ما أعظمك يا مصر

01/09/2016 - 1:12:04

بقلم: دكتور : أحمد سليمان

أهداني الصديق الأستاذ الصحفي أحمد أيوب مدير تحرير مجلة المصور والمتحدث الرسمي باسم “لجنة استرداد أراضي الدولة المنهوبة”، موسوعة “شخصية مصر” للأستاذ الدكتور جمال حمدان أحد عشاق مصر العظماء، وهي علامة بارزة في تاريخنا الثقافي المعاصر، فمصر هي أم الحضارات العظيمة والعريقة والجغرافيا والحق والعدل والخير، وبينما كان الفراعنة العظماء يشيدون الأهرامات الخالدة في وضح النهار كان العالم لا يزال يعيش في الظلام التام والبدائية والجهل . ملخصي عن شخصية مصر كما رآها الدكتور جمال حمدان، يعتبر من أشهر الذين تحدثوا عن الشخصية المصرية عبر العصور في كتابه الممتع المتعدد الأجزاء (شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان)، نجد أن جمال حمدان اتخذ موقعا وسطيا مثاليا يتفق مع كل متغيرات الحياة.


ماذا قال جمال حمدان عن مصر وعن المصريين؟


المؤرخون المعتدلون


جمع الدكتور جمال حمدان أغلب ما كتبه المؤرخون المعتدلون عن مصر فقال، عما كتبه ابن خلدون روح الفكاهة والنكتة والسخرية والميل إلى الحزن والبساطة والتعاون وحب الأسرة والتدين والطاعة والصبر. ويقول عنها المقريزي، الجبن وسرعة الخوف.


هكذا استخلص جمال حمدان بعض الصفات التي وصف بها شخصية المصريين، كما قال التدين على رأسها، وهذا يرجع إلى حضاراتها الزراعية بكل ما يتصل بها من صفات مثل الصبر والتحمل والمحافظة، ومن المؤكد أن هذا هو سر من أسرار احتفاظ المصري القديم بعاداته وتقاليده عبر العصور .


بحكم الاعتدال فالمصري أميل إلى الشخصية الاجتماعية غير المغلقة، وهو أيضاً أميل للتعاون مع الآخرين وهذا ما اكتسبه من البيئة والجغرافيا والتاريخ واحترام الواقع وأحيانا كثيرة يهرب منه بالتدين المفرط أو يواجهه بالنكتة.


يؤكد جمال حمدان، أن مصر لم تعرف كراهية الأجانب أبدا بحكم موقعها في ملتقى حضارات عديدة بين ثلاث قارات، أن مصر لم تعرف العنصرية أو التعصب الجنسي، وأي شعوب تقترب منها تذوب فيها بتفاعل كيميائي نادر هذا بفضل قوة امتصاص عجيبة، نجد المصري استطاع أن يتعايش مع تلك الشعوب جميعا جنبا إلى جنب من دون أن يفقد هويته الشخصية المميزة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك هو خروج مصر من تحت عباءة الاحتلال الروماني لأكثر من ٦٥٠ عاما بشخصيتها القديمة دون أدنى تأثير .


الاستمرارية والانقطاع – فرعونية أم عربية؟


الاستمرارية:


هي صفة مشتركة بين جوانب الشخصية المصرية من حيث الملامح الاجتماعية والثقافية والعادات والتقاليد والألفاظ والأفكار ابتداء من المحراث حتى شم النسيم، ومن وفاء النيل حتى الختان، أي أن روح المحافظة الشديدة هي طابع قومي عميق الجذور في الشخصية المصرية.


الاستمرارية المصرية لا تعني التكرار بقدر ما تعني التراكمية، فقال عنها نيوبري (Newbarry) “مصر وثيقة من جلد الرق، الإنجيل فيها مكتوب فوق هيروديت، وفوقهم القرآن، وخلف الجميع لاتزال الكتابة القديمة مقروءة”. يمكن أن نضعها قاعدة عامة فنقول إذا كانت جغرافية مصر تراكبية، فإن تاريخها تراكمي – وإذا كانت سمة الاستمرارية وهذا لاشك فيه – فإنها معتدلة ونسبية.


تتضح الاستمرارية في الزراعة التي هي العمود الفقري للحضارة المادية واللا مادية المصرية. فتاريخ الفن الزراعي المصري يمكن أن يقسم إلى عدة مراحل جيوتكنية وفيها تحتل (مراحل الفن القديم) الجزء الأكبر في تاريخ مصر، والمرحلة الباليوتكنية فكانت توازناً متحركاً وهي تراكمية، فمنذ أيام اليونان أخذت مصر بالطنبور، ومن البطالسة أدخلت الجاموس ومن الفرس الإبل، والعرب عرفت القطن والأرز المصري، وكانت نظم الري والقطن مثل الثورة الصناعية في إنجلترا. فكانت إنجلترا تأخذ القطن المصري وتحوله إلى غزل ومنسوجات في لانكشير وتصدره إلى أوروبا، وكانت روما تأخذ الغلال والحبوب من مصر.


