اغتيال ضابطين بعملية إرهابية .. ليسوا أول الشهداء ولن يكونا الأخيرين العريش .. الملاذ الآمن الجديد للإرهاب

31/08/2016 - 2:28:44

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

عناصر إرهابية يرجح انتماءها لتنظيم “أنصار بيت المقدس” تستقل سيارة من طراز (هيونداي فيرنا) قاموا بقطع الطريق على سيارة يستقلها كل من النقيب/ محمد السعيد عبدالرازق ـ ٢٥ عاما) من مدينة المحلة الكبرى ومقيم بالعريش،( والنقيب/ محمد محمود الزملوط ـ ٣٠ عاما) من مدينة العريش، أثناء عملهما بالمرور في دورية أمنية بشارع القاهرة بالعريش، وأطلقوا النار عليهما وفروا هاربين، الحادث أسفر عن استشهاد النقيب “محمد السعيد عبد الرازق” في الحال إثر إصابته بطلقات نارية في الرأس والصدر، فيما استشهد النقيب “محمد محمود الزملوط” متأثرا بجراحه عقب وصوله المستشفى، وتم نقل جثمانهما إلى المستشفى العسكري بالعريش، الجدير بالذكر أن النقيب محمد السعيد عبد الرازق نجا من محاولة اغتيال قبل شهرين عقب إطلاق النار من عناصر إرهابية تستقل دراجة نارية على سيارته، أثناء توقفه أمام أحد المحال التجارية بالقرب من موقع الحادث .


الحادث الإرهابي الذي استهدف الضابطين الشهيدين وقع فجر يوم الثلاثاء وسط الأسبوع الماضي لكنه لم يكن يمضي يومان حتى كان هناك ما هو أكثر من ذلك، فالخميس الذي يليه مباشرة شهد ثلاث عمليات متتابعة في يوم واحد الأولى فجرا عندما نجحت قوات مكافحة الإرهاب في مدينة رفح بأقصى الشرق في شمال سيناء، من إحباط محاولة إرهابية لتنظيم “أنصار بيت المقدس” استهدفت شن هجوم مسلح على كمين أمني بالقرب من “معسكر الساحة” بالقرب من مدينة رفح، الهجوم نفذ بمجموعتين تجاوز عددهم العشرة عناصر حيث قاموا بإطلاق كثيف للأعيرة النارية أعقبها قذيفة «آر بي جى» على الارتكاز الأمني، أسفر الهجوم المباغت عن تعرض ٤ من قوات الأمن لإصابات متنوعة وأصيبت سيدة من سكان المنطقة تصادف وجودها بالقرب من منطقة تنفيذ العملية فطالتها إحدى الرصاصات التي كانت تنطلق بشكل عشوائي بقصد إيقاع أكبر قدر ممكن من الأرواح والخسائر البشرية، قوات الإسناد التابعة لوحدات الجيش المتواجدة بالمنطقة تمكنت من التعامل مع المجموعة الإرهابية وأسقطت منهم ٦ عناصر قتلى بالرصاص، بعد ساعات من هذا الحادث وعلى مسافة لا تتجاوز ٣٠ كم تقريبا أصيب ضابط ومجند من قوات أمن شمال سيناء في انفجار عبوة ناسفة بالقرب من مدينة الشيخ زويد، حيث قام مجهولون بزرع عبوة ناسفة على الطريق الدولي الواصل ما بين مدينة العريش ومدينة رفح والذي تقع في منتصفه تقريبا مدينة الشيخ زويد، حيث انفجرت خلال مرور مدرعة أمنية أثناء عملية تمشيط بالمنطقة ما أحدث دويا هائلا ودخانا كثيفا، وأسفر الحادث عن إصابة (النقيب/ محمد السيد أبوالفضل ـ ٢٦ عاما) بتهتك بالكتف الأيمن، و(المجند/ محمود عادل السيد ـ ٢٢ عاما) بشظايا بالوجه، وتم نقل المصابين إلى مستشفي العريش العسكري لتلقي العلاج اللازم .


