شعبية الرئيس.. والاستطلاعات المفبركة د. أيمن منصور.. أستاذ الرأى العام بكلية الإعلام: استطلاعات الرأى فى مصر تُجرى «حسب تساهيل ربنا»

31/08/2016 - 2:46:07

  الزميل محمد الحسينى يحاور د. أيمن منصور الزميل محمد الحسينى يحاور د. أيمن منصور

حوار: محمد الحسينى

حقائق صادمة.. لا مجال فيها للمراوغة أو «دفن الرؤوس فى الرمال».. التعامل مع قواعدها وتنفيذ شروطها من الممكن أن يجنبنا العديد من الأزمات التى يشهدها الشارع المصرى، وتجاهلها من المؤكد أنه سيكون سببا رئيسيا فى ارتفاع معدلات الأزمات وانخفاض نسبة الحلول.. هذا ما دار حوله الحوار مع د. أيمن منصور، أستاذ الرأى العام بكلية الإعلام الذى أكد أنه فى مصر والعالم العربى لا أحد يمتلك استطلاعات رأى عام يمكن توصيفها بالصحيحة والعلمية، ليس هذا فحسب، لكنه قدم «كشف حساب» لما يُعرف بـ»استطلاعات الرأى» التى تجريها بعض المؤسسات والمراكز الخاصة والشخصيات الإعلامية.


وعن موقفه من الأرقام والانطباعات التى تخرج بها وسائل الإعلام حول قضايا أو أزمات معينة، والحلول الواجب اتباعها ليكون فى مصر استطلاع رأى عام وفقا للمعايير العلمية الصحيحة وأمور أخرى كان الحوار التالى:


«قبول أو رفض وأرقام تؤكدها الاستطلاعات».. مصطلحات وجدت طريقها لغالبية وسائل الإعلام.. كيف تقيم هذا الأمر؟


أولا لابد من الإشارة إلى أن الحديث عن توجهات أو مطالب ورغبات الرأى العام فى أى بلد على مستوى العالم، لابد وأن يخضع لعدد من المعايير، ووفق الدراسات الأكاديمية والتجارب العملية والمعيشية لا يستطيع أحد الحديث عن الرأى العام سوى بطريقة واحدة ومتمثلة فى استطلاعات الرأى العام، وغير ذلك يُعد رأيا أو توجها يحمل العديد من الشكوك فى صحة معلوماته ويندرج تحت ما يمكن أن يُسمى بـ«الظن».


وكما قلت استطلاعات الرأى العام ومؤشراتها هى الطريقة العلمية الوحيدة التى يمكن بها قياس أو معرفة توجهات ومطالب ورغبات المواطنين، وللأسف الشديد فى مصر والوطن العربى لا أحد يمتلك استطلاعات رأى عام يمكن توصيفها بالصحيحة والعلمية، حتى المؤسسات التى تعتمد عليها وسائل الإعلام المختلفة فى عرض نتائج استطلاعات الرأى العام لا تمتلك هى الأخرى إجراءات ومعايير علمية سليمة.


وعلى سبيل المثل وليس الحصر مؤسسة «بصيرة» نتائجها فى استطلاعات الرأى العام لا يمكن الاعتماد عليها فى قياسه، خاصة أن العينات التى تجرى عليها الاستطلاع غير ممثلة للرأى العام، حيث إنها عينات يمكن وصفها بالمتاحة، ولا يمكن أن تكون وفق المعايير العلمية (عشوائية أو منتظمة)، هذا بجانب أن لها توجهاتها الخاصة ولا يمكن توصيفها بالمحايدة ومن يديرها يحمل نفس الخصائص، وأتذكر نتيجة استطلاع الرأى حول أداء الحكومة عام ٢٠١٠ وقبل ثورة ٢٥ من يناير بحوالى شهرين خرجت لتؤكد أن ٩٢٪ من الشعب المصرى راضين عن أداء الحكومة.


ما سبق يدفعنا أيضا للقول بأن تقدمه وسائل الإعلام من نتائج حول استطلاعات الرأى يندرج تحت ظاهرة «توهم المعرفة» والمسمى العلمى لها «الجهل الجمعي» بمعنى الجهل باتجاه الجماعة الحقيقي، فعلى سبيل المثال برامج «التوك شو» تنقل قبولا أو رفضا أو مطلبا شخصيا لمقدم البرنامج على أنه توجه غالبية الشعب المصري.


