الوزراء بين الحماية السياسية والمساءلة القانونية

31/08/2016 - 3:47:57

بقلم - أ.د نادر نور الدين أستاذ المياه والأراضى بكلية الزراعة جامعة القاهرة

يعتبر إرسال الوزراء بمعلومات خاطئة أو مغلوطة لرئاسة الجمهورية من جرائم الغباء السياسى للوزراء فى مصر لأن من يقوم بذلك يجهل أن رئاسة الجمهورية مؤسسة كاملة وليست شخصا بعينه، كما وأن رئاسة الجمهورية عادة ماتكون من الحكمة بإرسال التقارير والمعلومات القادمة من الوزراء إلى الجهات السيادية للتحقق منها وتدقيقها، وبالتالى يكون من الغباء (بالإضافة طبعا إلى عدم الأمانة) اشتغال مؤسسة الرئاسة أو الكذب عليها، ومثلها أيضا الكذب على رئاسة مجلس الوزراء. ولكل جهة سيادية عدد من الخبراء فى مختلف التخصصات من المشهود لهم بالكفاءة العلمية والرؤية الثاقبة وحسن الحكم على الأمور وتستعين بهم لتقييم تقارير الوزراء والتحقق من مدى صحتها، أو للرد على اتهامات أو استغاثات ذهب من بعض مؤسسات الدولة إلى رئاسة الجمهورية ضد وزير أو محافظ بعينه، كما وأن للجهات السيادية تقسيمها الداخلى إلى أقسام مختلفة بحيث يتولى كل قسم متابعة والرقابة على قطاع متكامل أو متداخل من الوزارات ومؤسساتها وعادة مايضم كل قسم عددا صغيرا من الوزارات؛ حتى يكون ملما بكل خباياها ومشاكلها وخبرائها وقيادات الصف الأول ثم الثانى مثل قسم وزارات الرى والزراعة والتموين والبيئة، وآخر لوزارات التعليم ومراكز البحوث وهكذا.


ومع ذلك فهناك وزراء يكذبون على رئاسة الجمهورية أو يرسلون تقارير مغلوطة وغير دقيقة، ويمكن أن تمر مثلما حدث فى اتفاقية عنتيبى عام ٢٠١٠ والتى وقعت عليها ست دول من منابع النيل لإعادة تقسيم مياه النيل وإلغاء حق الإخطار المسبق وحق الفيتو الممنوح لمصر، رغم أن تقارير وزير الرى المرفوعة للرئاسة والجهات السيادية وقتها كانت تشير إلى تمام كل الأمور والجميع تحت السيطرة، وأن مكانة مصر بين دول منابع النيل قوية ولايمكن حدوث انشقاق علينا، وهو الأمر الذى حذا برئيس الجمهورية بإجراء تعديل وزارى خاص تم فيه الاكتفاء بتنحية وزير الرى المسئول وقتها دون الإعلان عن سبب الإقالة أو سبب التغيير، لأن هذه الاتفاقية كانت بداية تجرؤ دول منابع النيل على مصر، وهى التى أعطت لإثيوبيا الحق فى بناء سد النهضة دون الرجوع إلى مصر، على الرغم من أن قانون الأمم المتحدة لمياه الأنهار الدولية يقر مبدأ الإخطار المسبق بل وخصص له ٨ بنود من إجمالى ٣٧ بندا فى قانون مياه الأنهار الدولية العابرة الحدود، بالإضافة إلى حق دولة المصب فى رفض بناء دول المنابع للسدود الضخمة والكبيرة، وحقها فى تسلم دراسات كاملة تقوم بها الدولة التى تقيم سدا وتتضمن دراسات بيئية ومائية واقتصادو-اجتماعية لأضرار وتداعيات السد على دولة المصب، وتتحمل تكاليفها كاملة دولة المنبع صاحبة السد. عموما حقوق مصر فى مياه النيل محفوظة دوليا ولمصر الحق فى اللجوء الفورى لمجلس الأمن وللمحكمة الدولية والاتحاد الأفريقى وتدويل القضية لأنها صاحبة حق وصاحبة قضية عادلة.


