رحلته مع دار الهلال مصر والعالم العربى فى فكر جمال حمدان

31/08/2016 - 3:55:29

جمال حمدان العالم المصرى الرائد فى تخصصه العاشق لمصر والعارف بقيمة حضارتها وأهمية موقعها وشخصيتها المتفردة وسط العالم .


هويته وانتماؤه لمصر جعله يتخصص فى جغرافيتها، فأخضع دراسته وعلمه لتبيان أهمية موقعها وجغرافيتها، والتى من أجلهما نسجت خيوطا ذات ألوان متعددة لاحتلال موقعها واستغلال جغرافيتها ومواردها، فإيمانه الحقيقى بأن مصر هى بؤرة العالم بل هى العالم الأكبر بثقافتها وحضارتها كما يقول ابن عربى:


وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر


ويرى حمدان أن التاريخ حط رحاله آخر الأمر عند مصر الساحرة بكنوزها وثرواتها ومكوناتها المعرفية، التى تتمثل فى النهر والبحرين والصحارى، وبما تنطوى عليه من أفكار ومعانٍ


وكان من حظ مؤسسة دار الهلال أن يرتبط بها هذا العالم الجغرافى الرائد فى علمه وخصها بموسوعته النادرة، فقدم فى سلسلة كتاب الهلال عام ١٩٦٧ (شخصية مصر)، وكان الأول فأصبح وسيطا عام ١٩٧٠ ثم أصبح أربعة مجلدات ضخمة فى الثمانينات، ثم كتاب القاهرة، وكان جزءًا منه مقدمة لكتاب الأديب يحيى حقى كمقدمة لترجمة كتابه (دزموند ستيوارت)، ثم الجزء الخاص عن القاهرة فى شخصية مصر ومقالات أخرى، ونشر فى كتاب الهلال يونيو ١٩٧٦ وتوالت الإصدارات الأخرى مثل العالم الإسلامى ـ المدينة العربية ـ ٦ أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية ـ المدينة العربية ـ استراتيجية الاستعمار والتحرير.


وما أحوجنا الآن أن نقرأ بل نعيد مرة ومرات قراءة كتب جمال حمدان خاصة شخصية مصر، يجب أن يطلع عليها كل مصرى وعربى، وما أحوج شبابنا إلى من يحدثهم عن مصر كما فعل جمال حمدان بحماس العاشق وموضوعية العالم وبصيرة الصوفى.


جمال حمدان الباحث المدقق ولد فى ٤ فى ١٩٢٨ بقرية ( ناى ) إحدى قرى مركز قليوب بمحافظة القليوبية، وكان والده مدرسا للغة العربية بمدارس القاهرة، وأتم جمال حمدان دراسته الابتدائية والثانوية بهذه المدينة، وكان طالبا متفوقا بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول ( القاهرة حاليا )، وحصل على درجة ليسانس الآداب بامتياز، فعين معيدا بهذا القسم بعد تخرجه فى أكتوبر ١٩٤٨ ووقع عليه الاختيار لاستكمال دراسته العليا فى الخارج، حيث التحق بجامعة ريدنج بانجلترا، وعمل مع الأستاذ أوستين ميللر، وأنهى تحت إشرافه درجة الماجستير والدكتوراه، وعاد إلى عمله بكلية الآداب جامعة القاهرة، فظل يعمل بها حتى استقالته منها فى عام ١٩٦٣ للتفرغ للبحث، وقد أصدر جمال حمدان أثناء عمله كأستاذ مساعد للجغرافيا فى كليته كتبه الثلاثة الأولى ( جغرافية المدن ـ دراسات عن العالم العربى ـ أنماط من البيئات)، وقد نال عنها جائزة الدولة التشجيعية عام ١٩٥٩ .


وفى عام ١٩٦٣ أصدر كتابه ( المدينة العربية ) كشف فيه العلاقة بين التكوين الثقافى والاقتصادى العربى الأصلى فى القرون الوسطى وبين العلاقات الاجتماعية والسياسية والإدارية داخل بنية المجتمع، وفى عام ١٩٦٤ أصدر كتاب ( بترول العرب ) ألقى فيه الضوء للمرة الأولى على أهمية النفط الاستراتيجية والسياسية وفى عام ١٩٦٦ أصدر ( أفريقيا الجديدة).