ويجب أن أشير هنا إلى أن إجراء استطلاع رأى وفق معايير أكاديمية سليمة على المستوى المادى مكلف جدا، فأقل استطلاع رأى ذى عينة منخفضة تتجاوز تكلفته المادية حاجز الـ١٠٠ ألف جنيه، فمن يستطيع تحمل تلك النفقات وما المردود منها؟.. على مستوى العالمى نجد أن وسائل الإعلام المختلفة لا تستطيع نشر نتائج استطلاعات رأى إلا عندما تكون مشتركا فى إحدى المؤسسات، وتدفع اشتراكا، أما فى مصر فهذا الأمر غير موجود.


وأضيف هنا أنه توجد استطلاعات رأى وهمية والتى تجريها بعض المواقع الإلكترونية على شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة، فلا يمكن التحقق من صحة الأعداد التى قامت بالتصويت، إلى جانب أن تلك المواقع المتواصل معها يعنى أنه يحمل نفس التوجه الأيدلوجى، بالتالى الاعتماد عليه كتعبير عن الرأى العام أمر غير دقيق ينطبق الوضع على برامج «توك شو»، باختصار استطلاع الرأى العام فى مصر تجرى «على حسب تساهيل ربنا».


مؤخرا.. أجرى أحد الإعلامين استطلاع رأى حول «ترشح الرئيس لفترة رئاسية ثانية».. هل يمكن تحليل النتائج التى ترتبت على الاستطلاع ذاته؟


ما حدث لا يمكن بأى حال من الأحوال أن نطلق عليه مصطلح «استطلاع»،لأن الأمر لا يتعدى كونه «حشد» لأن الأمر من البداية مبنى بالأساس على دعوة المؤيدين أو المناصرين إلى المشاركة وليست عينة عشوائية متنوعة الميول والتوجهات.


وفيما يتعلق بأسباب خروج النتيجة بشكل عكسى عن مطالب الحشد، أرى أنها ترجع إلى حالة التنافس بين المؤيدين والمعارضين، وتكاسل المؤيدين عن المشاركة فعلى سبيل المثال دعوة المواطنين للتصويت للرئيس السيسى عندما أجرت صحيفة «نيوزويك» استطلاعا للرأى وكانت النتائج منخفضة فتم دعوة المواطنين للتصويت من أجل رفع النتائج، هذا يسمى «الحشد» وليس استطلاع رأى، مثال آخر برامج التنافس بين المطربين أو اختيار أفضل الأصوات يتم الحشد عبر وسائل الإعلام للتصويت لصالح المطرب المصرى أو الأردنى وهكذا.


بصراحة.. هل الرئيس عبدالفتاح السيسى فى حاجة إلى داعمين ليقوم باستطلاع رأى حول رغبة المواطنين فى ترشحه لفترة رئاسية جديدة؟


للأسف الشديد اللاعبون لهذا الدور هم فى حقيقية الأمر عبء على الرئيس، بل على العكس فى الكثير من الأحيان تكون أفعالهم لها ردود أفعال عكسية تخصم من رصيده، فعلى سبيل المثال الذى ذكرته ما أهمية إجراء هذا الاستطلاع ومازلت فترة الرئاسية الحالية لم تشرف على الانتهاء، فهناك عامان باقيان، إلى جانب التوقيت، كيف يجرى استطلاع وقت أزمة اقتصادية طاحنة يعانى منها غالبية الشعب؟.. وكان يجب إجراء مثل هذا الاستطلاع أن يتم اختيار توقيت جيد له وفى ظروف جيدة أو مستقرة.


خرجت فى الآونة الأخيرة دعوات فى مصر لضرورة مواكبة العالم فى استخدام التكنولوجية الحديثة.. فلماذا نستثنى من ذلك استطلاعات الرأى عبر الوسائل التكنولوجية ونعتبرها غير دقيقة؟


معايير استطلاعات الرأى مرتبطة بأن يتوفر الباحث والمبحوث ففى المقام الأول يتم اختيار عينات المبحوثين، وحسب قواعد سواء كانت عشوائية أو منتظمة وفق القضية أو المبحث المقصود ولابد من التعامل به بشكل مباشر وتوجه الأسئلة.


