لماذا اختفت أجهزة الرقابة فى مواجهة فساد القمح؟!

31/08/2016 - 3:49:35

عبدالقادر شهيب

كل البلاغات التى يحقق فيها النائب العام فى موضوع فساد القمح لم تأتى من أى جهاز رقابى من أجهزتنا الرقابية.. لا جهاز المحاسبات الذى ظل رئيسه السابق يتحدث عن مليارات الجنيهات التى ضاعت علينا بسبب الفساد، ولا هيئة الرقابة الإدارية التى سبق أن أوقعت بوزير زراعة سابق فى جريمة رشوة هذه البلاغات إما قدمت بشكل مباشر من أشخاص للنائب العام أو أحالتها وزارة التموين إليه بعد أن قدمت إليها من قبل أشخاص أيضًا..


بينما اختفى دور الأجهزة الرقابية فى قصة فساد القمح، بينما الحديث علينا وعلى رؤوس الأشهاد عن هذا الفساد قديم منذ الموسم السابق لتوريد القمح، وهو حديث غير مرسل وإنما استند إلى أرقام محددة خاصة بحجم إنتاجنا من القمح وحجم التوريد الذى فاقه، وأيضا أرقام نقاط الخبز الذى تم توفيره طواعية من المستهلكين والتى كان من المفترض أن تخفض استهلاكنا من القمح، ولم يحدث ذلك بل العكس زاد هذا الاستهلاك!


بل إن د. جودة عبدالخالق وزير التضامن الاجتماعى الأسبق قدم مذكرة للرئاسة العام الماضى حول هذا الفساد فى توريد القمح، ولابد أن هذه المذكرة أحيلت بالطبع للأجهزة الرقابية أو أحد منها، ومع ذلك لم يكن ثمة دور ملحوظ أو حتى غير ملحوظ فى قضية فساد القمح.. وحتى مشاركة الرقابة الإدارية فى التفتيش على بعض الصوامع مؤخرا، فقد جاء بطلب من اللجنة التى شكلها البرلمان لتقصى الحقائق فى موضوع فساد توريد القمح والذى امتد ليشمل تقصى الحقائق فى منظومة القمح وإنتاج الخبز أيضا، وهى المنظومة التى نجحت فى القضاء على طوابير الخبز وتوفير الخبز الجيد للمواطنين، ولكنها تضمنت فى ذات الوقت ثغرات أفضت فى نهاية المطاف لزيادة وليس تخفيض دعم الخبز رغم انخفاض استهلاكه، وزيادة أيضا تسرب هذا الدعم لجيوب عدد من أصحاب الصوامع وأصحاب المطاحن والمخابز وآخرين.


هنا لابد أن يثور السؤال لماذا غابت الأجهزة الرقابية عن هذه القضية المهمة والخطيرة؟.. ولماذا لم يكن لها دور فى كشف فساد القمح؟.. وهنا أنا لا أتحدث فقط عن وزير التموين المستقيل، أو بالأصح المستقال، أى الذى طلب منه الاستقالة على غير رغبته.. فإن تبرئة أو إدانة الوزير جنائيًا فى هذا الأمر فى يد النائب العام وحده الذى يحقق فى هذه القضية وألقى القبض على عدد من المتهمين فيها وفرض الحراسة على أموالهم ومنعهم من السفر للخارج، أما تبرئة أو إدانة الوزير سياسيًا فإنها فى يد أعضاء البرلمان وحدهم بعد مناقشتهم تقرير اللجنة التى شكلوها لتقصى الحقائق فى هذا الموضوع.. وإنما أتحدث عن فساد بين فى منظومة توريد القمح وإنتاج وتوزيع الخبز نتيجة ثغرات فيها، رغم أنها منظومة جيدة أنقذتنا من طوابير الخبز المهلكة والتى كان يقع فيها خلال سنوات قتلى، وفكرة هذه المنظومة مطروحة ومدروسة منذ عدة سنوات مضت وتحديدًا عندما كان يتولى وزارة التضامن الاجتماعى د. على مصيلحى، وعندما حل محله د. جودة عبدالخالق تأهب لتنفيذ هذه المنظومة، أى أنها ليست فكرة د. خالد حنفى وإن كان هو الذى تولى تنفيذها لكن التنفيذ شابه ثغرات سمحت للفاسدين بسرقة المال العام من خلال أولا إهداء المطاحن الردة الناتجة عن طحن القمح المورد لهم يبيعونه لحسابهم أحيانًا فى السوق السوداء، وثانيا تمكين بعض التجار من خلط القمح المصرى بالآخر المستورد الأرخص سعرًا وتوريده إلى الوزارة، وثالثا التلاعب فى أرقام التوريد والذى أطلقت عليه لجنة تقصى الحقائق البرلمانية توريدًا وهميًا ورابعًا من خلال التلاعب فى البطاقات الخاصة فى صرف مقابل نقاط الخبز، أى الخبز الذى تم توفيره، وهذا أمر لا يمكن أن يمر مرور الكرام.. وهنا أقصد غياب الأجهزة الرقابية عن اكتشاف فساد القمح والدقيق والخبز، لأن أمر محاسبة من تورطوا فى هذا الفساد فى يد النيابة أى فى يد القضاء، وإن كان ما تم فحصه من الصوامع مازال عددا محدودا جدا بالقياس، وكان جديرًا بالحكومة ألا تكتفى بالفرجة على ما يحدث، وإنما أن تتصدى بنفسها لفحص كل صوامع توريد القمح كما طالبتها لجنة تقصى الحقائق، خاصة أن اللجنة اكتشفت ضياع نصف مليار جنيه فى عينة توريد القمح فى ٩ صوامع فقط تمثل نسبة ٧٪ فقط من جملة الصوامع، بل وإن تبحث عن كل الثغرات الموجودة فى منظومة توريد القمح وإنتاج الخبز ونقاطه وتحاسب وزيرها بنفسها لأن تكتفى بأن تطلب منه الاستقالة تجنبًا لمواجهة مع البرلمان، ولكى يكون تركة الحكومة بيده وليس بيد البرلمان.