وبعد نكسة ١٩٦٧كان ارتباطه بدار الهلال التي أصدرت له موسوعته شخصية مصر، التى كانت مشروع عمره الأساسى على حد قوله، وتفرغ أثر ذلك لإنجاز صياغته النهائية لكتاب شخصية مصر، وصدر عن دار الهلال فى أربعة أجزاء ( أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير)، وفى عام ١٩٨٥ حصل على جائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية، وفى العام التالى حصل على جائزة التقدم العلمى من الكويت.


وبلغت مؤلفاته أكثر من ٢٠ كتابا ينقسم بعضها إلى عدة مجلدات ضخمة وكتابين باللغة الانجليزية وأكثر من ٢٥ دراسة مطولة محكمة نشرت فى المجلات والدوريات العلمية وعدة مجلات بريطانية وفرنسية، وعشرات من المقالات قبل وفاته المأساوية محترقا فى شقته فى ١٧ أبريل ١٩٩٣


تأتى الأهمية البالغة للدكتور جمال حمدان من أنه أحد رواد الجيل الذى حمل شعار النهضة والتنوير بعد د. طه حسين والعقاد وأحمد أمين، ودعا لثورة فكرية مستقلة فى الستينات.


والابحار فى عالم وفكر حمدان يعكس رؤيته لمصر والعالم العربى والإسلامى والأخطار التى تحيط بالوطن داخليا وخارجيا، فهو رجل مصرى بسيط يفرح لوطنه، ويحزن لما يصيب الوطن من أخطار، ينبه ويكتب ويتنبأ ويحذر، وهذا هو ما يشغله وعاش من أجله.


فارس الكلمة والعلم بعد عن الأضواء وعاش بضعا وستين سنة دون أن يسمح للكاميرات وأضوائها أن تتجه إلى ملمحه، اختبأ من عيون الناس، وعكف على البحث والتأليف، وعاش فى محراب العلم قارئا نهما لا يكتفى بكتبه ومراجعه، بل يقرأ دوريات عربية وأجنبية متابعا كل ما يصدر فى مجال الفكر والثقافة.


اهتم بالفنون التشكيلية وصمم أغلفة كتبه، ويرسم خرائطها وتميز بخطه البديع، واجتمعت فيه مواهب شتى فهو عالم وأديب وفنان، صاحب أسلوب مسبوك ومحبوك ينسجم فيه المعنى مع المبنى، شديد الإعجاب بطه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقى، ويرى فى كتب العقاد أنها تجميع لمعارف سابقة يهوى الغناء والموسيقى، وكان يقلد أغانى عبد الوهاب القديمة، وكان مولعا بأغانى أم كلثوم عاشقا للغناء الأوبرالى.


وحمدان غواص فى هموم الوطن وحضارته وعظمة موقعه، وقد حدد دكتور عمر الفاروق فى كتابه ثلاثية حمدان ( مايو ١٩٩٥ ) دوائر ثلاث لجمال حمدان ( مصر ـ العالم العربى ـ العالم الإسلامى )، وهى أضلاع مثلثه وجوانب هرمه وأبعاد ثلاثية توحد بينها رؤيته الشاملة، وتجمعها فى سياق متدرج متواصل، تتجلى فى ثمار عديدة وتجمعها الوطنية والقومية والحضارة، فليس مما يضير القومية أن يكون لكل وطن داخل إطارها شخصيته المتبلورة بدرجة أو بأخرى داخل الإطار العام المشترك، ويقول ( الواقع أن على القومية أن تحترم الوطنية، وتقرها بمثل ما أن على الوطنية أن تعترف بالقومية وتقر بها، ففى البدء كانت الوطنية ثم اتسعت وامتدت ونمت إلى القومية والقومية بدورها تبدأ ببيتك، بالوطن فأنت لا يمكن أن تكون قوميا طيبا دون أن تكون وطنيا بارا).


وكان يؤكد أنه لا تناقض بين القومية والدين، ولكن عندما تختلط الادوار فى معترك التاريخ والسياسة، فالقومية ثمرة الشخصية الإقليمية لمنطقة من العالم.


