أغلبها وهمى ويفتقد للموضوعية: استطلاع الرأى.. «سبوبة دكاكين» المراكز البحثية!

31/08/2016 - 2:41:52

تقرير: رانيا سالم

"استطلاعات الرأي" هىوجهان لعملة واحدة،فيمكن أن تكون أداة عاكسة وكاشفة لتوجهات وآراء الرأى العام، لتكون دليلاً لصانع القراريرتكن عليه فى صناعة سياساته، أو أداة مُضللة وخادعة، لاتعبر عن آراء الرأى العام؛لكن تُستخدم عبر أدوات غير منهجية وعينات غير مُمثلة للمجتمع، من أجل الخروج بنتائج لخدمة سياسات ومصالح تيار سياسى أو قوة اقتصادية معينة.. وقتها يمكن أن نُطلق عليها "دكاكين.. وسبوبة".


أما استطلاعات مواقع التواصل الاجتماعى والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية، فهى لاترتقى لمستوى استطلاعات الرأى العام، وعلى أقصى تقدير فهى سؤال أو اثنين يطرح عبر وسيلة غالباإلكترونية، على أقصى تقدير تقيس اتجاهات جمهور هذه الوسيلة نحو قضية معينة، وخروج هذه الأسئلة من دائرة الاستطلاعات يرجع فى المقام الأول أنها وجهت لعينة عمدية محددة جمهورالوسيلة الإعلامية، وبالتالى فالعينة غير ممثلة للمجتمع الحقيقى ولاتعبر عنه.


"المصور" التقت بعدد من الخبراء لمعرفة رأيهم في استطلاعات المراكز البحثية، ليأكدوا أن "من يقوم بإجراء الاستطلاعات على سبيل "الاسترزاق عبر التمويل"، لأن ثقافة المجتمع لا تؤمن باستطلاعات الرأى كما أن الثقافة السياسية الرسمية أو الشعبية فى العادة ما تشكك فى نتائجها بل تتجاهلها. لافتين إلى أنه لا يُمكن الاستفادة من استطلاعات الرأي فى صناعة القرار، لأن نتائجها تتأثر بالتمويل والأجندة التى تتبناها هذه الجهات الممولة.


بدابة، قال الدكتور بركات عبد العزيز أستاذ الرأى العام، ووكيل كلية الإعلام للدراسات العليا بالقاهرة،إن ثقافة المجتمع لاتؤمن باستطلاعات الرأى، كما أن الثقافة السياسية الرسمية أو الشعبية فى العادة ما تشكك فى نتائج استطلاعات الرأى، بل إنها تتجاهلها، وهو أمر مختلف تماماً عما يحدث فى الدول المتقدمة التى يشكل استطلاع الرأى فيها تأثيرا على صانع القرار والشعب والنخبة والثقافة السياسية والاجتماعية السائدة.


قوة هذه الاستطلاعات كما بينها "بركات" ترجع إلى امتلاك المراكز البحثية الأدوات الحديثة منهجياً وإحصائياً، وهو ما تفتقده أغلب المراكز فى مصر فما عدا مركز البحوث الاجتماعية والجنائية، الذى نجح فى أن يكون مركزا مستقلا بعيداً عن السلطة السياسية، ويقدم أبحاثا تتميز بدقة منهجية، أما مركزدعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء فيصعب الحكم عليه؛ لكن الأغلب أنه لديه ضعف فى العينات الممثلة، فلا تتوافر فيها الضوابط الإحصائية لتمثل المجتمع.


"دكاكين" هكذا يصف وكيل كلية الإعلام المراكز البحثية الأخرى، قائلاً:"هذه المراكز أشبه بالدكاكين،ليس أمامهم أى فرصة لإثبات أنفسهم، فهم مجموعة من العاطلين، يقومون بإجراء هذه الاستطلاعات على سبيل الاسترزاق عبر التمويل الثرى لهذه المراكز والاستطلاعات"، مستثنياً منهم مركز بصيرة فهو أحد المراكز المحترمة التى أعلنت عددا من الاستطلاعات التى حظيت بمصداقية، رغم أنها تتبع أساليب وأدوات منهجية وإحصائية يصعب الوثوق فى نتائجها بشكل علمى.محذراً من التلاعب بنتائج استطلاعات الرأى، قائلاً" طالما هذه الاستطلاعات غير ممثلة للمجتمع وغير منهجية، فبالتأكيد هى ممولة تسعى لفبركة النتائج، وتنصاع لأهداف وميول وأجندة الممول"، مضيفاً إلى أن عددا من النخب السياسية حريص على مصالحه وعلى صلة وثيقة بعدد من هذه المراكز، فى العادة ماتكلف هذه النخب المراكز لإجراء استطلاعات عن موضوع معين ليتبنى المواطنون آراء واتجاهات معينة.