غياب الأجهزة الرقابية عن أخطر وأهم قضية فساد يجب أن يؤرقنا ويزعجنا ويدعونا لبحث الأمر، لأن أجهزة الرقابة لدينا هى أجهزة الإنذار المبكر لكشف الفساد وأيضا لها دور فى إحباطه وإجهاضه وملاحقته.. وهنا الأمر يستحق وقفة للدولة كلها إزاء هذا الأمر.. وهنا أيضا أنا لا أتحدث عن التوفيق أو عدم التوفيق فى اختيار وزير، كما يردد البعض الآن بخصوص وزير التموين المستقيل أو المستقال، لأن عدم التوفيق وارد فى الاختيار، ولأنه قد لا يكون واضحًا ما يمنع أو يحول دون تزكيه ترشيح وزير أو محافظ أو أى مسئول لهيئة أو مؤسسة، فضلا عن أن المنصب قد يغرى البعض بعد أن يتولاه بالخطأ والوقوع فى شرك الفساد.. وإنما أنا أتحدث عن ثغرات فى منظومة حكومية لتوريد القمح وإنتاج الخبز وتوزيع الدعم الخاص به تسمح لبعض الفاسدين بسرقة المال العام.


وقد يرى البعض أن هذه الأجهزة مثقلة ومتخمة بالكثير من قضايا الفساد.. لكن ذلك تبرير غير مقبول لأن هناك بالطبع أولويات فى مواجهة الفساد وأظن أن الفساد الكبير يستأثر بالاهتمام من قبل هذه الأجهزة والعاملين فيها، وإلا ما معنى اهتمام قيادة جهاز المحاسبات السابقة برصد تكلفة الفساد علينا على النحو الذى قامت به.


كما قد يرى البعض أن هذه الأجهزة تحتاج إلى توجيه فى بعض القضايا، وأعتقد أن ذلك أيضا تبرير غير مقبول وقد تجاوزه الزمن، لأن لدينا الآن قيادة سياسية نظيفة اليد وتهتم بمواجهة الفساد بكل أنواعه بما فى ذلك التراخى فى العمل وعدم أداء الواجب والقيام بأْعباء المسئولية.. وما أثاره رئيس جهاز المحاسبات السابق من لغط نفخ فيه البعض واستثمره هو نوع من الأعمال التى تندرج تحت باب الأعمال التى لها أغراض سياسية.. وإلا فيلقل لنا أحد من الذين ذرفوا الدموع على إقالته ومحاكمته لماذا كان التركيز الأساسى له فى كل تصريحاته عن أموال وزارة الداخلية ولم ينبس ببنت شفة عن ملايين الأموال العامة المهدرة فى منظومة القمح.


إذن.. لابد أن هناك فى أسلوب عمل هذه الأجهزة ما عطل قيامها بدورها الذى كان يجب أن تضطلع به فى مواجهة فساد القمح وإنتاج الخبز ودعمه.. وهذا ما يتعين علينا جميعًا أن نبحثه وندرسه ونضع أيدينا عليه لإصلاحه.