الدين حضارة وثقافة تتجاوز الوحدة الإقليمية فى إطارها الجغرافى، وذلك بمقدار انتشاره فوق عدد منها متنائية المسافة، بما يجعل منه إطارا يتجاوز الوحدة الإقليمية بالضرورة وإذا كانت الشخصية الإقليمية تهيئ للوحدة فإن الإطار الحضارى يدعو للتواصل؛ وإذا كانت للوحدة مراحلها فإن للتواصل درجاته، وتتحدد الغاية فى الوصول بكليهما الوحدة والتواصل إلى أعلى مرحلة.


وفى كتابه ( شخصية مصر ) يتحدث عن الجغرافيا بعرض محبب للنفس بغير ما درسناه فى المدارس وبمنهج يشجع على الاستمتاع بهذا العلم الجاف، فيقول ( ربما تكون الجغرافيا صماء ولكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها، فالتاريخ ظل الإنسان على الأرض، كما أن الجغرافيا ظل الأرض على الإنسان)، ويرى حمدان أن طريق الجغرافيا أكثر غنى من المناهج لأنه يجمع بين الزمان والمكان ويقول:


ليست الشخصية الإقليمية تقرير حقيقة علمية مطلقة، رغم أنها تعتمد أساسا على مادة موضوعية بحتة أنها عمل فنى بقدر ما هى عمل علمى ... والجغرافيا هى فن التعرف على شخصيات الأقاليم ووصفها وتفسيرها .. إنها فلسفة المكان، فلسفة علمية وعملية واقعية قد ترفع برأسها فوق التاريخ ولكنها تظل أقدامها راسخة .. إنها فلسفة تحلق بقدر ما تحدق.


ولولا موهبته المتنوعة ويحكمها بصيرته المتذوقة للفنون ما كان يستطيع أن يخط شخصية مصر، فموهبته أهلته أن يستشف روح المكان، وهو المادة الخام عند الجغرافى والرسام وقد أهلته هذه المواهب مجتمعة لتصبح الجغرافيا عنده علما بمادتها وفنا بمعالجتها وفلسفة بنظرياتها.


ومصر هى الشاغل الأول مولعا بها مهموما بقضاياها شارحا عبقرية موقعها وأهمية وجودها للعالم فيقول:


إنها بالجغرافيا تقع فى أفريقيا وتمت بالتاريخ إلى آسيا، متوسطة بعروضها، موسمية بمياهها واصولها هى فى الصحراء، وليست منها إنها واحة ضد صحراوية بل ليست بواحة وإنما شبه واحة .. إنها فرعونية بالجد، عربية بالب بجسمها النهرى قوة بر وبسواحلها قوة بحر أى تضع قدما فى الأرض وقدما فى الماء .. بجسمها النحيل تبدو مخلوقا أقل من قوى ولكنها برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأسا أكثر من ضخم، تقع فى الشرق وتواجه الغرب وتكاد تراه عبر المتوسط تمد يدا نحو الشمال وأخرى نحو الجنوب، ولهذا هى قلب العالم العربى وواسطة العالم الإسلامى وحجر الزاوية فى العالم الأفريقى.


وكانت رسالته ألا ينبغى أن يستسلم هذا البلد، وسينهض للحصول على حقه، وقدر مصر أن تتصدى وأن تتحدى فهذا دورها التاريخى.


ولعل الوسطية هى البذرة الأساسية التى أثبتت قدرة مصر المدهشة على الاستمرار، وهى أطول دولة حافظت على وحدتها القومية، فلم يحدث خلال ٦٠٠٠ سنة أن انفرط عقد وحدتها.


وبقدر ما كتب بقدر ما يكشف كتاب شخصية مصر عن شخصية الكاتب، وهذا يتضح من كتاباته ورؤيته الواعية لوطنه فيقول: مصر تحتاج إلى فورة حقيقية كل بضعة عقود أو أجيال تعيد تقليبها وخضها وتجنيسها ثم توجيهها إلى الطريق الصحيح، بل إنها فى حاجة إلى الفورة الشعبية كشرط للبقاء الحق والحقيقى والوجود الكريم؛ أى لكى تعيش ولا تنقرض معنويا وأخلاقيا بمثل ما أصبح الحكم الديمقراطى المطلق منذ الآن شرط عدم انحدارها وتدهورها).