مشروع توشكى وجنوب الوادى مثال آخر لكذب الوزراء على رئيس الجمهورية وسوء تقديرهم للموقف ولاقتراح المشروعات القومية، التى تتناسب مع موارد مصر المائية وأراضيها الزراعية وحسن اختيار المناطق غير مرتفعة الحرارة، والتى لا تستهلك الزراعات فيها كميات مضاعفة من المياه بسبب ارتفاع الحرارة وقلة الأصناف التى تجود زراعاتها فى الأجواء الحارة. التوصيات التى وصلت رئاسة الجمهورية سواء من وزير الزراعة أو من رئيس الوزراء الزراعى أيضا وقتها تسببت فى إهدار مايقرب من ٤٠ مليار جنيه مصرى بدون عائد (الرقم الرسمى يدعى أنها بين ٨ إلى ١٢ مليارا فقط) وعلى مشروع ما كان ينبغى له أن يتواجد قبل الانتهاء من استغلال جميع الأراضى القابلة للزراعة فى الشمال وفى هوامش الدلتا حيث الأمطار والمناخ البارد الرطب وقلة استهلاك النباتات للمياه، خاصة أن جميع مشروعات استصلاح الأراضى الناجحة تقع فى الشمال فقط مثل مشروعات النوبارية والصالحية ورمسيسى والملاك والسادات ووادى النطرون ومديرية التحرير وجناكليس ومركز بدر والساحل الشمالى الغربى وشمال سيناء مقابل أنه لا يوجد مشروع استصلاح أراض واحد ناجح فى الجنوب، وبالتالى علينا إعادة النظر فى المواقع المقترحة للاستصلاح فى الجنوب وتحويلها إلى مواقع تنمية صناعية مستوعبة للعمالة وقليلة استهلاك للمياه وصالحة لزراعة أصناف أكثر عددا من الحاصلات الإستراتيجية والتصديرية، أو تلك التى تهم رجل الشارع، مثل زراعات الفول والعدس والسكر والذرة والقمح وزيوت الطعام وغيرها.


وقد يكون من المفيد هنا أن نعلن أن مستقبل مصر فى الصناعة أكثر من الزراعة، ويكفى أن نعلم أن قطاع الصناعة يستهلك بين ٢- ٣ مليارات متر مكعب من المياه (٥٪ من مواردنا المائية)، ويساهم بنحو ٣٥٪ من الناتج المحلى والتصديري، بينما يستهلك قطاع الزراعة ٨٥٪ من مواردنا المائية بنحو ٥٩ مليار متر مكعب سنويا ويساهم فى الناتج المحلى بنحو ١٣٪ فقط وبالتالى ومع تراجع مواردنا المائية وندرتها، ينبغى أن نعمل على أن يكون مستقبل مصر صناعيا وأن تكون الزراعة على قدر الموارد الجديدة فقط التى سيمكن تدبيرها.


