوانبه المختلفة، التجانس الطبيعى فى الأرض والمناخ، التجانس المادى فى الزراعة والمحاصيل، فالتجانس العمرانى فى توزيع السكان، فالتجانس الحضارى فى القرى والمدن، ثم أخيراً التجانس البشرى فى السلالة والتكوين الجنسى، ومن التجانس نتقدم منطقياً إلى الوحدة، الوحدة السياسية بكل مقوماتها ومكوناتها.. من وحدة إقليمية ووطنية ولغوية ونفسية (شكل ١).


تلى هذا سلسلة فصول التطورات التاريخية، قل سلسلة «من.. إلى»، من السبق الحضارى إلى التخلف، من الطغيان الفرعونى إلى الثورة الاشتراكية، من إمبراطورية إلى مستعمرة، والموضوع الأخير بالذات يستدعى ويشمل وقفة مفصلة أمام الاستعمار الأوربى الحديث، باعتباره آخر وأعلى مراحل الاستعمار، ثم وقفة معممة عند شخصية مصر الاستراتيجية ككل، ومن السياسة والاستراتيجية ننتقل إلى البناء الحضارى وأساسه الطبيعى ممثلاً أولاً فى الموقع.. قلب العالم.. ثم فى الموضع.. هبة النيل.


وهذا الأساس الصلب يضعنا تلقائياً على الطريق إلى دراسة شخصية مصر الاقتصادية، التطور العام والخصائص الرئيسية أولاً، ثم الزراعة فالصناعة والثروة المعدنية، كل على حدة، وكل بهياكلها ومشاكلها وتخطيطها، ثم من الاقتصاد نتحرك منطقياً إلى الاجتماع، فنرسم خريطة المجتمع المصرى فى بحثين أساسيين، الأول يعالج السكان تحت عنوان «كثافة بلا هجرة» والثانى محوره المدن.. تحت عنوان «مركزية رغم الامتداد».


بعد هذا ننتقل بحرية وسرعة محلقين بين آفاق الزمان وأبعاد المكان، لندرس أولاً: تعدد الأبعاد، ثم التوسط والاعتدال، ثم الاستمرارية والانقطاع، والموضوع الأخير ينقلنا منطقياً إلى الباب الختامى فى الموضوع كله، وهو موضوع مصر والعرب، فتدور فصوله بين الوطنية المصرية والقومية العربية أولاً.. ثم مصر فى عالم عربى متغير ثانياً..) (شخصية مصر، جـ١، ص ص ٤٨- ٥٠).


كيف توصل حمدان إلى تحديد الملامح الأساسية لشخصية مصر؟ وكيف تمكن من ارتياد منطقة من العلم.. غير مطروقة لشدة وعورتها من قبل.. على الأقل بالنسبة لمصر؟ تلك قضية منهجية بالدرجة الأولى (شكل ٢)، ذلك أن أدنى اختلال فيما يعرضه.. لا يميع مقولاته فحسب.. بل يوهن من مصداقيته العامة على الفور، فالمنهج هنا فى هذا المجال الصعب.. مثل حبل مشدود شديد الحساسية.. عليه أن يجتازه فكرياً ولغوياً ونفسياً.. ملتزماً بأدق القواعد المنهجية.. محافظاً فى نفس الوقت على مرونته وحيوية أدائه.. بطول صفحات مشروعه الضخم، ويمكن القول - من بعد - بأنه قد حقق دربته الأساسية من كتاباته التى سبقت مشروعه.. هذه التى دلت على لياقة عالية مهدت له، والمؤكد أنه لم يشرع فيما خطط له.. قبل قراءة واسعة.. يصعب