ثانيا قياس نسبة الخطأ فى الاستطلاع.. فوفق القواعد الأكاديمية والعالمية لا تتجاوز ٣٪ عن النتائج الحقيقية، فعلى سبيل المثال عندما تجرى استطلاع رأى حول فرص مرشح معين فى الفوز بالانتخابات يجب أن تنطبق عليه تلك القاعدة، أى أنه إذا كانت نتائج الاستطلاع تقول إن المرشح سيفوز بنسبة ٥٠٪ يجب أن تكون نتائج الانتخابات لهذا المرشح تقع ما بين ٤٧٪ أو ٥٣٪ ليس أكثر من ذلك، وعندما تتجاوز نسبة الخطأ ٢٠ أو ٣٠٪ أصبح الاستطلاع لا يعطى أى معلومة أو نتيجة، فهذا المرشح يمكن أن يفوز أو يخسر الانتخابات، فمثل هذا الوضع الاستطلاع لم يخرج بنتيجة وبالتالى لا قيمة له.


وفى دول العالم الأكثر استخداما للإنترنت مثل الولايات المتحدة الأمريكية والتى يصل عدد المستخدمين لخدمات الإنترنت ٩٠٪ هناك شكوك فى نتائج استطلاع الرأى عبر المواقع الإلكترونية، فنتائج استطلاعات الرأى حول الانتخابات الأمريكية المقبلة تكون بالتعامل المباشر مع المبحوثين.


يضاف إلى ماسبق أيضا أن هناك شركات ومواقع تتعامل بشكل تجارى مع استطلاعات الرأى ويتم الاتفاق بين مرشح ما أو شركة ما على الترويج لها وسط فئات بعينها نظير مبلغ معين، وتخرج النتائج وفق أهداف من قام بالتمويل.


وهناك جانب آخر يفقده استطلاع الرأى الإلكترونى وهو التحقق من نسبة إعداد العينة التى تم الإعلان عنها، فمثلا يتم الإعلان على أن العينة أجريت على ١٥ ألف شخص كيف يمكن التحقق من هذا الرقم وتوجهات وميول من شاركوا فيه؟! فهناك العديد من المؤسسات ووسائل الإعلام المشهورة فى مجال اختيار شخصية العام أو اختيار الفنان الأكثر شعبية، عند قراءة أرقام العينات التى أجرى عليها الاستطلاع تصل مثلا إلى ١٥ مليون شخص الوضع الذى يدفعك - وبشكل فورى- للتفكير فى محاكمة من أجرى الاستطلاع بتهمة إهدار المال، فإذا كانت تكلفة الاستمارة عشر جنيهات فأنت تتحدث عن تكلفة مالية مهولة حتى لو كانت حقيقية، فلماذا تجرى استطلاعا على هذا العدد المهول من المواطنين، وإذا لم تقم باستطلاع على هذا العدد فأنت تكذب وتضلل الرأى العام.


وبعد هذا كله هناك أيضا خبرة الباحث فى تفريغ وتحليل نتائج الاستطلاع، فتلك المواقع للأسف لا تمتلك باحثين لديهم المقدرة والخبرة المطلوبة، وربما لا تمتلك أصلا باحثين، لكل هذه الأسباب مجتمعة لا يمكن الاعتماد فيها على نتائج الاستطلاع الإلكتروني.


فى مصر هناك عدد كبير من مراكز البحوث واستطلاع الرأى سواء كانت مملوكة للدولة أو قطاع خاص، فكيف تعمل تلك المراكز وتستطيع استخراج نتائج فى ظل غياب المعايير؟


للأسف الشديد الوضع فى مصر غاية فى الصعوبة، فمركز استطلاع الرأى التابع لجامعة القاهرة ميزانيته السنوية ألف جنيه فقط والذى تم تأسيسه عام ١٩٨٢، المركز للأسف الشديد لم يجر بحث استطلاع رأى عام منذ عام ٢٠٠٩ فكيف يمكن بتلك الميزانية الزهيدة إجراء استطلاع رأى عام وفقا للمعايير العلمية المطلوبة والمتعارف عليها، أضف إلى ذلك وحدة الرأى العام بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية لم تجر بحث خاص باستطلاع الرأى عام منذ ٢٠١٠.