في نفس هذا اليوم الطويل الذي لم يرد أن ينتهي من دون حادث آخر أكثر بشاعة وهو يعود بنا مرة أخرى إلى مدينة العريش عاصمة المحافظة، فقد كان هناك حادث اختطاف قد وقع في يوم الثلاثاء يوم حادث استشهاد الضابطين الذي سبق ذكره، حادث الاختطاف نفذته مجموعة إرهابية مساء هذا اليوم في إحدى المناطق بأطراف مدينة العريش عندما تتبعت سيارة شرطة يقودها شرطي وتتبع “قسم أول العريش”، حيث قامت المجموعة المسلحة باستيقاف السيارة تحت تهديد السلاح وقامت بالاستيلاء على السيارة واختطاف سائقها والفرار بهما إلى المنطقة الصحراوية المتاخمة لجنوب مدينة العريش، تحركت الأجهزة الأمنية للقيام بأعمال البحث والتحرى على الفور للوصول للفاعلين واستعادة الشرطي المخطوف، لكن قبل وصول أجهزة الأمن لأي من أطراف الحادث في عصر الخميس دخلت شاحنة خضراء اللون إلى “حي المساعيد” وهو الحي السكني الشهير بشرق العريش، حيث قام ثلاثة إرهابيين مسلحين وفق شهود العيان بإنزال أحد الأشخاص مقيد اليدين ومعصوب العينين في أحد شوارع الحي الهادئ، ثم تقوم بإطلاق النيران على رأسه مرتين ليسقط صريعا على الفور وليتبين بعدها أنه هو الشرطي السائق الذي تم اختطافه سابقا، وتغادر المجموعة الإرهابية المكان سريعا من دون أن تنسى أن تقوم بتصوير هذا المشهد الصارخ حتى تقوم ببثه على المواقع التابعة للتنظيم، فالترويج الإعلامي لمثل تلك الحوادث التي تتم بالطريق العام “وهذا مقصود بالطبع” يلقى صدى واسعا في أوساط المجموعات والتنظيمات الإرهابية .


رغم أن الرحلة الزمنية للنشاطات الإرهابية قد مرت بمحطات زمنية متعددة شهدت صعودا وهبوطا متكررا، إلا أن موقف “قبائل سيناء” وهم المواطنون الذين يعيشون على هذه الأرض التي تعتبر مسرحا للأحداث، لم يكن واضحا أو ظاهرا بصورة متكاملة، فقد بدا هذا الموقف الصامت والسلبي على ما يجري بداخل مدن شمال سيناء وحولها مثيرا للدهشة والتساؤلات معا، رغم ارتكاب العديد من العمليات الإرهابية التي طالت أنواعا مختلطة من الضحايا، فقد سقط جراء هذا الاستهداف ضباط وجنود من قوات الجيش وأيضا مجموعة من ضباط وأفراد تابعين لجهاز الشرطة فضلا عن عدد كبير من المواطنين المدنيين، لم يكن هذا الصمت السلبي بموقف يمكن قبوله من قبل الرأي العام أو من المراقبين لذلك انتقل الأمر إلى مساحة ما من الاتهام وجهت لقبائل سيناء بأنهم يوفرون البيئة الحاضنة لتلك المجموعات المسلحة، وأن هناك قدرا ما من المساعدة تقدمه عناصر من داخل قبائل سيناء إلى هذه التنظيمات الإرهابية، خاصة عندما بدأت بعض الأسماء تتردد كونها تحتل مواقع قيادية على رأس تلك التنظيمات المسلحة، بل واتهامهم مباشرة من الأجهزة الأمنية بالتخطيط والتنفيذ لبعض من العمليات الإرهابية الكبرى، وقد مثل (شادي المنيعي) ابن قبيلة السواركه كبرى قبائل سيناء أحد أشهر هذه النماذج، نظرا لتوليه موقع قيادي بارز في (تنظيم أنصار بيت المقدس) الذي عدل اسمه مؤخرا إلى تنظيم ولاية سيناء( بعد إعلان مبايعته لتنظيم داعش واعتبار التنظيم فرعا أو وكيلا للتنظيم الأم على الأرض المصرية .


