الفساد والفاسدون هل تحول الفساد إلى أسلوب حياة؟

31/08/2016 - 3:46:12

السفير د. عزمى خليفة عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية

جاءت استقالة وزير التموين وقيام الرقابة الإدارية بالتحقيق معه فى قضايا فساد ومن قبله وزير الزراعة بعد اجتماعه مباشرة بإحدى جلسات مجلس الوزراء لتطرح عدة تساؤلات هامة ولتطرح تناقضا رهيبا بين مرور مصر بثورة ذات موجتين الأولى فى ٢٥ يناير والثانية فى ٣٠ يونيه وكل من الثورتين كانت ضد تهميش الشعب المصرى وإقصائه عن الحكم فى الأولى من نظام حكم مدنى استمر فى حكم البلاد ثلاثين عاما ونجح فى تقنين الفساد بالقانون نتيجة تزاوج رأس المال بالسلطة السياسية ممثلا فى حكم رجال الأعمال غير المؤهلين للحكم، فأسفر ذلك الحكم عن رؤية لصوص فاسدين يحصلون على البراءة إجرائيا أو مقابل دفع مبالغ مالية أطلق عليها التصالح مع الدولة


كما نجح هذا النظام فى إهانة الشعب المصرى بكافة فئاته بأغبى مشروع يمكن أن يتولاه حاكم عبر التاريخ ألا وهو توريث حكم مصر عبر إنشاء لجنة السياسات خصيصا ورئاسة نجل الرئيس الأسبق مبارك لها بدعوى مساعدة الرئيس فى الحكم، ولا ندرى لماذا لم يعين الرئيس نائبا له طالما أنه كان فى حاجة لمن يساعده وفقا لما ينص عليه الدستور.


وفى الموجة الثانية للثورة ثار الشعب ضد نظام دينى فاشى – كما وصفه بدقة السيد السفير د.رضا شحاته – حاول اختصار مصر بالكامل فى حكم العشيرة وتنكر للتيار المدنى الذى قاده للحكم، وتنكر لاستفتاء شارك فيه الشعب المصرى ورغم أنه كان خيارا بين أمرين أحلاهما مر، وهو خيار أثبتت الأيام أن نتيجته كانت من أعداد المجلس العسكرى الأول لأسباب ما زالت موضع خلاف، وقد تنكر هذا التيار الدينى لجميع التيارات السياسية فى مصر وحاول إقامة تنظيم سياسى دينى لا يؤمن إلا بحكم جماعة دينية اكتسبت شرعيتها من إدخال الإرهاب لمصر فى الأربعينيات وما تلاها بدءا من الاغتيالات السياسية وحتى تنظيم اغتيالات ضد الشعوب العربية وليس مجرد ضد شعب مصر فقط.


ووجه التناقض بين الثورة المصرية بشقيها وبين حادثتى إلقاء القبض على وزيرى الزراعة ثم التموين أن الثورة المصرية كانت ثورة فى القيم السياسية التى آمن بها الشعب المصرى فى مجمل تياراته شأنه فى ذلك شأن العديد من شعوب العالم فى مختلف قاراته منذ اجتياح سور برلين فى نوفمبر ١٩٨٩ ومظاهرات الطلاب فى ميدان السلام فى مايو من نفس العام فى بكين بالصين ثم ثورات وسط أوربا فى نفس العام ثم انهيار الاتحاد السوفيتى، إضافة للصراعات العرقية والعنصرية فى رواندا وبوروندى وفى يوغوسلافيا السابقة وفى أواسط آسيا، ثم ثورات الربيع العربى فى مطلع العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين ثم وقوع اضطرابات سياسية فى البرازيل فى يونيه ٢٠١٣، وأحداث حديقة جيزى فى اسطنبول بتركيا، وثورة المظلة فى هونج كونج وتعبئة المكسيكيين ضد دولة المخدرات وكلها أحداث تطورت بفعل شبكات حركات التواصل الاجتماعى التى أطلق عليها فيما بعد اللاحركات الاجتماعية، وجميعها امتداد لثورة الطلاب فى باريس عام ١٩٦٨ وأفكار فيلسوفها هيربرت ماركيوز التى عبر عنها فى حينها فى كتابه اللامنتمي، ومن ثم فهى ثورات تستهدف التعبير عن الذات بقدر ما تستهدف أفكارا ذهنية وليست مادية مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية كما أنها امتدادا للقيم التى ظهرت فى إسبانيا والبرتغال واليونان فور إسقاط النظم الديكتاتورية فيها فى سبعينيات القرن العشرين ومن ثم كان ظهور الفساد فى مصر وتحديدا فى الطبقة العليا مسألة مثيرة للتفكير بعد هاتين الثورتين.