الإحاطة بأبعادها.. وإن دلت عليها ببولوجرافيته فائقة الثراء والتنوع بالقطع، ثم هو رغم فطرته التجديدية المتوثبة.. آثر أن يلتزم بالمنهج الجغرافى التقليدى فى عمومياته.. بمثابة ركيزته الراسخة من قبل.. مؤجلاً تحليقه لما بعد، فجاء مشروعه فى إطار التقسيم المستقر للعلم.. إلى فروعه الرئيسية.. الطبيعية.. البشرية.. الاقتصادية.. دون أن تمس، مخصصاً لكل فرع جزءاً منه.. يغطى تفصيلاته كما ينبغى لها بالتوضيح والشرح، مستخدماً كافة الأساليب المعتادة.. من خرائط إلى جداول.. إلى نماذج.. متبعاً فى عرضها ذات الطرق المعروفة.. من تحليل ووصف ونقد، متوصلاً إلى تحقيق الألفة المنهجية بداية.. بما يضمن له توصيل إضافاته المنهجية بعد ذلك بيسر، هذه التى ساقها بعد ذلك فى سياقاتها.. بحذر أولاً.. ثم شاعت وأشاعت الجدة والأصالة فى نسيجه المنهجى، فهو عندما يبدأ بالصورة العامة فى إيجاز وإحكام.. إنما يمهد لما بعدها.. حين يصيغ مقولته عنها فى شكل المعادلة، وهى إن كانت معادلات لفظية بأكثر منها كمية.. إلا أنها بمثابة أسلوبه الأساسى لأن يحفر مقولته حفراً فى الذهن.. فتصبح وكأنها حكمة أو مثلاً سائراً على الأقل، ثم هو يعمد إلى “جمع النقائض”.. بما يثير الذهن، متوجهاً منها إلى إثباتها أو دحضها.. مستعيناً بالأدلة من كل علم، مطبقاً بذلك بجدارة فائقة ما يعرف بمنهج العلوم المتعددة Interdisciplinary. APP حيث يخضعها للفحص من كافة الزوايا.. مقلباً لها من كافة وجهات النظر، منتهياً إلى ما يريد إثباته بالفعل، بعدما يكون قد طرق وراء ظاهرته كل فج، ثم هو يطبق بيسر المنهج الأيكولوجى.. المستند إلى تحديد العامل الرئيسى.. ومن حوله منظومته.. بعلاقاتها المعقدة المتشابكة، مسيطراً على فروضه الصعبة.. المتصلة بتحديد درجة التوازن.. وعلامات الاختلال.. على منحنى شديد الحساسية للمتغيرات الدقيقة منها قبل الكبيرة، ويدخل بهذا المنهج مجالات غير معهودة.. اقتصادياً وعمرانياً وسكانياً.. فتتفتح له سراديبها.. وتنجلى غوامضها الدفينة، ورغم أن المنهج الكمى.. لا يظهر ضمن أدواته إلا نادراً.. خاصة فى صياغاته الرياضية الحديثة، فإنه يعوض غيابه.. بشتى الأساليب المنطقية.. المدعمة بأداء لغوى فائق.. ومهارات تحليلية تركيبية.. تكشف الظواهر.. وتقنع بما يتوصل إليه من حقائق.. وما يوصى به لمواجهة المشاكل، ويتجلى المنهج التاريخى عصباً أساسياً فى كتابه، فمن التاريخ ينهل رصيده، ليعيد تنظيمه.. فى رؤية شاملة محيطة، بل هو يدمج المنهج فى الجغرافية بحذافيره، وذلك فى إطار مقولة “التفسير الجغرافى للتاريخ.. متخذاً منها قاعدة لتفسير المراحل المتتابعة لتاريخ مصر الألفى كما يسميه، بل هو يساوى بين أهمية الجغرافية التاريخية لمصر.. وبين جغرافيتها الطبيعية والبشرية “.. ولهذا فإن دراستنا هذه دراسة فى الجغرافية التاريخية.. كما هى دراسة فى الجغرافية الطبيعية والبشرية.. ص٥٦، جـ١”، وأخيراً.. فإن تمرسه الطويل بالمنهج الإقليمى.. باعتباره درجة جغرافية أساسية.. وباعتبار موضوعه.. قد جعلت من عناصره أوتادا.. يشق بها طريقه، بل إنه لا يمانع فى أن ينسب عمله جميعاً إلى الجغرافية الإقليمية الخاصة Specielle Geographie التي ترادفالكورولوجيا أو التباين الأرض “ص٥٧، جـ١” التى هى بالضرورة مصب ومجمع ونهاية وقمة الجغرافية.. بالمعنى الأكاديمى.