لم يكن التعاون ما بين قبائل سيناء وبين قوات الجيش في تلك المواجهة المعقدة في أفضل صوره، خاصة وأن التنظيم الإرهابي فطن إلى أن هذا التعاون يصيبه في مقتل ويفقده أهم عناصر قوته، لذلك لجأ مبكرا لإرهاب كل المواطنين الذين يقدمون المساعدات للأجهزة الأمنية بأي صورة كانت، ووصل الإرهاب لحد ارتكاب جرائم قتل عديدة ضد من تحوم الشبهات حول قيامه بمثل هذه الأدوار، وقد تطور الفعل بعد مبايعة التنظيم لداعش أن بدأ يمارس نفس المنهج الداعشي في ذبح العديد من المواطنين العزل وتصوير تلك الجرائم ونشرها، لخلق حالة من الرعب والهلع لدى أبناء القبائل في حال قيامهم بمساعدة رجال الجيش أو الأمن في محاصرة العناصر الإرهابية، وهو الشعور الذي انتقل بالفعل لأبناء القبائل وانتقل من خلاله قلق كبير لدى أجهزة الدولة على حياة مواطنيها في هذه المنطقة الخطرة، ولذلك يبدو وأن الشكل المطلوب للتعاون يحتاج إلى أفكار وآلية جديدة وصادقة خاصة ونحن نتحدث عن عمليات إرهابية تتم في وسط شوارع عاصمة المحافظة مدينة العريش، وردا على السؤال والمقترح الشائك الذي يتداول بقوة مع كل موجة تنامي للعمليات الإرهابية بسيناء، نحاول اليوم أن نشتبك معه ونطرح وجهة نظر قد يكون من المهم التفاعل والتعاطي معها بالتعديل والتنقيح والرد عليها، مختصر ما يتم تداوله أنه مع تكرار العمليات الإرهابية بمدن شمال سيناء “العريش، الشيخ زويد، رفح” وسقوط الشهداء والضحايا ، فلماذا لا يتم إخلاء أو تهجير سكان هذه البلدات الثلاث إلى أماكن بديلة، إفساحا لمجال العمل العسكري والأمني من أجل القضاء على التنظيمات الإرهابية، باعتبار أن عناصر التنظيمات الإرهابية تتخذ من سكان ومفردات حياة تلك المدن والقرى المحيطة بها ستارا ودروعا، تمارس من خلفه نشاطها الإرهابي وهي في ذلك تعقد معادلة المواجهة أمام قوات الجيش والأمن، وفي مساحة كشف متقدمة ومطلوبة في هذا السياق يحتوي هذا الطرح على اتهامات مبطنة لأهالي شمال سيناء، بأن هذه التنظيمات الإرهابية ما كانت لتنجح في تنفيذ عملياتها الإرهابية والتي تقع بداخل شوارع وأزقة تلك المدن تحديدا، من دون أن تكون هناك مساعدات ثمينة وفاعلة من أهالي تلك المدن تقدم لتلك الخلايا المسلحة، ويستند مؤيدو هذا الطرح على نموذج يضعونه كمثال مقارب لما يذهبون إليه، خاص بتهجير مدن القناة إبان حرب الاستنزاف وحتى حرب أكتوبر .


