مأمورو الضرائب يؤكدون: العدالة الضريبية غائبة فى مصر

31/08/2016 - 3:07:38

تقرير: أحمد جمعة

«العدالة الضريبية غائبة».. هذا هو العنوان العريض الذى خرجنا به من الحديث مع مأمورى مصلحة الضرائب العامة عن سؤالنا حول تطبيق الضرائب فى مصر. ويرى متخصصون أنه فى الوقت الذى ستثقل الضرائب الجديدة كاهل المواطنين خاصة الفقراء منهم بأعباء إضافية، فإن الحكومة لم تتطرق لسياسات حمائية لهم، بل وتجاهلت سيناريوهات بديلة للإصلاح الضريبي.


 


«آيات فهمي» -وهوّ اسم مستعار لإحدى مفتشات مصلحة الضرائب فضّلت عدم نشر اسمها- ترى أن العدالة الضريبية غائبة فى مصر، ولا تُطبق بشكل صارم وتحتاج إلى رقابة، ومن خلال متابعتى فإن أكثر شريحة تدفع الضرائب هم الموظفون، ولا أجد مبرراً أن نضع المقصلة على رقبة الموظف وهو أكثر فئة تحتاج أن تُراعى فى هذا البلد.


وتُضيف: «كمفتش فى مصلحة الضرائب نقول دائمًا «طباخ السم بيدوقه»، ولا توجد عدالة، وأكثر ما يستفز خلال الفترة الأخيرة هو إعفاء أعضاء مجلس النواب من ضريبة كسب العمل على الجلسات، ثم يفرضون ضرائب جديدة على المواطنين، وكذلك القضاة يُعفون من الكثير من الضرائب ولا نستطيع الاقتراب منهم. الآن دخل المواطن لا يكفى وأكثر متضرر من الضرائب هو الموظف العام والخاص».


تحقيق العدالة الضريبية من وجهة نظر «آيات» يأتى عن طريق تجديد المنظومة بشكل كامل، فنحن كجهاز ضريبى نقوم بما علينا لتحصيل الضرائب المستهدفة ونضغط على الناس لأنها تمثل الجزء الأكبر من موازنة البلد، ومن الواجب على أجهزة الدولة أن تساعدنا لأن هناك الكثير من الأنشطة يصعب حصرها، مثل أنشطة التمليك وخلافه، والمصلحة تبدأ فى تنفيذ منظومة أن تكون مرتبطة بجميع المصالح على مستوى الدولة، وتكون مرتبطة بجميع المرافق لكى نضع أيدينا على الممول من بداية المشروع ولذا فهذه الأنشطة صعب حصرها ويسهل فيها عمليات التهرب وكلما كبر النشاط سهل التهرب.


وقدّر رئيس مصلحة الضرائب حجم المتأخرات الضريبية بنحو ١٠٠ مليار جنيه حتى الآن، ما بين متأخرات ضريبية متنازع عليها ومتأخرات غير متنازع عليها أمام المحاكم.


وتقول مفتشة الضرائب إن المصلحة تبذل كل جهدها لتحصيل المتأخرات، وعلى جميع أجهزة الدولة أن تتعاون مع مصلحة الضرائب فنحن لا نعمل بمفردنا وبالفعل لدينا جهاز مكافحة التهرب، وتعاون الأجهزة يمكن يُسهل التحصيل، فى ظل انخفاض الموارد للدولة مع تراجع إيرادات السياحة. وتضيف: «هناك تهرب جزئى بإخفاء جزء من نشاطه أو دخله ويتم فتح ملف ضريبى لفرع ويتجاهل الفروع الأخرى، وكذلك إخفاء جزء من إيراداته بخلاف من لم يتقدم لفتح بطاقة ضريبية ولم يُسجل، ومن المفترض أن قانون القيمة المضافة سيحتوى على تشريعات تنص على ذلك، وبخلاف قانون العقوبات والتى تصل إلى غرامات وحبس».


واختتمت «آيات» حديثها بالتأكيد أن هناك صراعا ضريبيا بين المصلحة والممولين، وتم تحويل القضايا المرفوعة بينهما من محاكم القضاء الابتدائى إلى محكمة القضاء الإدارى بناءً على حكم الدستورية العليا، وهذه الملفات «مركونة» وعليها متحصلات خاصة للمصلحة لدى الممولين، مطالبة بسرعة إصدار تشريع لحل هذه المشكلة، إما بتشكيل لجنة داخل المصلحة لسرعة إنجاز هذه الملفات أو إقرار حافز ضريبى يجعل الممول يُسرع فى تنفيذ إقراره الضريبى ليستفيد من الحافز.


لم يحسم البرلمان بعد قانون ضريبة القيمة المضافة، إلا أن التصريحات الحكومية تكشف عن اتجاه الدولة لزيادة نسبة الضريبة من ١٠٪ إلى ١٤٪، وهو السعر العام للضريبة الذى يستثنى منه عدداً من السلع والخدمات يدرجها القانون فى جداول خاصة ويحاسبها بنسب ضريبية متفاوتة.


ويعتقد محمد الشافعى «مفتش ضريبي» أمين عام رابطة مأمورى الضرائب، أن فرض ضرائب جديدة على المواطن فى ظل ارتفاع الأسعار والتضخم وعدم السيطرة على السوق، فإنها تأتى فى توقيت غير مناسب على الإطلاق، مشيرًا إلى أنه إذا تم تفعيل الحصر الضريبى أو على الأقل توحيد المعاملات الضريبية بالرقم القومى مثل قاعدة الانتخابات، سنضمن حصر المجتمع الضريبى بشكل شامل وستزيد الإيرادات وتعود بالنفع على الموازنة العامة بالدولة.