وهناك أيضا مركز البحوث التابع لمجلس الوزراء لا يستطيع أن يقوم باستطلاع الرأى نتيجة قربه أو كونه ممثلا لسلطة، والمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية لا يقوم باستطلاع رأى عام بل يجرى دراسات مسحية، وهناك فرق كبير بين استطلاع الرأى والدراسات المسحية، فالدراسات المسحية تعد استماراتها لقياس ظواهر على فترة زمنية طويلة، لكن استطلاع الرأى شيء آخر فعلى سبيل المثال قياس تأثير خطاب الرئيس على المواطنين لابد أن يجرى خلال ٤٨ ساعة من الخطاب، وهذا ما يسمى الحدث، فإذا مرت مدة أطول لا يصلح إجراء استطلاع رأي.


فى نهاية الأمر تجد أنك لا تمتلك بحوث رأى عام بشكل حقيقى، وبالتالى ما يخرج من وسائل الإعلام المختلفة من نتائج تنسب إلى استطلاع الرأى العام هى كما قلنا مجرد «ظن» ونقل خبرات ذاتيه وتوجهات شخصية.


وماذا عن الاستطلاعات التى تُجرى على موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك».. هل يمكن للجهات الحكومية الاعتماد على نتائجها؟


الاستطلاعات التى تجرى على «الفيس بوك» والمعروفة باسم «الهاش تاج» نستطيع من خلالها معرفة حجم الاهتمام بقضية أو حدث معين، لكن لا يمكن أن تقدم فى أى توجه تثير الأغلبية نحو القبول أو الرفض أو التأكيد، فمثلا هناك صورة أو مقولة ما يتم الإشارة إليه أو تكرارها عدة مرات فتصبح فى مقدمة الاهتمام، ولكن هل نستطيع أن نعرف فى أي اتجاه يصب هذا الاهتمام؟ .. الإجابة لا يمكن ذلك والكمبيوتر لا يستطيع تقديم هذا التحليل.


أما فيما يخص الاعتماد عليها فهذا أمر صعب، ومصر تقريبا هى الدولة الوحيد التى تعطى اهتماما مبالغا فيه لـ»الفيسبوك»، وهذا وضع غير موجود فى العالم لأنه من الأساس عالم افتراضى تتواصل الناس بشكل شخصى تجمعهم ميول أو أفكار بعينها ولا يجوز أن يكون معبرا عن المجتمع ككل.


دائما تؤكد أن وسائل الإعلام ليس لها تأثير.. كيف يمكن ذلك والمواطن يعتمد عليها فى تلقى المعلومات؟


هذا صحيح تماما وينطبق على جميع وسائل الإعلام المحلية والدولية، وببساطة هناك سؤال من الواجب الإجابة عليه للتأكد من أن وسائل الإعلام لها تاثير لم لا وهو «من يصنع أجندة وسائل الإعلام؟ «.. والإجابة أن الذى يشكل أجندة وسائل الإعلام هو النظام الحاكم الذى يطرح بشكل دورى وربما يكون يوميا أجندة القضايا والموضوعات.


فالبيت الأبيض على سبيل المثال يتم وضعه فى القياسات العلمية حول مقدرته على صناعة أجندة وسائل الإعلام المختلفة، فالقواعد تقول إن وسائل الإعلام لها توجهات ومصالح، فيتم عقد لقاءات بين صانع الأجندة ووسائل الإعلام المختلفة لمعرفة تلك المصالح والتوجهات وكيفية توجيهها ومساندتها، وهذا الوضع يحتاج إلى خبراء فى هذا المجال من أجل صنع الأجندة.


ومصر لا تمتلك مديرا فنيا للشئون الرئاسية، وبالتالى هناك ضعف فى هذا الاتجاه، فعلى سبيل المثال قضية تيران وصنافير لو لدينا صناعة أجندة الإعلام كان يمكن للدولة تهيئة الأوضاع حتى يتم امتصاص الغضب، ومن يسأل من الذى يحرك الأوضاع فى مصر الشعب أم الإعلام؟ أقول له الدولة تحرك الاثنين فى داخلها طرف ثالث يحرك الأمور وفق عدد من المصالح والتوجهات.