مقاربة هذه الحالة مع نموذج إخلاء مدن القناة في الحرب مع إسرائيل لتحرير سيناء أراها غير متوافقة إلى حد كبير، فوضعية الاحتلال واحتشاد الجيش المصري لخوض معارك مفتوحة بكافة أسلحة المواجهة، هي ما فرضت عليه إنشاء جبهة عمل عسكري متكامل في منطقة غرب القناة، فضلا عن استهداف الجيش الإسرائيلي لتلك المنطقة في محاولة منه للضغط على سير المعركة، بإلقاء مزيد من العبء على القوات المسلحة المصرية عبر استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية، وفي هذا كان الهدف الاستراتيجي لإسرائيل حينئذ هو الإفلات من وطأة حرب الاستنزاف التي كانت كفتها تميل ناحية الجانب المصري، والأهم هو خلق معادلة معقدة أمام الجيش المصري لا تسمح له ببناء مسرح متماسك لإدارة المعركة، وكانت تفاصيل التعقيدات المطلوبة هو استغلال تواجد مدن السويس والإسماعيلية وبورسعيد والقرى المحيطة بهم، ليشكلوا عامل خصم من الجيش المصري يضيقون عليه إمكانيات الحركة والتخطيط العسكري، لكن اليوم ليست المعادلة بهذا الوضوح والمباشرة، فمعادلة الإرهاب بأكثر تعقيد من الاحتلال وحروب الجيوش المفتوحة رغم كونها بأدنى منها بالطبع، لكنها هي طبعة الصراع الجديد، وآليات مواجهتها تستلزم فكرا وقوة حديثة تستطيع تفكيك وهزيمة تلك التعقيدات، التي ربما من أخطر أهدافها العديدة هو تدمير الحياة الطبيعية للسكان وللمدن والمناطق التي تستهدفها .


قضية الإرهاب والعمل المسلح هي الأكثر تعقيدا في أي مسرح تعمل عليه على مستوى العالم ولسنا استثناء في ذلك، وسيناء أيضا ليست استثناء عن مثيلاتها من مناطق نشب فيها هذا الفكر والعمل المنحرف أظافره، ولذلك فللمواجهة أبعاد أخرى لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية أو العسكرية حتى يمكن الإجابة عن الأسئلة، وفي تلك الأبعاد يتدخل الباحثون والمتخصصون في علم السياسة والاجتماع وغيرهم لتفكيك ألغاز المنطقة المعنية بذلك، وجهدهم هذا ليس به أي قدر من الرفاهية التي يمكن الاستغناء عنها أو التقليل من أهميته فهم الباحثين عن الإجابات التي تحتاجها القوات العاملة على خطوط المواجهة، وقد يتشكل قصور فادح في حال الاعتماد على تلك القوات التي ترفع السلاح وتواجه وتجمع المعلومات وتحاصر الاختلالات الأمنية، أن يكون من مهامها أيضا الإجابة عن أسئلة البيئة الحاضنة والمناخ الصديق والعدو فضلا عن تفسير مشكلات اجتماعية وسكانية من نوع الموجودة بسيناء مثلا، القصور هذا ربما في صورته العملية يأخذ شكلا مماثلا لأن هؤلاء المتعايشون مع الأزمة والخطر هم الأقدر على تفسيرها وسبر غور أعماقها، هذه من المطبات المشهورة التي تتضح بجلاء في الحالة السيناوية، فالألغاز التي تحتاج إلى العمل عليها منذ تفجيرات طابا ٢٠٠٤م لم يتقدم أحد لحلها .