يفتتح العمل ابتداء بالجغرافية الطبيعية، ثم يمضى قدما لخوض آفاق الجغرافية البشرية بكل مراحلها ومراتبها، وهو إذا يضغط فى الشق الطبيعى على الأرض والمناخ بنوع خاص - لا قيمة عملياً للغطاء النباتى والحيوانى فى مصر الصحراوية - فإنما ليضغط على علاقة التكامل والتواصل الحتمية والصحية بين الجغرافية الطبيعية والبشرية من حيث المبدأ، وتأتى الأخيرة فى دراسة أصولية إقليمية.. بمفهوم المدرسة الفرنسية، وهاهنا بالضرورة يرقد مركز الثقل فى العمل ككل، من ناحية لأن تلك هى طبيعة جغرافية مصر، ومن ناحية أخرى لأن الشخصية الإقليمية إنما تبرز وتترجم من خلال الإنسان وأعماله فى الدرجة الأولى، والمهم داخل هذه الحدود أن نحتفظ بالتوازن السليم بين النظرتين الطبيعية Geocentric والبشرية Homocentric بين دراسة اللاندسكيب الطبيعى واللاندسكيب الحضارى.


وتكاد جغرافية مصر البشرية تعنى الجغرافية الاقتصادية تقريباً، خاصة منها الزراعية، مع رشاش أو تهميش هنا وهناك من جغرافية السكان والمدن عادة، ذلك فى رينا قصور معيب لا يستقيم، ومن هنا حاولنا معالجة متكاملة متكافئة بقدر المستطاع لكل مراحل ومناحى الجغرافية البشرية.. من الاقتصادية إلى الاجتماعية، ومن الجنسية إلى السياسية، ومن الحضارية إلى الثقافية، وسيجد القارئ - ربما لأول مرة - اهتماماً خاصاً بتلك الجوانب المهملة من جغرافية مصر البشرية: القرية والمدينة، جغرافية السكان، الجغرافية الجنسية، جغرافية الدولة السياسية والاستراتيجية.


ومادمنا قد قلنا الجغرافيا البشرية.. فقد قلنا توا الأيكولوجيا.. أى العلاقة بين البيئة والإنسان، وما دمنا قد قلنا الأيكولوجيا.. فقد قلنا إما فلسفة الحتم الجغرافى.. وإما مدرسة الحرية.. إمكانية كانت أو احتمالية أو ضرورية، والجانب الذى نسترشد به فى هذه الدراسة.. هو أنه ليس هناك حتم جغرافى، ثمة فقط حسم جغرافى، فالجغرافية عامل هام فى تفسير الحياة والحضارة والتاريخ فى مصر، ولكنها بالتأكيد ليست العامل الوحيد، فلا مكان فى العلم الاجتماعى للأحادية monism، والكثير جداً من النظريات البيئية ليست فى الأساس جغرافية، وإنما وضعها علماء آخرون من سائر العلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعية.