هذا التناقض بين إصرار الشعب المصرى على القيام بثورة من أنقى الثورات فى التاريخ ولها سياق عالمى ومحتوى فكرى مضىء وبين نخبة وصلت للحكم بعدها واتضح أنها غارقة فى الفساد يجعلنا نتساءل هل أصبح الفساد أسلوب حياة لا فكاك منه فى مصر المحروسة؟


الإجابة على هذا التساؤل الجوهرى نجدها فى تعدد أنماط الفساد فى مصر فقد بدأ من رشوة صغار موظفى الدولة وتدرج الأمر إلى كبارهم، وانتقل من الجهاز الإدارى إلى مختلف أجهزة الدولة فقيام جهة مناط بها سن القوانين بإعفاء مرتبات أعضائها من ضريبة كسب العمل نمط من أنماط الفساد، ومحاولة جهة أخرى فرض ضريبة على المواطنين لصالح أعضائها فساد لأن الضريبة فرضت بالمخالفة للدستور الذى يأخذ بمركزية الميزانية العامة أى أن فرض أى ضريبة يستتبعه إدخال كامل الضريبة لميزانية الدولة ككل ثم تخصص وفقا لبنود الميزانية للصرف على أوجه النشاط المختلفة، وعجز المواطنين عن الحصول على حقوقهم التى أقرتها لهم المحكمة بموجب حكم قضائى فساد نتيجة عدم فرض رقابة على الذين ينفذون الأحكام.


هذا التنوع فى مظاهر الفساد له تبعات خطيرة على الدولة وبخاصة فى مجال الاستثمار والاقتصاد ككل فوجود سعرين للعملة الصعبة فساد، وتعدد قوانين الاستثمار لدرجة أن محفزات أو تشجيع الاستثمار يحكمه ٦٥٠ قانون فساد مقنن فأى مستثمر سيتساءل أى القوانين سيطبق عليه، وهو محق فى ذلك.


هذا التنوع والتعدد فى صور الفساد يؤكد صعوبة اجتذاذ الفساد خاصة أنه فى عهد الرئيس الأسبق مبارك صدرت قوانين تجعل التقادم فى قضايا الخصخصة مدته ٣ سنوات


فقط فكانت جميع قضايا الفساد فى الخصخصة لا معنى ولا أحكام لها سوى البراءة الملوثة، وهذا ما اكتشف من فساد وهو أشبه بقمة جبل الثلج نراه أمامنا ولا نعرف عمقه رغم أن ما خفى كان أعظم ولا نملك حياله سوى الالتفاف حوله ضمانا للأمن والسلامة.