ومن المشروعات الوهمية التى عانينا منها أيضا بسبب أخطاء الوزراء مشروع فوسفات أبو طرطور، الذى كلف الدولة عدة مليارات ذهبت هباء دون عائد وإنما فى خسائر متتالية. هناك أيضا الفزع الكبير الذى حدث عام ٢٠١٠ من وزير الصحة حاتم الجبلى الجبلى بعد فوضى أنفلونزا الخنازير وتسرعه فى استيراد كميات كبيرة أمصال المرض الوهمى غير الوبائي، والذى لم يكن له أى داع له، فلا وباء ولا وفيات ولكن “اشتغالة” من شركات الدواء العالمية للدول الفقيرة والنامية محدودة الخبراء والتى عادة سرعان مايحدث فيها تخبط لركب المسئولين فور أى إشاعة دولية وتوريطهم لدولهم فى إنفاق ملايين ومليارات، رغم أننا نوهنا وكتبنا فى التقارير الإستراتيجية أنه لا هو مرض ولا هو وباء ولكن تم إهدار الملايين بدون وجه حق وبلا عائد وبسبب نقص الخبرة العلمية وسوء اختيار العلماء، وذهبت الأموال فداء لجهل الوزراء، ولكن للأسف من أموال الدولة وليس من أموال الجهلة. فى نفس هذا الزمن وبعده تفشت معضلة استيراد الدولة عبر وزرائها لأمصال أنفلونزا الطيور دون التدقيق والتحقق فى فاعليتها، ولكنها كانت فقط تبحث عن الأرخص، فأدى الأمر إلى توطن المرض فى مصر رغم تعافى دول أفريقية من هذا المرض وتعافيها تماما، وبالتالى أصبحنا مثالا للجهل وقلة الاعتناء واللامبالاة بسبب سطوة الوزراء فى مصر، ولم يتم التحقيق مع أى وزير بسبب جهلة وتحميله للدولة للمليارات فى استيراد أمصال فاسدة أو ضعيفة وغير فعالة وعدم اللجوء إلى الدول المتقدمة علميا وإعطائها أولية الاستيراد منها، ولا تم مساءلة أى وزير على توطن أى مرض فى مصر. إهمال وزراء الزراعة عبر السنوات العشر الماضية تسبب فى توطن مرض العفن البنى للبطاطس وللبصل أيضا فى الأراضى الزراعية فى مصر ومعها أمراض وفيروسات الفراولة، بما أدى إلى فقداننا للأسواق التصديرية وسمعة مصر فى الخارج فى البطاطس والبصل والثوم والطماطم وغيرها من الحاصلات، بالإضافة إلى جرائم رجال الأعمال من المصدرين وبعضهم معدوم الضمير ويعملون على إغلاق الأسواق الخارجية تباعا، وقد روى لى أحد وزراء الزراعة عن واقعة حدثت فى عام ٢٠١٣ عن كيف أن روسيا قد رفضت لنا ٢٤ حاوية بطاطس متتالية منها ١٢ حاوية من مصدر واحد بعينه لمصدّر مشهور من رجال الأعمال، حبيب كل وزراء الزراعة السابقين والحاليين والمستقبليين أيضا، دون أن يجرؤ أحد على تحويله للمحاكمة وإجباره على سداد العائد الذى كان يعود لمصر من هذه السوق الكبيرة، ومازال الرجل يرعى فسادا فى إغلاق الأسواق تباعا فى رعاية كاملة من الوزراء ومن جهاز الرقابة على الصادرات والواردات المخترق تماما من رجال الأعمال، والذى ينبغى أن تتحول تبعيته إلى رئاسة مجلس الوزراء أو إلى رئاسة الجمهورية حفاظا على سمعة المنتج المصرى فى الخارج، ومن أجل استعادة أسواق التصدير التى فقدناها. هناك أيضا وزير المبيدات المسرطنة القوى الذى لم تستطع الدولة أن تفعل شيئا تجاهه.


هناك أيضا الوزير القوى المشهور الذى اتهم فى رشوة إحدى ماركات السيارات العالمية، ولكن الدولة اكتفت وقتها بأنه أصبح من المعزولين وأنه فقط سلطته وأصبح من العزولين وهذا يكفى.


جميع هذه النماذج التى سردناها كفل لها المنصب حماية سياسية ولم يتم تحويل أى منهم للقضاء أو المحاكمة وتم الاكتفاء فقط بعزلهم من الوظيفة، بالإضافة إلى حسن استغلال الوزراء الفاسدين للأنظمة الحاكمة عبر أجهزتهم ورجالهم فى أجهزة الإعلام المختلفة، والإيهام بأن محاكمة هؤلاء الوزراء سيضر باسم النظام واتهامه بأنه اختار وزراء من الفاسدين، بالإضافة إلى استغلال أجهزة الشماتة من الداخل ومن الخارج بنسْب الفساد إلى رئيس الجمهورية وليس إلى الوزير الفاسد نفسه.