والجغرافية البشرية لمصر.. ومثلها الطبيعية.. لا تقتصر على الحاضر.. وإنما هى مضروبة فى الماضى، فى تاريخها الطويل بمراحله المتعاقبة، والجغرافية التاريخية تصل الحاضر بالماضى، وتضيف إلى الجغرافية الراهنة جغرافيات عديدة.. تتضاعف بها أعماقاً وأبعاداً وأعماقاً، وهى أكثر ما يسبر روح أى إقليم ويعبر عن جوهر كيانه، ليس فقط بكشف الثوابت المتكررة أو المتغيرات فى سلوك الإقليم ودوره، ولكن أيضاً بالإحاطة والشمول الزمنى، وليس صدفة أن أغلب من درسوا الشخصية الإقليمية من الجغرافيين - إنما دخلوها من الجغرافية التاريخية أساساً، والملاحظ أن دراسة الجغرافية التاريخية لمصر.. بينما أبدت اهتمامآً معقولاً بالجوانب الاقتصادية خاصة كالزراعة والرى والصناعة، والاجتماعية إلى حد ما.. كالسكان والمدن، أهملت الجوانب السياسية إلى حد بعيد، وتضع دراستنا هذه الجانب السياسى من جغرافيتنا التاريخية فى البؤرة، فهى تتبع نمو الدولة المصرية وإقليمها.. عبر العصور، كما تعالج استراتيجياتها السياسية والعسكرية فى صراع القوى التاريخية من حولها، مثلما أخضعت مراحل الصعود والسقوط ودورات المد والجزر التاريخية فى أقدارها ومصائرها.. لمقاييس وتكنيك الجغرافية السياسية المعاصرة، وبهذا وبغيره ننسج على مدى فصول الكتاب شخصية مصر الجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية.. منذ تبزغ فى البداية، إلى أن تبرز لنا تامة النضج والاكتمال.... شخصية مصر جـ١، ص ص ٥٠ - ٥٦.


يقرر أن النظرية العامة التى يفسر بها شخصية مصر تستند إلى التفاعل بين بعدين أساسيين فى كيانها، وهما الموضع Site والموقع Situation “جـ١، ص ٣٥” ومن ثم فإنها بالدرجة الأولى نظرية مكانية، ويعنى الموضع البيئة بخصائصها وحجمها ومواردها فى ذاتها، أى البيئة النهرية الفيضية بطبيعتها الخاصة، وجسم الوادى بشكله وتركيبه، أو كما يقول أحمد فخرى بحق فى “مصر الفرعونية”.. “لقد استمدت مصر شخصيتها الحقة من شخصية أرضها ونيلها”، أما الموقع.. فهو صفة نسبية تتحدد بالنسبة إلى توزيعات الأرض والناس والإنتاج حول مصر، وتضبطه العلاقات المكانية التى تربطه بها، الموضع خاصية محلية داخلية ملموسة، ولكن الموقع فكرة هندسية غير منظورة “جـ١، ص ٣٥”.


وبعد أن يضع يده على هذا العصب الأس.. لا يتوقف عن تطبيقه.. متلمساً به طريقه - عبر عناصر شخصيتها جميعها، طبيعية وبشرية واقتصادية وعمرانية وسياسية.. منفردة ومجتمعة، ولكنه بداية يكشف عن التناقض بين هذين البعدين من حيث الأهمية.. حيث إن حجم الموضع لا يتكافأ دائماً مع خطورة الموقع، وبينما يدفع الأول إلى قدر من العزلة.. يدعو الثانى إلى فيض من الاحتكاك، ولكنه تناقض يفضى إلى التكامل أيضاً، وبصيغة رياضية فإن معادلة القوة فى شخصية مصر هى “الموقع * الموضع” جـ٢ ص ٦٩٣، وبمعنى آخر فإن توظيف إيجابياتهما يحول التناقض إلى تناسق، ويفجر مكامن القوة، مستدلاً على ذلك بمتابعة مراحلها الحضارية، هذه التى تثبت ذبذباتها بين سموق إلى حد الامبراطورية.. وهبوط إلى حد المستعمرة.. حقيقة التكامل بينهما، فحين تزدهر مصر داخلياً “الموضع”.. يصبح الموقع محمياً.. ويصب موارده فى بنيتها، وتطفر مصر كقوة إقليمية، أما إذا ضعفت بنيتها.. تدافعت القوى إليها.. لتسيطر على الموقع ومن ثم الموضع بعده، وبهذه الفرضية يفسر تاريخها، ومن ثم يقرر بأن كيان مصر ومصيرها.. وظيفة مباشرة للعلاقة المتغيرة بين قوتها كموضع وقيمتها كموقع، ذلك مفتاح الماضى مثلما هو دليل المستقبل “جـ٢ ص٦٩٣”.