"استطلاعات الرأى العام لاتعكس اتجاهات الأفراد.. ولايمكن الاستفادة منها فى صناعة القرار" هذا ما أكد عليه الدكتور سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسى بالجامعة الأمريكية، مضيفا: الأساس فى صحة المراكز التى تصدر هذه الاستطلاعات أن تكون مستقلة وحرة، غير تابعة للحكومة أو جهات خاصة لتمويلها، ففى الحالتين تتأثر النتائج بالتمويل والأجندة التى تتبناها هذه الجهات الممولة.موضحاً أن أشهر مراكز استطلاعات الرأى فى الولايات المتحدة "جالوب" وهويمتلك عينات ممثلة تمثيلا حقيقيا للولايات الـ٥٠ على المستوى العمرى والاجتماعى والاقتصادى، وهو ما يجعل النتائج التى تعلنها هذه المؤسسة تمثل المجتمع بشكل حقيقى، كما أن هذه المراكزتسعى لوجود باحثين متخصصين كمركز جيمس زغبي، وهو ما نفتقده فى مصر، فالباحثون غير مؤهلين ويتأثرون بانتماءاتهم السياسية.


"صادق" يُفسر مصداقية هذه المراكز أنها تتبع الإجراءات العلمية فى استطلاعات بموضوعية ودون تأثر بسياسات النظام الحاكم، كما أن هذه المراكز تمتنع عن إظهار نتائجها فى أوقات بعينها، وضرب مثالا بعدم نشر نتائج استطلاعات شعبية الرئيس بارك أوباما، التى كانت منخفضة لكن أجلت حتى لاتؤثر على اتجاهات الناخبين فى انتخابات الكونجرس، فمثل هذ المؤسسات البحثية تعى دور هذه الاستطلاعات وخطورتها فى توجيه كتل مهمة وحرجة تجاه أوضاع أو سياسات أو انتخابات.مبيناً أن الفرق بين هذه المراكز ومراكز استطلاع الرأى الخاصة فى مصر هىالحيادية وعدم الانحياز بشكل كبير، ولكى أكون أكثر دقة، موضوعية هذه المراكز، وهوما يكسبها مصداقية فى العالم بأكمله، أما فى العالم العربى فالاستطلاع يستخدم كأداة لمعارضة النظام الحاكم أو تأييده وفى الحالتين يتبع انحيازا فى العينة وفى الأدوات المنهجية لتحقيق نتائج معينة، مما يفقد هذه الاستطلاعات مصداقيتها لعدم تمثيلها لآراء الأفراد الحقيقية.


"التأثير على آراء واتجاهات المواطنين" هكذا يرى أستاذ علم الاجتماع السياسى ما يطلق عليه باستطلاع على مواقع التواصل الاجتماعى أو المواقع الإخبارية أو حتى الشاشات التليفزيونية، مؤكداً أن هذه الوسائل الاتصالية تطرح سؤالاأو اثنين وليس استطلاعا كاملا، كما أن العينة التى تجيب عليها غير ممثلة أو معبرة عن المجتمع، ولهذا مثل هذه الأسئلة يصعب ضبطها منهجياً، وهى فى الغالب صناعة لها أهداف سياسية، تتبنى توجها معينا وتسعى لتحقيق أجندة معينة، للتأثير على الرأى العام عبر هذه الأسئلة وعبرانتشار نتائجها فى مواقع التواصل الاجتماعى.


من جانبها، تطرقت الدكتورة غادة موسى أستاذ السياسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة، إلى أهمية العينات التى تتخذها استطلاعات الرأى سواء التابعة للحكومة أو الخاصة، فالعينات المُمثلة تمثيلا حقيقيا عن المجتمع تعطى مؤشرات دالة عن الواقع الحقيقى يمكن لصانع القرار الاستفادة بها فى سياساته.


وضربت مثالاً بإجراء استطلاع عن رضى المواطن عن الخدمات الحكومية، فى حالة الرغبة فى التلاعب بنتائج الاستطلاع، والوصول بنتيجة معينة مفادها سخط وغضب الجمهور سيتخذ عينة عمدية تصل به لهذا الرأى، وهو ما يطبقه عدد من المراكز منذ ٣٠ يونيه وعدد من المواقع والقنوات الفضائية، التى ترغب فى نشر صور ذهنية معينة وأجندة سياسية حتى يتبناها الرأى العام عبر الاستطلاع.


ولعبة استطلاعات الرأى - على حد وصف "موسى" -وهى الأكثر استخدما خلال السنوات الماضية، للتأثير على آراء المواطنين، وتجعلهم يتبنون ما تطرحه من آراء حتى لا يخرجوا عن السياق العام، أما استطلاعات مواقع التواصل الاجتماعى فهى موضة هذا العصر، بعد الاهتمام الزائد بهذه المواقع، فهناك من يرد أن يستغلها لتحقيق مصالح سياسية، وآخرون يرونها وسيلة لتحقيق مزيد من الربح.مؤكدة أن المواطن المصرى لم يعتد على استطلاعات الرأى، فالقيم التى تحكم المواطن المصرى تجعله يخشى الحسد والإفصاح عن الآراء التى يتبناها أو أى معلومات تخصه، وهى إحدى الإشكاليات التى تضاف إلى عدم الدقة المنهجية، والعينة غير الممثلة، وتحوله لأداة لتبنى آراء وتوجهات سياسية معينة.