وفى المقابل كان آخر الوزراء المتهمين بالفساد قبل وزير التموين الحالى والذى يتعرض حاليا لبلاغات عدة ضده للنائب العام ضد العديد من المآخذ عليه، ولا نعلم الوضع القانونى له حتى الآن غير أن الوضع الرسمى للدولة قد اكتفى بإقالته أو إجباره على تقديم الاستقالة دون تحويله للنائب العام أو الأمر بإلقاء القبض عليه رغم جلى الفساد وثبوته. هذا الأمر حدث ومنذ عدة أشهر مع وزير الزراعة السابق د.صلاح هلال والذى ألقى القبض عليه فور مغادرته لاجتماع مجلس الوزراء وتم تحويله إلى محاكمة عاجلة بعدة تهم للفساد فى رشاوى شخصية طلبها الوزير لشخصه، ولم يسدد عنها أى مقابل من الأموال العامة للدولة، ولكنها كانت بالتأكيد شروعا فى الأمر خاصة من بعض أباطرة الاستيلاء على أراضى الدولة وتسقيعها، وصدر ضده حكم بالحبس يجرى تنفيذه حاليا.


هناك أيضا محافظ أسبق للجيزة تم القبض عليه وتحويله للمحاكمة العادلة وقضى عدة سنوات فى السجن، مع الإصرار على ملء الدنيا صياحا ببراءته، وتربص البعض به وتلفيق أدلة اتهامه بالفساد وقبول أموال على سبيل الرشوة. ومن أشهر قضايا الفساد أيضا قضية وزير سابق للمالية تم القبض عليه فى قضية رشوة كبيرة وصدر ضده حكم بالحبس لعشر سنوات، قضى منها بعض سنوات فى السجن إلى أن أعيدت محاكمته وحصل على حكم البراءة.


المسئولية السياسية والإشرافية للوزراء معترف بها فى جميع أنحاء العالم، وتجبر الوزير على الاستقالة بسبب أخطاء أو فساد فى وزارته؛ حتى ولو كانت بعيدا عن علمه أو عن مكتبه مثل استغلال النفوذ لزوجته أو لأولاده، أو استخدامه سيارات أو بنزين الدولة فى أمور شخصية، ومنها أيضا الإهمال الجسيم فى بعض القطاعات مثل استقالة وزير النقل سواء فى مصر أو فى دول العالم بسبب حادث قطار جسيم أو غرق عبارة أو سقوط طائرة أو احتراق باص نقل جماعى بسبب المسئولية السياسية الإشرافية لهذا الخلل أو حصول مجاعة أو أعمال عنف بسبب تقصير وزير فى توفير السلع الغذائية للعامة وللفقراء أو انفراط الأمن العام ولدينا فى مصر استقالات لوزير الداخلية وأيضا لوزير النقل والمواصلات، ولكن لدينا أيضا العديد من الفساد للمحافظين وإدارات الحكم المحلى ومستشارى الوزراء والمحافظين، وجميعهم يتم الاكتفاء بالعقوبة السياسية والعزل والتعتيم على فسادهم خوفا من الاتهام بتفشى الفساد وأن يطال الاتهام النظم الحاكمة، ويوصف عهدهم وزمنهم بأنه زمن الفساد، رغم أن قناعتى الخاصة تقول إنه سينسب لهم أنهم أصحاب محاربة الفساد ومحاكمته والقضاء عليه؛ لأن المظلة السياسية للمسئولين مازالت عائقا كبيرا ضد تطبيق القانون على فساد ظاهر وجلى مكانة المحاكم ثم السجون لمن تثبت إدانته.