وتتمحور مواردها الموضعية فى نيلها.. مائيته وتربته، ثم بالتالى فى الزراعة وإنتاجها، وفى سهولة سطحها عامة.. هذه التى جعلت من موضعها “السهل الممتنع”، وفى الموارد المعدنية لصحراواتها، خاصة بترولها وفوسفاتها، وفى مناخها.. الذى كيف دورة محاصيلها، وفى جبهاتها المائية.. بحرية وبحيرية، وفى غير ذلك مما لم يستغل.. ولا يزال كامناً، ومن موضعها تدفقت خصائص شخصيتها المتفردة، يتصدرها التجانس “جـ٢، ص ص ١٣، ٣٦٢”.. خاصية مستمرة فى طبيعتها “ص ص ١٣ - ٥٨”، واقتصادها “ص ص ٥٩ - ١٦٥”، وعمرانها “ص ص ١٦٦ - ٢١١” وحضارتها “ص ص ٢١٢ - ٢٥٤” وسكانها “ص ص ٢٥٥ - ٣٦٢”، متبعاً ذات مناهجه التاريخية والأيكولوجية والاحصائية.. فى إثبات ظواهره.. فى هذه المجالات جميعها، ومن بعده يأتى “التكاثف”.. أو ما يعبر عنه بالكثافة المكثفة.. حتى لتبدو مصر كأنبوبة مغلقة.. مكتظة بالعمران والبشر، ولكنه تكاثف يرتبط بالنيل وحده.. منفصلاً عن بقية مصر بحدود قاطعة بمثابة تنويعة شديدة العمق.. فوق سطح التجانس مرتبطة بمائيته، أو هو لحن منفرد.. متميز بتجانسه الداخلى، مرتبط بالصحراوات التى تحيطه.. ارتباط اليرقة بشرنقتها، فى علاقة تكاملية تفاضلية معاً، تكاملية بحكم حاجاته الدفاعية.. بما يكفل استمراريته، وتفاضلية.. بحكم جاذبية النيل بالقياس للصحراء الطاردة، ولكن للصحراء امكاناتها الكامنة.. التى قد تؤدى إلى التوازن يوماً.. أو على الأقل بالتخفيف من كثافة النهر المكثفة، وبعدهما “التجانس + التكاثف”.. تأتى “الوحدة”.. خاصية ثالثة، يدل عليها وحدة التاريخ والثقافة والدولة المركزية المبكرة، وحدة قلما انفرطت أو قسمت، تبلغ أعماقها فى شخصية المصرى.. بسيكولوجيته وسلوكياته المحددة، وهى وحدة تأطرت بمركزية موضعية وسياسية صارمة، فرضتها ضرورات الرى.. وتجسدت فى العاصمة..، وتورمت ببيروقراطية متشعبة.. يعلوها الفرعون على طول عصورها “جـ٤ ص ٢٧٠”.


وتتمثل مواردها الموقعية.. فى توسطها الفلكى والجغرافى على مستوى القارات والأقاليم المجاورة، وبالتالى أهميتها لخطوط الحركة التجارية طوال عصورها، هذه التى ترمز لها قناة السويس فى هذه المرحلة، وفى إطلالها على البحرين المتوسط والأحمر معاً، وفى نيلها الذى يشق صاعداً إلى قلب إفريقية.. وإن تفاوتت سهولة الملاحة بين قطاعاته، وفوق ذلك توسطها الحضارى والثقافى بين أوروبا وإفريقية والعرب، ومنه - الموقع - انبثقت مجموعة من خصائص شخصيتها المركبة، يتصدرها “التوسط” كما سبق تحديده، بكل تداعياته السياسية والثقافية والأوروبية والآسيوية معاً، جوهرها العربية. التى تفاعلت معها جميعاً.. لتكون روحها، فإذا كانت الثلاثة الأولى أبعاداً موجهة.. فالعربية هى الوجهة والوجه معاً، ومن بعدهما “التوسط + تعدد الأبعاد”.. تأتى الخاصية الثالثة.. الاعتدال.. تجسيداً لملكة الحد الأوسط عند شعبها، وبها يفسر استمراريتها عبر هذه القرون المتطاولة، خاصية مدعمة بقدرة إسفنجية فائقة.. على امتصاص الثقافات الأخرى وتمصيرها، تؤكد تجانسها المستند إلى النيل كمحرر للاستقرار والسكن، وإلى الصحراء الحامية.