فى هذا الجو المفعم بالفساد لجأ الرئيس السيسى إلى تجنب البيروقراطية المصرية الشهيرة ولجأ للجيش لتنفيذ بعض مشروعاته العاجلة مما فجر موجة من الانتقادات من جانب وحمل الجيش فوق طاقته من جانب آخر، ولو كان أى شخص مكانه لما نجح فى تنفيذ ١٠ فى المائة من هذه المشروعات، وهذا يدفعنا للتساؤل هل هذا هو الحل الأمثل؟ إنه حل مؤقت من المؤكد لجأ إليه الرئيس على المدى القصير، فلا يمكنه تجاهل البيروقراطية بصفة دائمة كما أنه لا يمكن الاعتماد على الجيش بصفة دائمة أيضا، فكيف يمكنه التخلص من الفساد بصورة ممنهجة وتدريجية بما يسمح بإعادة الدولة إلى سابق عهدها وبما يسمح بتحقيق أكبر قدر من التوازن بين أعمال القانون من جانب وضمان الحريات العامة بما يحول دون ارتعاش أيدى كبار المسئولين الذين يتولون المناصب العليا فى الدولة؟


هناك مقترحات عديدة تمثل أرضية عامة لمقاومة الفساد مثل ضرورة إصدار قانون لحماية كل شخص يبلغ عن قضايا فساد، خاصة أننا وصلنا إلى مرحلة يعلم فيها المسئول صحة الاتهامات الموجهة إلى بعض موظفيه ويحاول تهدئة الموضوع بدلا من فتح تحقيق رسمى فيه، كما أن الخاص اختلط بالعام كما وضح فى ردود وزير التموين ومن قبله وزير الزراعة، وفى حالات عديدة للاستيلاء على المال العام سواء من أموال الحكومة أو من أموال صغار المودعين فى هيئة البريد.


فقضايا الفساد التى تم ضبطها وقام بها عدد من صغار الموظفين كشفت أن الدافع للفساد يولد شعورا لديهم بعدالة الاستيلاء على المال العام، وهو ما جعلنا نقيم حفلات تكريم لمن يرد للدولة أموالا وجدها فى ظروف معينة مثل أمين الشرطة الذى وجد شنطة تركها سائح بالمطار وبها مبلغ من المال والمسعف الذى سلم للدولة شنطة بها مبلغ آخر كانت بصحبة مريض مع أن هذا هو التصرف السليم المناط بأمين الشرطة والمسعف.


كما كشفت من جانب آخر أن الجهاز الإدارى للدولة انقسم إلى جهازين : الأول هو الجهاز الرسمى وفقا للتخطيط الإدارى والثانى عبارة عن شبكة غير رسمية التى تنجز الأعمال بالمخالفة للقانون وفقا لما يقدم إليها من مغريات وإكراميات ورشاوى، والغريب أن هذه الشبكة كانت تضم أفرادا من مستويات متعددة كالساعى والموظف الصغير وموظف فى وسط الجهاز الإدارى وآخرون ينتمون لقمة الإدارة، إلا أنه من الواضح أن هناك تطورا قد لحق بالفساد أيضا ليضم رجال أعمال ووزراء أى إعادة تزاوج لرأس المال مع السلطة وهى مسألة ينبغى التفكير فيها ودراستها هل هى مجرد تعبير عن الفساد أم أنها تعبير عن بلورة لثورة مضادة بمعنى أنها ردة سياسية مقصودة ووجب مواجهتها بكل حسم.


عقب قانون حماية المبلغين ينبغى وضع سلم من الأولويات للمجالات الاقتصادية المختلفة


ووفقا لهذه الأولويات نحدد جدولا زمنيا للحكومة وللبرلمان – ما زلنا فى زمن الثورة – لسن قوانين جديدة تحكم هذا المجال من الألف إلى الياء وتكون آخر مادة فى هذه المجموعة الجديدة للقوانين وأهمهم تنص على إلغاء كل ما يخالف مواد هذا القانون من قوانين حالية، فلا توجد دولة تحكم بأكثر من سبعة آلاف قانون، وقد يرى أن أول قانون يتم تعديله هو قانون الإجراءات القضائية من أجل تفعيل العدالة ومن أجل القضاء بالتسريع فى بحث القضايا وتنقية قانون الهيئة القضائية من المواد التى تحتاج إعادة نظر فيها مثل استثناء أبناء القضاة من شرط التقدير لتعيينهم بالهيئة مع إعطاء الهيئة حقا أن يكون المتقدم مؤهلا اجتماعيا وتحديد هذا الحق بمؤشرات واضحة.