هذا الغياب أو الالتفاف حول الأسئلة هو ما دفع اللغز أن يظل غامضا رابضا ككتلة واحدة، تستدعي طبيعته وشكله الخارجي حلولا خاطئة أو دعوات لخطوات بأكثر فداحة من الأزمة بذاتها، كما تردد مؤخرا على ألسنة عديدة بأن تهجير أهالي سيناء والمقصود أهالي العريش ورفح والشيخ زويد إلى مناطق أخرى، كفيل بإحداث تطهير للإرهاب من تلك المنطقة، من دون أن يتطرق أحد من هؤلاء لسؤال الأزمة الذي يكشف نفسه بقوة، أن لدى سيناء مشكلة سكانية مركبة وهي أحد أخطر أسباب تنامي الإرهاب على تلك الساحة، لكن تركيب المشكلة أن تلك المناطق المشار إليها تفتقر إلى السكان وليس العكس، والتركيبة بذاتها بها العديد من الاختلالات التي تستدعي دعمها بالسكان وليس الخصم منها، والنقل السكاني الذي تم على الشريط الحدودي الشرقي بعمق كيلومترات للقضاء على منطقة الأنفاق مقبول جدا ومهم للغاية، لكنه لا يصلح للتعميم البتة في المدن المشار إليها، ورغم أن الدولة وتحديدا القوات المسلحة قد تعاملت في هذه الخطوة برصانة وتقدير لحالة النازحين من تلك المنطقة، إلا أن النجاح بدا وكأنه قد وقف في منتصف الطريق ولم يجد من يستثمره كنموذج أو يصل به إلى بر الأمان، فظلت التعويضات المالية المقبولة هي الظاهرة بالمشهد رغم أن هؤلاء كان من الممكن أن يشكلوا نواة مجتمعات جديدة مطلوبة بشدة في منطقة يتصور أن يتقدم الإرهاب لملء فراغاتها وهو ما تم بالفعل .


دوما يكون أول المرتابين والمعترضين على حلول التغيير الديموغرافي هم أهالي سيناء وقبائلها، وترتفع أصواتهم بالاحتجاج سريعا ووصم من يطرحه من الباحثين أو السياسيين بأنه لا يتفهم طبيعة الحياة السيناوية، لكن بعد التفاعل الإرهابي الأخير في سنوات ما بعد ثورة يونيو ٢٠١٣م يكون لزاما قول الحقيقة كاملة من دون زخارف لفظية، أهل سيناء الشمالية وقبائلها وحدهم لن يستطيعوا أن يشكلوا رقما إيجابيا في معادلة محاربة الإرهاب، وهذا بكل تأكيد ليس ذما فيهم ولا انتقاصا من وطنيتهم بقدر ما هو اقتراب من تفاصيل مشكلة الحواضن المتراكمة، وليس الدولة بأجهزتها في نظام ما قبل ثورة يناير ٢٠١١م ببريئة من الوصول إلى هذه المشكلة، لكننا اليوم نبحث عن حلول متجاوزين مرحلة تعليق الاتهامات في أعناق المسئولين عن الخلل، ٢٧ ألف كيلو متر مربع يقطنه تعداد سكاني يقدر بـ ٤٣٥ ألف نسمة وفق البيانات الرسمية لعام ٢٠١٥م، إذن نحن أمام أحد أماكن الفقر السكاني الحاد بالمقارنة بالمساحة المذكورة وهذه أول ملامح المشكلة المشار إليها .