كانت الثورة الاشتراكية المباركة عام ١٩٥٢ التي مثلت نقطة تحول جذري في تاريخ مصر الحديث، فقد تغيرت تركيبة السكان السياسية والاجتماعية، وتحررت مصر من الاحتلال الإنجليزي. وكانت ثورة حقيقية ضد الأوضاع الفاسدة في مصر وقد حُددت أهدافها على النحو التالي:


القضاء على الاستعمار وأعوانه.


القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.


القضاء على الإقطاع.


إقامة عدالة اجتماعية.


إقامة جيش قوي.


إقامة حياة ديمقراطية سليمة.


وبعد كل هذه التطورات فإن الحضارة الفرعونية قد ولت من زمان وهذا من الناحية اللامادية، وقد بقيت بعض الرواسب المادية في النسيج المصري، ولعل زراعة الأحواض أهم هذه الرواسب وأصبحت مصر الفرعونية موجودة فقط في المتاحف.


الخلاصة من كل هذه العلامات التي أثرت في تاريخ مصر الحضاري:


اكتشاف الزراعة وبدء الحضارة.


التعريب والإسلام.


تحول التجارة إلى طريق الرأس.


الحضارة الغربية.


إن تاريخ مصر يمتاز بالاستمرارية في حضارتها المادية والانقطاع في حضارتها اللامادية.


الانقطاع:


من الناحية اللامادية حدث انقطاع كبير في الحياة الثقافية والروحية والتعريب والإسلام.


هل مصر عربية أم فرعونية؟


رأيي الشخصي، أن مصر دولة فرعونية أفريقية، دولة بحر أبيض متوسط، فهي ليست دولة عربية ولكنها دولة مُستعربة، كما أن السودان دولة أفريقية وليس عربية، والمغرب بربرية وليست عربية، ولبنان وسوريا فينيقيتان وليستا عربيتين، والعراق بابلي أشوري وليست عربية، أي أن كل ما هو خارج عن الجزيرة العربية هو ليس عربي ولكنه مُستعرب، حيث إن السكان قبل التعريب لم يكونوا عرباً.


اُستعربت مصر بعد الفتح العربي والعصر الإسلامي. ولابد من عودة الوطنية ونفي القومية العربية، وإذا أردنا أن يكون هنا كوحدة فمصر أحوج إلى وحدة وادي النيل الذي هو شريان الحياة وليس الوحدة مع الدول العربية (دول الجزيرة العربية)، حيث إنه محاربو دائما فكرة الوحدة العربية، فكانت حربهم ضد مصر وضد جمال عبد الناصر.


التسامح الديني


من الناحية الدينية نجد التسامح الديني من أقدم خصائص المصري القديم وهذا ما جعله يتقبل الأديان التي وردت عليه على مر التاريخ، كما أن التاريخ لم يسجل أي مذابح دينية إلا من جانب المحتل لإرغام المصريين على اعتناق دينه .


نجد أن المصري عرف التعددية الدينية وتعايش معها، ونجد أن الوثني عاش بجوار المسيحي والمسيحي عاش بجوار المسلم ويتعاملون مع بعض بمنتهى التسامح.


أما عن الحضارة فنجد أن المصري يتغير مع ظروف الطبيعة التي جعلته يبتكر كثيرا من الأدوات التي كانت اختراعا ورفاهية في وقتها، ولكنه أيضا كان يتقبل أي اختراعات أجنبية تأتي إليه بفعل تفاعل الحضارات مثل العجلات الحربية وأدوات الحرب التي أتت من الهكسوس، وفي القرن العشرين نجد أنه استخدم أدوات الحقل القديمة التي كانت في القرن العشرين قبل الميلاد إلى جانب أدوات الزراعة الحديثة التي هي من القرن العشرين بعد الميلاد .


المجتمع المصري


عن سلبيات المجتمع المصري يقول جمال حمدان، إنها تعود أساسا إلى القهر السياسي الذي تعرضت له ببشاعة طوال تاريخها الممتد إلى ٧٠٠٠ عام وأكثر.


مصر كما هي أم الدنيا وهي أيضا أم الديكتاتورية فحاكمها هو أقدم أمراضها مثلما يقول جمال حمدان، لا يوجد اختلاف على أن الديكتاتورية هي النقطة السوداء في شخصية مصر بلا استثناء.


تغير الحكومات


على مر العصور نجد أن الحكومات تتغير والدول أيضا والحضارة تختلف وتمر الأزمنة لكن القاسم المشترك الكبير الذي يجمع الأزمنة كلها هي ديكتاتورية الحكام من فرعون إلى هكسوس إلى فرس إلى إغريق إلى رومان إلى الخلفاء العرب والأمويين والعباسيين؛ حتى في عصور استقلال مصر عن سلطة الخلافة المركزية في بغداد والطولونيين والإخشيد والأيوبيين، وحتى عندما تملكت سلطة الخلافة الاسمية وظلت مهيمنة على دول الجوار في العصر المملوكي، وعندما دخل العثمانيون ومن بعدهم الفرنسيون وأيضا عندما اختاروا حاكمهم وعقدوا معهم اتفاقا مكتوبا مثلما كان مع محمد على، وجاء من بعده أبناؤه حتى قيام الجمهورية بعد ثورة ١٩٥٢ وحتى عصرنا الحالي نجد أن الديكتاتورية هي الصفة الظاهرة والأكبر، حتى وإن اجتهد الحاكم في إعلانه عكس ذلك .