ذكرى جمال حمدان.. والتجاهل المتعمد!

08/09/2016 - 3:10:05

بقلم: دكتور صفوت حاتم

 شعرت بالحيرة والقلق عندما تلقيت دعوة كريمة من أسرة تحرير مجلة «المصور» للمشاركة فى الملحق المخصص؛ احتفاءً بذكرى المفكر المصرى الراحل الدكتور «جمال حمدان».


 وكان مبعث حيرتى وقلقى أن ما كُتب عن الدكتور «جمال حمدان» يثير كثيرا من الأسئلة حول سلوك النخبة المثقفة فى بلادنا.


 فمنذ وفاته المأساوية محترقا فى شقته الصغيرة التى «اعتزل» بها فى سنواته الأخيرة.. انهالت المقالات والكتابات المحتفية بالراحل العظيم وبكتابه الأساسى «شخصية مصر.. دراسة فى عبقرية المكان».


 وكان تقديرى.. ولازال.. أن ما كُتب عن جمال حمدان.. بعد رحيله.. هو جزء من أزمة المثقفين العرب.


 فمن ناحية.. كانت هذه الكتابات تشكل نوعا من «الاعتذار» عن تجاهل أعمال هذا المفكر.. وعدم تقديرها التقدير الواجب.. حتى حدثت وفاته التراجيدية.


 فكما هو معروف.. ومعتاد فى أوساطنا الفكرية.. أن يغمض «أشباه المثقفين» أعينهم عن المثقفين والمفكرين الحقيقيين.. مدفوعين بالتنافس والتناحر مع بعضهم البعض.. على عطايا السلطان وذهبه.


 ومن ناحية ثانية.. لأن هذا «الاحتفاء المتأخر» يعكس نوعا من أنواع الشعور بالذنب.


 وشعور الذنب هذا يتكثف.. عادة.. عندما تكون نهاية المفكر مؤلمة أو صعبة.. أو حينما تكون بسبب مرضه مرضا مميتا أو بسبب فقر مدقع أو ظلم حكومي.. إلى آخره.


 وهكذا.. تبدأ فى الدوران «آلة النفاق» الثقافى.. آخذة على عاتقها مهمة الكتابة عن المفكر وأعماله وعبقريته.. وترديد اسمه أو أحد أعماله المهمة.. ترديدا ميكانيكيا.. لا يعكس اقتناعا حقيقيا وواعيا.. بقدر ما يعكس نزعة مرضية للتباهى وإشهار للنخبوية الثقافية.. وإدعاء بالمعرفة والأصالة الفكرية.


 بينما واقع الأمر يخفى عكس ذلك.


 فتكريم أى مفكر.. أو فيلسوف.. يجب أن يكون من خلال اهتمام الأوساط الثقافية والأكاديمية بأعماله ونقد نظريته أو فلسفته.. نقدا موضوعيا علميا.. يضعه فى مكانه الصحيح فى خريطة الفكر والثقافة الوطنية.


 أبعاد شخصية مصر.. وحدود المكان


 كان الاحتفاء بكتاب جمال حمدان «شخصية مصر.. دراسة فى عبقرية المكان».. وطباعته عدة مرات.. رد فعل غريزى للنزعة «الوطنية المصرية» التى بهتت وتشوهت كثيرا فى ظل نظامى السادات ومبارك.. فى خلال هذه الحقبة انتعش.. لأسباب معروفة.. خطاب «الهوية الإسلامية» على حساب خطاب الهوية المصرية.. وخطاب الهوية العربية..


وموضوع هُوية مصر.. هو موضوع مهم ومعقد.. فهناك من انتصر لهُوية مصر الفرعونية.. وهناك من غِلّب هُوية مصر «الهيلينية» أو «بحر متوسطية».. وهناك من شدّد على جذورها العربية.. وهكذا.


 ونظرية الدكتور جمال حمدان تشدد.. باختصار.. على دور الجغرافية فى تكوين الشخصية الوطنية.


 فمصر البلد الذى عاش واعتمد على مياه النيل فى حياته ومصدر رزقه.. شكلت الزراعة والاستقرار على ضفاف النيل شخصيته.. وتشكلت تركيبة الإنسان فيه على هذا الأساس.