إن لى خبرة تعامل مع كل من جهاز المحاسبات والرقابة الإدارية.. خبرتى مع جهاز المحاسبات اكتسبتها من العمل فيه سنوات فى إحدى إدارات قطاع تقييم الأداء ثم فى التعامل معه وأنا أتولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال.. أما خبرة التعامل مع هيئة الرقابة الإدارية فقد بدأت فى يوليو ٢٠٠٥ بعد أن كلفت برئاسة دار الهلال.


وبالنسبة لجهاز المحاسبات فإن الرقابة المالية أو تقييم الأداء الذى يقوم به خبراؤه يستند أساسًا إلى أوراق ومستندات الجهات والهيئات والمؤسسات والشركات التى تقدمها له، وهو عمل دورى مستمر ودائم.. أما ما يثار من قضايا فساد أو ما يخص بلاغات خاصة بها فإن خبراء الجهاز لايتصدون لها إلا بتكليف خاص من رئاستهم.. ولذلك عندما لم يكلف رئيس جهاز المحاسبات أحدًا بالتصدى لبحث قضية فساد توريد القمح وإنتاج الخبز ودعمه غاب الجهاز عن هذه القضية.. وهذا يشير بوضوح إلى أن رئيس الجهاز السابق كان يثير ما يحقق أغراضًا سياسية.


أما بالنسبة للرقابة الإدارية فقد ساعدتنى مرة.. وخذلتنى مرة أخرى وأنا أتولى رئاسة مؤسسة دار الهلال.. ساعدتنى مرة حينما طلبت منها تحريات عن الزملاء المرشحين لتولى مواقع قيادية فى إدارات المؤسسة المختلفة.. وخذلتنى مرة حينما آثرت عدم تحريك الدعوى الجنائية فى بلاغ رشوة قدمه متعهد للبوفيه مكتوبًا وأقر فى التحقيقات التى أجرتها معه بصحة ما كتبه، بل وتم تسجيل اتصال تليفونى بينه وبين من تلقى منه الرشوة المالية يتعهد فيها بإعادة مبلغ الرشوة إليه.. وكانت حجة الرقابة الإدارية وقتها أن الراشى قد يتعرض للمساءلة القانونية وهى ترى بما أنه أبلغ بنفسه يجب عدم تعرضه لهذه المساءلة.. غير أن ذلك لم يمنعنى من مساعدة الرقابة الإدارية حينما لجأ بعض مسئوليها إلى جمع معلومات حول الزملاء المرشحين لتولى مناصب قيادية فى المؤسسات الصحفية، وذلك لقناعتى أننا بحاجة لدور الرقابة الإدارية ولجهاز المحاسبات ولكل الأجهزة الرقابية ليس فقط فى حربنا ضد الفساد الذى يمثل خطرا اقتصاديا واجتماعيا علينا، وإنما أيضا لحسن اختيار المسئولين الذىن يقودون أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة لتقليل هامش الخطأ.. غير أن الأمر - وفى ظل هذه الحاجة - يقتضى أن نبحث تفعيل هذا الدور ومراجعة الأسلوب والآليات التى تعمل بها هذه الأجهزة الرقابية. وحتى يتم التنسيق بين هذه الأجهزة وتفعيل التعاون بينها فنحن نحتاج لتأسيس مفوضية عامة لمكافحة الفساد.. مفوضية تتمتع بما تحتاجه من استقلال وأيضا دعم مجتمعى.. هذه المفوضية هى التى ستنبه أجهزة الرقابة المختلفة لفساد هنا وآخر هناك، وأيضا يمكنها أن تكلفها ببحث قضايا فساد مختلفة واكتشافه وملاحقة الفاسدين فيها.


وهذا أمر صار ضروريا لكى تصير مواجهتنا للفساد ممنهجة ولا تخضع لقانون المصادفات فقط أو تعتمد على بلاغ هنا أو بلاغ هناك يبادر أفراد بتقديمها.. فهذه المواجهة لا يجب أن تقتصر على الملاحقة الأمنية للمتورطين فى الفساد فقط، وإنما يتعين أن تشمل سد الثغرات فى أعمال مؤسساتنا التى ينفذ منها الفاسدون ليمارسوا فسادهم، أو التى تتيح للفاسدين الهروب من المساءلة والحساب القانونى الذى يستحقونه.. الوقاية من الفساد يجب أن تسبق العلاج من الفساد والتصدى للفاسدين الذين ثبت فسادهم بالفعل.