ومن تدامج الموقع والموضع فى شخصيتها.. نبعت بعض سماتها، وبها يفسر “الانقطاع فى استمرارية ثقافتها.. كظاهرة تكررت فى تاريخها.. خاصة من الفرعونية إلى العربية.. كأبرز الأمثلة، هذه التى يعود بها أيضاً إلى تعدد أبعادها، وإلى ضعف موضعها عن الدفاع عن موقعها غالباً، ومع ذلك فإن الاستمرارية تبقى سارية.. وإن تغيرت أطرها، هذه بعض خيوط نظريته عن تأثير “الموضع والموقع”.. فى شخصية مصر.. باعتبارها محور متنه.


“.. ليس سهلاً أن نركز الشخصية الإقليمية فى معادلة موجزة لاسيما إذا كانت غنية خصبة كشخصية مصر، فمصر وإن كانت جزيرة صحراوية بالموضع، فإنها بالموقع إقليم مرور عبور، فى قلب الدنيا وعلى ناصية كل التيارات الحضارية والثقافية، إنها برج أو مرصد - يغطى العالم القديم برمته، ولهذا فلم تملك مصر أن تنعزل قط عن تيارات التاريخ وحركات الحضارة، ونحن نستطيع أن نرى التناسق الدقيق بين أثر الموقع والموضع فى مصر، بما جعل منها منطقة اتصال Zone of junction ومنطقة انفصال disjunction فى الوقت نفسه، وبالتالى منطقة توصيل وتأصيل معاً، ومن هنا حيويتها التاريخية وبقاؤها، إن هذا التناسق الدقيق هو مفتاح جوهرى لشخصية مصر التاريخية، وبه نستطيع أن نحلل كيانها الحضارى.. ما كان منه وما سيكون.


وسواء من حيث الموضع أو الموقع تحتل مصر مكاناً وسطاً، وسطا بين خطوط الطول والعرض، وبين المناطق الطبيعية وأقاليم الإنتاج، بين القارات والمحيطات، وحتى بين الأجناس والسلالات والحضارات والثقافات، بل يمكن القول أن هذا التوسط هو مصر نفسها، فالشعور العام - أكثر مما يقول لا بلاش عن فرنسا، هو الشعور بمتوسط، تمتزج فيه الصفات المتباينة فى سلسلة شديدة التدرج “جـ٤، ص ٤٨٢”.


والتجانس الطبيعى صفة جوهرية فى البيئة المصرية، فالوادى كله وحدة فيضية، أرضه من تشكيل مائه.. مثلما هى من صنعه وصلبه، فالنهر هو بانى واديه الوحيد، والضابط الأساسى لشكل اللاندسكيب الطبيعى، ولهذا فإن النيل يمنح أرض مصر من التجانس بقدر ما يسيطر على حياتها، ومن الناحية الأخرى يقرر بيرجرن Berg-gern “مصر بلد مفارقات طبيعية درامية”.. ولا تناقض، فمصر تتألف من بيئتين أساسيتين هما الصحراء والوادى، وإذا كان من الجغرافيين الألمان من يميز بين الأقاليم ذات النغمة الثلاثية drieklang والثنائية Zweik lang فإن مصر بهذا المعنى من الأقاليم ذات النغمة الثنائية، ومع ذلك فإن هذه الثنائية تترك مكانها فى الحقيقية لأحادية مطلقة، إذا نحن اعتبرنا الحياة فى مصر.. أى مصر المعمورة، وفى استطاعتنا إذن أن نعد مصر الفعالة بيئة أحادية بمعنى الكلمة، ذات نغمة واحدة einklang.. النيل والنيل وحده ضابط إيقاعها.