 فالنيل ينساب هادئًا من الجنوب الاستوائى إلى الشمال، حيث البحر المتوسط.. بإمبراطورياته وحضاراته وصراعاته.


 وهكذا يرى الدكتور «جمال حمدان» أن أهم ميزة تميز مصر أنها أمة «وسط».


 وليس المقصود بكلمة «أمة وسط».. تلك التى جاءت من تراثنا الإسلامى.. بل هى «وسط» جغرافى.. ووسط مناخى.. ووسط ثقافى.. ووسط حضارى.


 وينقل الدكتور «جمال حمدان» عن المقريزى وصفه لمصر.. حسب نظريات العصور الوسطى.. والذى يقول فيه:».. فى الأقاليم السبعة.. وحين يقول « مصر متوسطة الدنيا.. قد سلمت من حر الأقاليم الأول والثانى.. وبرد الأقاليم السادس والسابع.. ووقعت فى الأقليم الثالث.. فطاب هواؤها.. وضعف حرها.. وخف بردها.. وسلم أهلها من مشاتى الأهواز.. ومصايف عمان.. وصواعق تهامة.. ودماميل الجزيرة.. وجرب اليمن.. وطواعين (مرض الطاعون) الشام.. وحمى خيبر»!.


  (لا شك أننا يجب أن نأخذ كلام المقريزى عن الأمراض المتوطنة فى بعض الأقاليم العربية بكثير من التحفظ الطبى والتاريخى ).


  على أى حال: لا يبدو أن الدكتور «جمال حمدان يعترض على تلك «النظرية» للمقريزى.


 إذا إنه ما يلبث أن يقول: «.. إن تعدد الجوانب حقيقة أوضح فى الموقع (يقصد الموقع الجغرافى).. فمصر حلقة بين العالم المتوسطى (يقصد البحر الأبيض المتوسط).. وبين حوض النيل برمته.. ومن الناحية البشرية والاجتماعية البحتة.. كانت حضارة «مصر العربية» التى تزرى بحضارة أوربا الوسيطة شمالا.. تنتكس أثناء مجاعات العصور الوسطى الرهيبة.. إلى ما يذكر بحضارة العالم الزنجى جنوبا وتواكله ونميمته (!!).. أى أنها كانت تتأرجح إلى حد ما بين حضارة رأسها متوسطى.. وحضارة جذورها نيلية»


 ويضيف دكتور «جمال حمدان»: «.. ولكنها أكثر من ذلك كانت حلقة الوصل بين مشرقه والمغرب. ومعنى هذا أن مصر لها بعدان أساسيان هما البعد الأفريقى والبعد الأسيوى. وكل منهما ساهم فى تكوين شخصيتها وتحديد لونها.. فالبعد الأفريقى أمدنا بالحياة.. بالماء والسكان.. ولكن البعد الأسيوى أمدنا بالحضارة والثقافة والدين منذ العرب. وحتى فى العصر الحديث.. وفى الجانب السياسى.. تمثل البعدان فى حركات الوحدة السياسية التى دخلتها مصر: مع السودان أولا.. ثم مع سوريا مع ذلك» ( شخصية مصر.. وتعدد الأبعاد والجوانب.. مكتبة مدبولى.. ١٩٩٣).


 وكان لهذا الوضع الجغرافى - المناخى ـ تأثير كبير على تركيبتها المحصولية: «فقد جمعت بين محاصيل البحر المتوسط المعتدلة والمحاصيل المدارية.. على أن شخصيتها الزراعية لم تكتمل إلا بعد الرى الدائم (يقصد بعد بناء السد العالى). وهنا أصبحت تركيبتها المحصولية تنتشر عادة بين عشرات من خطوط العرض.. ابتداء من المنطقة المعتدلة الباردة وحتى المنطقة المدارية الحارة.. فإلى جانب الحبوب والفواكه المعتدلة ودون المدارية.. التى تؤلف «المحاصيل الانتقالية» التى تميز العروض الوسطى.. أصبحت تجمع أو توشك.. بين الكتان والقطن والبنجر والقصب.. وبين المعتدلات والمداريات.