وفي هذا يستتبع القول بأن تلك الكتلة البشرية ضئيلة الحجم تعيش في مدن توصيفها الدقيق بأنها أشباه مدن، حتى ونحن نضع العاصمة العريش في التقييم فهي ليست مدينة مجهزة لكي تكون القاطرة لباقي مدن وقرى المحافظة، وبإضافة عامل استهداف هؤلاء السكان والشباب منهم للارتباط بالتنظيمات الإرهابية على خلفية أسباب عديدة، منها العوز الاقتصادي وفي القلب منها الفراغ الحياتي الذي يفتقر لطموح الإيمان بصناعة المستقبل، والأخير الواجب رصده هو الانتماء الفكري الغالب “عدديا” للتيار الإخواني والسلفي، وفي هذا الأخير تتشكل المادة الخام الجاهزة دوما أمام أي من التنظيمات الإرهابية في حال تقدمها للنهل منها، إذن بمعادلة جادة لمن يريد أن يقطع الطريق على تلك التنظيمات عليه أن يتعامل مع تلك العناوين الثلاثة المذكورة وفق أجندة ممنهجة ليس لها علاقة بالمواجهة العسكرية والأمنية الموجودة بالأساس ربما تلك الأجندة بداية لابد أن تجد حلولا عملية لمشكلة تملك أهالي سيناء للأرض مع وضع كل ضمانات الحفاظ على مرجعيتها المصرية، لأن تلك الخطوة التي طال انتظارها ستشكل حالة ارتياح عام ما بين الدولة والأهالي وهذا سينقل المشهد إلى إمكانية تقبل ما بعده، فالمطلوب وفق متغيرات الاتفاقات الجديدة أن يكون بشمال سيناء استهدافا حقيقيا منظما لنقل مليون مواطن لمحافظة شمال سيناء وحدها، وأن يكون هذا النقل سريعا فيما لا يتجاوز عامين على الأكثر، وفي هذا الإجراء لابد ألا تعتمد الدولة على الانتقال الطبيعي والطوعي من خلال إقامة المشروعات الاقتصادية والتجارية، فهذه المراهنة بطيئة زمنيا ولا تحقق المطلوب، فالهدف لابد أن يكون في دخول هذا العدد للحياة في سيناء في حد ذاته وفق أي من الصيغ والمقترحات التي يمكن أن تطرح في هذا الإطار، العامل الأول فيها بالطبع سيكون المميزات والإعفاءات لمن سينتقل لمدن الشمال، خاصة والأفق اليوم أصبح واعدا بأن إقليم قناة السويس وشرق التفريعة مشروعان يمكنهما استيعاب عدد يقدر بعشرات الآلاف، فكنموذج يمكن اشتراط العمل بهما أن تكون إقامته في محافظة شمال سيناء، لتدفع في مجال صناعة مجتمعات جديدة وكثيفة تطرد النبت المنحرف من تلك الأرض الطاهرة، وتحقق التوازن والعلاج للمشكلة المزمنة التي هي في كل الأحوال قبلة للتجدد والتمدد مع الفراغات الهائلة المتشكلة من الأراضي والمشكلات .


ما يستوجب التقييم في تلك الوقفة هو فحص أهداف الجماعات المسلحة بسيناء وتحديد مكانها الآن من تلك الأهداف، فمراهنة الجماعات كانت تلعب على هدفين كليهما أخطر من الآخر الأول قبل الثلاثين من يونيه مباشرة والفترة الأولى من بعد سقوط الإخوان، حيث شهدت تلك المرحلة زخما كثيفا عبرت به الجماعات عما وصلت إليه من جاهزية طوال عام الإخوان، ومستهدفة حينها اختطاف الجزء الشمالي الشرقي من سيناء لإعلانه إمارة إسلامية، وشكل هذا الهدف أهم أسلحة الإخوان في خطتهم لمقاومة ثورة ٣٠ يونيه، استنادا لذروة صعود تلك الجماعات واعتمادا على “حركة حماس” في قدرتها على إدارة المعركة ضد قوات الجيش من الجانب الآخر، لكن بفشل الهدف الأول أمام عمل عسكري ناجح استطاع أن يملأ فراغات الأمن سريعا، انتقلت الجماعات بتغييرات تكتيكية إلى الهدف الثاني، فهي بداية وحدت كل الجماعات المسلحة تحت راية تنظيم “أنصار بيت المقدس” ثم بدأت عملية إطالة الفترة الزمنية لإنهاك القوات هناك بأكبر قدر ممكن، هذا التكتيك معتمد بشكل أساسي لدى معظم أجيال القاعدة الجديدة وبارعة في تنفيذه أمام القوات النظامية إلى حد كبير، بعد فترة كمون خادعة تحت وقع ضربات قوات المواجهة القاسية ـ وهو ما تم في سيناء ـ ينتقل التكتيكي إلى الإستراتيجية الجديدة، متمثلة في سحب أرجل تلك القوات بعيدا عن الطرق المعبدة إلى بحر الرمال المتحركة، عبر تنفيذ عمليات متفرقة ومتواصلة زمنيا لا تسمح للمعركة بالوصول إلى مرحلة الحسم وإعلان النتيجة النهائية، وتحتفظ بالمشهد عند درجة الحرارة التي تحرم أي طرف من الإمساك بمحطة النجاح والتطهير المنشودة .