في ذات السياق، قال الدكتور أحمد التهامى أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة، استطلاعات الرأى منذ عدة عقود شابها قدر من التأثير بالقيادة السياسية، ومنها أبحاث استطلاعات الرأى العام التى نفذت عن زيارة القدس فى عام ١٩٧٧،واستطلاع تطبيق الشريعة الإسلامية، فالجوانب المنهجية المستخدمة فى كل من الاستطلاعين أظهرت أن الرأى العام فى الأول يؤيد الزيارة، وفى الثانية الموافقة على تطبيق الشريعة بنسبة مرتفعة، وفى الحالتين هو ما يتفق مع اتجاهات القيادة السياسية فى هذا الوقت.


"التحيزات المنهجية فى استطلاعات الرأى العام ليست صنيعة مصرية" كما يرى "التهامى"؛ ولكن هذه التحيزات وعدم الضبط المنهجى ظهرت فى عدد كبير من الدول الديمقراطية، وبالفعل تأثرت استطلاعات الرأى بالتحيزات فى اختيار العينات وفى توظيف النتائج وفقاً للاتجاهات السياسية.


"التهامي" استطرد قائلا:إن الضبط المنهجى لاستطلاعات الرأى العام لم تطبقه عدد من الجهات الخاصة التى أصدرت عدة استطلاعات طوال الفترة الماضية؛ بل إنها استغلت الانقسامات الموجودة داخل المجتمع، وسعت لتحيز منهجى وتوظيف للنتائج وفقاً لمصالحها، بدل من أن تعكس التوجهات الحقيقية للرأى العام، ورضا أو غضب الرأى العام من أوضاع اقتصادية أو سياسية.


أستاذ العلوم السياسيةيؤكد أن نتائج استطلاعات الرأى لابد من تفسيرها فى إطار الجهة التى أصدرتها، فهناك تنوع فى أشكال الجهات التى تصدر استطلاعات داخل مصر بين مؤسسات حكومية مثل المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية أو جهاز دعم واتخاذ القرار التابع لمركز الوزراء أو مركز الأهرام أو خاصة أو مشاركة مع جهات دولية كمؤسسة جيمس زغبى، وبيولاستطلاعات الرأى، ووفقا لهذا المنظور فاستطلاعات الرأى هنا ترتبط بجهة التمويل وأهداف الاستطلاع، من أجل خدمة أجندة معينة لهذه الجهة، أو على أقل تقدير التعرف على الواقع المجتمعى وتوجهاته.


مبيناً إلى أن التحيزات فى العينة هى إحدى وأهم الآليات التى تطبق لتوظيف استطلاعات الرأى، فاستخدام عينة صغيرة وغير ممثلة أو معبرة عن المجتمع الحقيقى، للوصول لنتائج بعينها، ثم تعميم هذه النتائج على المجتمع بأكمله، وهو ما تتبعه بعض الجهات وظهر بشكل واضح فى استطلاعات الرأى التى نُشرت وهللت لها بعض وسائل الإعلام رغم أنها تفتقد للرؤية والضبط المنهجى.


التأثير على الرأى العام هكذا يرى "التهامى" الدور الأهم الذى تلعبه نتائج استطلاعات الرأى، مضيفا: هى يمكنها أن تلعب دورا فى التوعية لدى الرأى العام، وقت الانتخابات حينما يكون هناك تأرجح بين مرشحين، وظهور استطلاع الرأى فى هذا التوقيت تشعر الناخبين أن هناك اتجاها سائدا خلف مرشح بعينه وفقا للاستطلاع، وبناء عليه يتنى عدد من الناخبين التصويت لهذا المرشح.


مضيفا: وهو الأمر الذى يحدث فى عدد من الدول المتقدمة ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، فاستطلاعات الرأى العام وقت الانتخابات يمكنها أن تتنبأ بنتائج الانتخابات، لكن فى مصر من الصعوبة الوصول لهذه المرحلة،لأن الرأى العام فى حالة سيولة، فهناك تضارب وتقلبات فجائية تصيب الرأى العام يصعب معها تفسير التغييرات الفجائية فى التوجهات العامة ويصعب تفسيرها.


ويرفض "التهامي" الاستطلاعات التى تجرى على مواقع التواصل الاجتماعى أو القنوات التليفزيونية أو الاذاعية، بقوله: "لايمكننا أن نصفها بالاستطلاع، فهى لاتزيد عن قياس رأى جمهور وسيلة إعلامية معين مرتبط بهذه الوسيلةسواء موقعا أو قناة، ولايمكن تطبيقها على الرأى العام، ففى النهاية ليس كل المجتمع يمتلك جهاز كمبيوتر، كما أننا كمجتمع لانزال نعانى من أمية القراءة والكتابة".