والواقع: أننا يمكن أن نقول إن زراعتنا الشتوية تجعلنا فى نطاق البحر المتوسط.. بينما تنقلنا زراعتنا الصيفية جنوبا إلى النطاق السودانى والموسمى « ( تعدد الأبعاد.. مصدر سابق.. صفحة ١٤ ).


 وهكذا نرى أن نظرية الدكتور «جمال حمدان» تعتمد بشكل رئيسى على «الجغرافيا» فى تشكيل «الهوية الوطنية».


 ورغم ذيوع هذه النظرية لدى كثير من المفكرين خصوصا.. إلا أنها تحظى بمعارضة شديدة أيضا لدى عدد آخر من المؤرخين وفلاسفة التاريخ.


 لماذا؟


 أولا: لأنها تتجاهل عدم التجانس فى الشخصية الوطنية ذاتها.. فسكان الصعيد مثلا.. يختصون بخصائص غير موجودة فى سكان الدلتا.. وسكان الصحراء من البدو فى سيناء والصحراء الغربية.. يختلفون فى تركيبتهم المزاجية والثقافية عن سكان المدن والساحل.


فهل يمكن أن نحسب بدو الصحراء الغربية على سكان القاهرة والإسكندرية والمنصورة ودمنهور.. أم نحسبهم على النمط البدوى الموجود فى ليبيا والصحراء الكبرى؟


 وهل النمط البدوى فى سيناء يقترب من سكان الوادى فى مصر أم يقترب من النمط البدوى السائد فى فلسطين والأردن والجزيرة العربية؟


 وهل النمط الصعيدى بخشونته وعنفه.. يمكن أن يقترب من النمط السائد فى الحضر والعواصم كالقاهرة والإسكندرية والدلتا؟


 وهل يفسر النمط الحضارى بالجغرافية والمناخ وحدهما أم بعوامل أخرى معهما؟.


 فقد تغيرت تركيبة مصر الحضارية والثقافية بالثقافات والأفكار التى أتت إليها وغزتها. فلقد تشبعت مصر بحضارات متعددة هيلينية ورومانية وعربية وأفريقية.. رغم ثبات الموقع والجغرافيا والمناخ.


 فهل كان التأثير بسبب الموقع والمناخ أم بتأثير الغزو والحرب والغلبة؟


 ان التركيبة المحصولية لمصر.. أو غيرها لا تؤثر كثيرا فى «الهُوية الوطنية» وعوامل الاستمرار والتغير بها.


والدكتور «جمال حمدان» يعترف أن تغير نمط الزراعة إلى رى دائم (بعد بناء السد العالى) غير فى التركيبة المحصولية.


 لكن السؤال الأهم: كيف غيّر بناء السد العالى وتحول نمط الرى فى التركيبة الشخصية للإنسان المصرى؟


 وهل البلدان التى لها تركيبة محصولية متشابهة.. تتشابه.. حتما.. فى تركيبتها الثقافية والاجتماعية والفكرية؟


 على أية حال.. ودون الدخول فى النظريات والمناهج المتعددة فى نظريات «الشخصية القومية» و»الهُوية الوطنية».. نرى أن ما كتبه الدكتور «جمال حمدان» لم يتم التعامل معه.. بالجدية الأكاديمية الواجبة.. وما تفترضه كتاباته من ضرورة التعامل معها تعاملا موضوعيا.. وهو قصور أكاديمى لا يتناسب مع أهمية وجدّية هذا المفكر الكبير.


 هل يمكن أن نرد ذلك إلى ظاهرة «الكسل الثقافى» التى تسود مناخنا الفكرى فى مصر والوطن العربى منذ ثلاثة عقود.. على الأقل؟


 ربما!


 جمال حمدان وإستراتيجية الاستعمار والتحرير


 من الأمور الغريبة فى قصة النخبة المثقفة مع «جمال حمدان» أن هذه النخبة أهملت.. إهمالا شبه كامل.. كتابات «حمدان» عن الاستعمار وحركة التحرر الوطنى.


 وبعيدا عن كتابه شخصية مصر... .» وضع جمال حمدان يده على جوهر الصراع الدائر فى عصره وزمنه.


فجمال حمدان ابن وفى لحقبة التحرر الوطنى والعداء للاستعمار فى الخمسينات والستينات.