النيل والمصرى


إن دراما التاريخ الحضارى المصرى برمتها وعلى طولها يمكن أن تختزل أساسا فى صيغة صراع ملحمى بين المصرى وبين النيل تؤلف أدواره وفصوله ( ساجا ) أيكولوجية حقيقية، تبدأ بالعنصر الطبيعى سيد الموقف باله يعبد، وتنتهى أخيرا باليد العليا للعنصر البشرى، فقد كانت التكنولوجيا اللاند سكيب الطبيعى من الوسائل الهندسية ومعمارية وضوابط ومنظمات وسدود هى أداة الإنسان لترويض النهر وتعبيده وتبشيره، وعلى هذا الأساس يمكن أن نميز عدة مراحل متعاقبة تمثل زحف الإنسان المتصل الصاعد النظيم، فالمرحلة الأولى مرحلة فجر الفن الزراعى، هى التى سبقت اكتشاف الزراعة بمعناها الصحيح، وتقع قبل التاريخ وفيها كان النيل كل شئ والإنسان تقريبا لا شئ مجرد مقلد للطبيعة وأسير للنهر، ثم كانت مرحلة الفن الزراعى القديم وهى رزاعة الرى الحوضى، وكان ذلك يحتل الجزء الأكبر من تاريخ مصر، وبالحياض صار الفلاح مهندسا جغرافيا أعاد خلق الطبيعة إلى حد ما، وجعل من شبكة السدود والترع طبيعة ثانية للوادى، ومنذ قرن ونصف القرن فقط فى أوائل القرن الماضى تبدأ المرحلة الثالثة، تبدأ مرحلة الفن الزراعى الحديث التى تعد طفرة حقيقية، قلبت هيكل الزراعة المصرية، فقصة الزراعة بين المصرى والنيل فى أدواره المختلفة خلقت حضارة لها طابع خاص ومتفردة فى أدواتها، وإذا كنا ألفنا منذ هيرودت ومعه أن نقول إن مصر هبة النيل، فذاك يعنى فى الواقع النيل القديم، وصح لنا أن نقول إن النيل الجديد المصنوع هبة السد، النيل الجديد بمعنى آخر هبة مصر، ويؤكد جمال حمدان أن ذلك كله غيّر معادلة التاريخ، حيث لم تكن مصر فى يوم هبة النيل أكثر مما هى الآن بعد السد، وعندما تناول الدكتور أحمد أبو زيد الفصل العاشر من الجزء الأول من شخصية مصر الذى تناول فيه جمال حمدان شبه جزيرة سيناء، فيقول إن حمدان زودنا بأكبر قدر من المعلومات الجغرافية وخاصة الطبيعية أو الفيزيقية والتى استمدها من عدد كبير من المراجع والدوريات المتاحة له فيقدم شبه الجزيرة على أنها كائن عضوى ينبض بالحياة والحيوية، فكتب عن مشكلة سيناء هل هى أفريقية أم آسيوية وهو سؤال قديم جديد كثيرا ما كان العلماء والكتاب فى الغرب منذ القرن الماضى وانساق وراءهم عدد من العلماء المصريين والعرب دون أن ينتبهوا إلى النوايا المريبة التى تكمن وراء تساؤل العلماء الأجانب والأهداف الاستعمارية والسياسية التى يهدفون إليها، ولذلك كتب جمال حمدان دراسته عن سيناء موثقة وبدقة بأن سيناء هى امتداد طبيعى أو تصغير لصحراء مصر الشرقية أكثر مما هى امتداد أو تصغير للجزيرة العربية وهى أقرب فى الجيولوجيا والطبوغرافية والمناخ والمائية والنبات إلى الأولى منها إلى الثانية فلا هى جزء لا يتجزأ أو يتجزأ من قارة آسيا ولا هى من بلاد العرب الحجرية أى العرب البتراء أو شبه القارة العربية فى شئ.


والأحداث التى مرت بمصر فى الآونة الأخيرة تفسر ما سجله هذا العبقرى الفذ صاحب البصيرة والنبوءة وأن المصريين لايستهان بهم فهم أصحاب إرادة ورؤية وبصيرة، ولكن يثورون عندما يفرغ صبرهم، وقد كتب حمدان نبوءته فى الثمانينات وتحققت فى ٣٠ـ٦ ـ ٢٠١٤.