وتابع: «لدينا قصور فى القاعدة الضريبية منذ تطبيق قانون ٩١ لسنة ٢٠٠٥، لأن هذا القانون يحتاج إلى «غربلة كاملة» وإذا تم تفعيل الحصر الضريبى بطريقة سليمة سنستطيع التحكم فى السوق».


«ظُلم مُجحف».. هكذا تحدث الشافعى عن «العدالة الضريبية»، ويكمل:»هيّ ترتبط بحالة المجتمع بمعنى أنه فى حال تطبيق الضرائب على جزء معين ونترك الباقى فإن ذلك ظُلم مجحف، بخلاف أنه عند فحص جزء من الممولين ونترك جزءا فإن هذا يعنى غياب العدالة وتطبيق الضريبة يشمل كافة الأنشطة فى المجتمع ونشعر بأن ذلك ينهى كل المشاكل. على سبيل المثال؛ الأطباء للأسف الشديد فلا يوجد دكتور يُخرج إيصالا مهنيا إلا قليلا، والمفروض أن يحصل على دفتر خاص برقم مسلسل لكل مريض، ولكنهم لا يقومون بذلك، وبالتالى فهذه إيرادات مُهدرة، وبالتالى فربط المجتمع الضريبى بالرقم القومى يُمكننا من حصر شامل لهذه الإيرادات، وعلى الأقل نسير فى تحقيق العدالة الضريبية».


وأوضح أن القانون ٩١ أحدث طفرة فى تحصيل الضرائب فلم يكن يطبق عليها إجراءات الفحص الضريبي، كما أن نظام العينة أوجد خللا كبيرا ولم يراعِ التكلفة الفعلية لبعض الأنشطة ويحصل على نسبة معينة من الربح دون التعرض إلى المصروفات، لكن فى القانون فإن عدم احتساب التكلفة الفعلية عند احتساب الربح أحدث نوعا من تراكم المشاكل وعدم حلها داخل مأمورية وكان يضطر الممول أن يذهب للجنة الطعن ومنها إلى المحكمة، والقيمة السلعية إلى الجنيه تقل وطول فترة التقاضى ومن ثم تحصيل الدين تنخفض التكلفة.


«نحاول الاقتراب من العدالة الضريبية».. هذا ما أكد عليه محمود خليل، مستشار رئيس مصلحة الضرائب، حيث تم رفع الشريحة المعفاة من ٥ آلاف إلى ٦.٥ ألف بخلاف الـ ٧ آلاف للموظفين فنحن نتحدث عن ١٣.٥ ألف نحاول قدر الإمكان تقليل العبء عن محدود الدخل ونحقق جزءا من العدالة الضريبية، والحكومة تسعى لتحقيق هذه العدالة.


وعن المتأخرات قال خليل، إن هناك قنوات شرعية لتحصيل هذه المتأخرات، سواء كان عن طريق التفاوض أو الحجز إذا استدعى الأمر، والمصلحة لن تترك هذه المتأخرات، الرقم يتجاوز ٨٠ مليار جنيه، مضيفا: «لا يوجد مجتمع لا يوجد به تهرب ضريبى ونحاول قدر الإمكان نقترب من المثالية فى تطبيق الضرائب وكلما كانت الضريبة مُيسرة فى التطبيق والتعامل مع الممول إيجابى سيقل ذلك، ونحاول الحد منه».


«الأغنياء يدفعون الضرائب بلا شك»، وكل شخص له مصادر دخل متنوعة خاضعة للضريبة ولن يحصل أحد على هذا دون أن يدفع الضرائب ولن يوجد رجل أعمال لا يدفع الضريبة وهذا الخلاف وصل إلى طرق التقاضى المختلفة عن طريق اللجان بالمصلحة أو القضاء.


المركز المصرى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تحدث عن العدل الضريبى بالقول إنه فى ظل عجز الحكومة عن التوسع فى تطبيق ضرائب الدخل على الفئات الأكثر ثراءً أو على الأرباح الرأسمالية، ظلت ضرائب المبيعات هى المجال الأكثر جاذبية للحكومة لتحقيق إيرادات إضافية تساهم من خلاله فى سد عجز الموازنة.


كذلك توقعت الحكومة فى مشروع موازنة العام المالى الجارى الزيادة فى ضريبة المبيعات بأكثر من ٥٠ مليار جنيه عن مشروع موازنة العام الماضي، لتساهم بنسبة ٣٩.٧٪ فى إجمالى الإيرادات الضريبية، وذلك فى سياق مساعيها لتمرير قانون ضريبة القيمة المضافة خلال هذا العام عبر البرلمان.


وأكد المركز أن الضرائب الاستهلاكية، بغض النظر عن كونها غير عادلة مبدأ وأثرا، فهى سلاح ذو حدين يجلب زيادة فى الحصيلة الضريبية على المدى القريب ويؤثر سلباً على الاقتصاد والمواطن المستهلك على المدى المتوسط و البعيد؛ ويعد الاعتماد عليها كطريق لسد العجز حلاً غير مستدام لمشكلة بنيوية فى الاقتصاد المصرى لا حل لها إلا بتغيير النظرة الحكومية التى لا ترى المواطن إلا كمستهلك شره يجب الحد من استهلاكه بدلاً من ممول وموكل عليها حماية مصالحة التى تبدأ بالحماية الاستهلاكية وضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة ولا تنتهى بخط الطريق لتنمية اقتصادية مستدامة.