 وقد قدم مساهماته القيمة عن هذا الموضوع فى كتابه «إستراتيجية الاستعمار والتحرير»


 وفى هذا الكتاب يسأل «جمال حمدان» سؤالا صحيحا لم يتجاوزه الزمن: «ماهو الصراع الذى نعيشه اليوم؟ ماهو العالم أو النمط الإقليمى الذى نعيشه اليوم وما أصوله التاريخية؟


ما هو هذا العالم الذى يتمزق بين كتل عقائدية متناقضة وقوى التحرير الفوارة.. وماهى التطورات العميقة التى يشهدها توزيع القوى والأوزان بين الدول والكتل والقارات؟ ما هى هذه الانقلابات الكوكبية فى العصر النووى؟ هل هى تحولات أم تحويرات للماضى بدرجة ما.. أم هى طفرات بكر تماما فى تاريخ البشرية؟ إلى أين يتجه نمط توزيع القوى السياسية والإستراتيجية فى مستقبل سيخلو من الإمبراطوريات.. واحتكار القوة والعلم.. وانتشار الأسلحة النووية.. وانتشار الحضارة والتكنولوجيا الحديثة؟ وما احتمالات المستقبل لسياسة وليدة كعدم الانحياز.. ولقوة جديدة كالعالم الثالث؟


 ويضيف جمال حمدان: «أن الاستعمار.. الذى يبدو ظاهرة حديثة العهد نسبيا.. ويرتبط.. لأمر ما.. فى الكتابات الدارجة بالقرن التاسع عشر بوجه خاص.. هو الآخر ظاهرة قديمة لها أصول تاريخية بعيدة بدرجة أخرى.. فالاستعمار الحديث.. الذى يحتضر اليوم.. إنما استوى على سوقه فى القرن التاسع عشر فقط.. أما جذوره فتضرب فى أعماق عصر الكشوف الجغرافية فى القرن السادس عشر.. بل لعلك واجد بذوره الأولى قبل ذلك جميعا. وأنت لن تستطع أن تفهم نمو الاستعمار العالمى.. ولا تطور صراع القوى الدولية.. إذا قصرت بؤرتك على المنظور المعاصر.. أكثر مما يمكنك أن ترى ناطحة سحاب من النظر إليها من سطحها» (استراتيجية الاستعمار والتحرير.. مكتبة الشروق. عام ١٩٨٣.. ص ٨).


 وعلى هذه المقدمة.. يقدم «جمال حمدان» دراسته عن «الاستعمار»: كدراسة فى الجغرافيا السياسية بجانبيها التاريخى والسياسى.. ويتبع فيها حركات بناء الإمبراطوريات والتوسع الاستعمارى عبر العصور.. عصرا بعد عصر.


 وهى دراسة مهمة فعلا.. وتطرح علينا أسئلة معاصرة: هل انتهت الظاهرة الاستعمارية أم تمددت وتطورت وكيف ننظر الآن للظاهرة الاستعمارية؟ ولماذا اختفى خطاب التحرر الوطنى والاستعمار من خطابنا السياسى والفكرى المعاصر؟


 ولماذا اختفى من مفرداتنا السياسية تعبير «الإمبريالية» أو الاستعمار؟


 وهل كان طغيان خطاب « لليبرالية» و«الديمقراطية» مراوغة مقصودة «لطمس» قضية الصراع مع الاستعمار والإمبريالية.. ولصالحهما؟


 ولماذا تجاهلت النخبة المتشدقة بالهوية المصرية وشخصية مصر والليبرالية والديمقراطية.. خطاب الاستعمار والتحرر الوطنى عند جمال حمدان؟!


 هل السبب هو الكسل الفكرى.. أم هو التواطؤ المعرفى الذى شكل حقبة ما بعد الحرب الباردة وسقوط الكتلة الاشتراكية وانتكاس حركات التحرر الوطنى فى العالم الثالث؟


 أخيرا: إن رد الاعتبار لذكرى جمال حمدان صاحب «عبقرية المكان» يقتضى.. ضمن ما يقتضى.. رد الاعتبار لمفهوم التحرر الوطنى والعداء للاستعمار.