والتدرج قانون التجانس المكمل، أو فلنقل إنه التجانس فى تدرج، أو التدرج داخل التجانس، ويترتب على هذا أن التغير لا يتراكم حتى يتبلور.. فى فروق محسوسة بدرجة أو بأخرى.. إلا فى أقصى الطرفين من مصر فقط.. وهكذا نعود فنجد أن كل شىء فى مصر الوادى والصحراء.. لا يتغير إلا عند أطرافه القصوى، ليس قط فى النواحى الطبيعية بل والبشرية أيضاً، وإذا جاز إطلاقاً أن نتحدث عن قطبين متنافرين فى اللاندسكيب المصرى، فهما تجاوزا القطبين الشمالى والجنوبى.. فى برارى الدلتا وفى النوبة السفلى، ومع ذلك فليس الأمر تنافرا ينقض مبدأ التجانس القاعدى، بقدر ما هو اختلاف إقليمى ثانوى الدرجة، ويظل الجسم الأساسى من مصر والتجانس جوهره والتدرج مظهره “جـ٢ ص١٤”.


ومن التجانس إلى الوحدة.. فمنذ فجر التاريخ بزغت مصر كشعب واحد تجمعه وطنية فى وطن واحد على شكل دولة أحادية، وراءها تكمن عوامل التبلور الجغرافى، ووحدة البيئة الطبيعية والوظيفية والتجانس الأرضى والجنسى والبشرى، والبيئة الأحادية عادة نقطة قوة فى كيان الدولة السياسى.. ولكنها كذلك يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين.. إذا اعتبرنا أيضاً أنها قد تحد نسبياً من تنوع الموارد الطبيعية، وتجعل الأساس الطبيعى للدولة ضيق القاعدة أحادى الجانب، خاصة أن الوحدة تفضى إلى المركزية.. بقوة المركزية الجغرافية والوحدة الوظيفية وطبيعة الرى فى البيئة الزراعية الفيضية، بما يؤدى إلى تعدد وجوهها.. ومن ثم أصبحت “المركزية، الحكومة، البيروقراطية، العاصمة”.. أطرافا أربعة.. لمشكلة مزمنة متوطنة فى مصر.


لا عجب أن يأتى الغطاء البشرى من عمران وسكان أشبه بإرسابات بشرية سميكة متضاغطة.. لا تعرف التخلخل أو الفجوات، ومنذ فجر التاريخ تبدو مصر الوادى مكدسة كغابة متراصة من البشر فى أرخبيل غاص بالحلات والقرى والمدن، وفى داخل هذه البيئة.. يبدو كل شىء مكثفاً إلى أقصدي حد، مضغوطاً متضاغطاً على نفسه بشدة، ابتداءً من التضاريس نفسها إلى السكان.. مروراً بالتربة والمائية والسكن والزراعة، فالزراعة المصرية من أكثف الزراعات فى العالم تقليديا، إن الزراعة المصرية كانت دائماً أقرب إلى فلاحة البساتين، والفلاح المصرى بستانى محاصيل حقل، وإن لم يكن صاحب أشجار مثمرة بصفة خاصة “جـ١، ص ص ٣٣ - ٤٣”.


وبالنسبة للموقع.. تتبدى لنا فى المحصلة العامة أبعاد أربعة فى توجيه مصر، الآسيوى والإفريقى على مستوى القارات، والنيلى المتوسطى على المستوى الإقليمى، على أن الكل يتداخل فى الإطار العربى الكبير، بيد أن الإطار العربى ليس مجرد بعد توجيهى، إنما هو خامة الجسم وكيان الجوهر ذاته، هو الجسم حيث الأبعاد هى الأطراف، هو الوجه وهى الوجهة، هى الهوية وهو هوائيات الإرسال والاستقبال، بوضوح أكثر.. العروبة وجود.. ولكن الأبعاد توجيه، إن تكون الأبعاد هى اتجاهات البوصلة.. فإن الأساس العربى هو جسم البوصلة ذاته.. “جـ٤ ص ٤٠٠”.