إضافة لما سبق – قانون حماية المبلغ والجدول الزمنى لسن القوانين الجديدة – لابد من عمل برامج تدريب للجهات الرقابية والسيادية فى الدولة تساهم فى ضمان دقة التحريات التى تقوم بها لدى ترشيحات الوزراء وقمة الجهاز الإدارى بالدولة كوكلاء الوزارات، وذلك للحد من الأخطاء التى تشوب عملية الترشيح وبالتالى عملية الاختيار.


ورابع هذه المقترحات توسيع قاعدة اختيار الوزراء حتى يمكن ترشيح عدد كاف من الشخصيات للمنصب الواحد والتأكد من صحة إجراءات هذا الترشيح، ومتابعة الوزراء ووكلاء الوزارات بعد تسلمهم العمل وإعطائهم تكليفات محددة لإنجازها فى فترة زمنية محددة مع متابعة أعمالهم من قبل جهات مختصة بالرقابة على الإنجاز، مع تشديد عقوبات الاهمال والفساد.


ويتبقى اقتراح أخير يتمثل فى الإسراع لإصدار قانون الجمعيات الأهلية والمجتمع المدنى فهذه الجمعيات ومنظمات المجتمع المدنى تعمل كحلقة وصل بين الحكومة والمواطنين كما تعمل لرقابة تنفيذ وجودة المشروعات أى أن لها دور رقابى على أرض الواقع ويتم ذلك فى جميع أنحاء العالم ومصر ليست حالة خاصة وليست حالة منفصلة عن العالم، ومع تقديرى الكامل لرؤية الدولة فيما يتعلق بتمويل مؤسسات المجتمع المدنى فيمكن تقنين هذا الأمر مع وضع حسابات هذه المؤسسات وأعضائها تحت الرقابة المالية المشددة، وقد صادفت عام ١٩٩١ حالة لفتت انتباهى بتقديم مؤسسة دولية مبلغ ٣٠ ألف دولار لإحدى الجمعيات الدينية الخيرية الصغيرة، ولدى سؤال وزارة الشئون الاجتماعية أفادت أن دورها يتوقف لدى إصدار تصريح إنشاء الجمعية وأن متابعة ما بعد ذلك تتبع وزارة سيادية أخرى، ولدى سؤال هذه الوزارة أفادت أن هذا عمل وزارة الشئون الاجتماعية أى أن القانون أغفل شق المتابعة المالية والأنشطة للجمعيات الأهلية فنشأت فجوة لم تسد حتى ثورة يناير وهو ما ينبغى مواجهته فى القانون الجديد، فهذه المؤسسات مصرية وتعمل على أرض مصر وأنشطتها ينبغى موافقة الدولة عليها فى حدود وتمويلها ينبغى أن يخضع لإشراف الدولة وغير صحيح ما يتردد من آن لآخر أنهم أحرار فى الحصول على التمويل، فأى مؤسسة للمجتمع المدنى فى مختلف دول العالم المتقدم يخضع بصورة أو أخرى لإشراف الدولة، وذلك مع مراعاة أن تقوية الإدارة المحلية والقضاء على الفساد بها لابد وأن ينعكس على علاقتها بمؤسسات المجتمع المدنى العاملة فى المحافظة.


إن الفساد مرض اجتماعى وخطة علاجه ينبغى أن تكون متعددة الأبعاد، وأن ترتبط هذه الخطة ببعض أبعاد العدالة الاجتماعية، وبعض أبعاد البناء السياسى للدولة التى نريد بناءها بعد ثورة ٢٥ يناير التى استند إليها الدستور، وببعض أبعاد مكافحة الفقر فهذه كلها روافد الفساد فى مصر الحديثة، والله الموفق والمستعان.