بناء الكنائس والموازنة السياسية

31/08/2016 - 2:19:58

بقلم: جمال أسعد

نص الدستور فى مواده الانتقالية المادة ٢٣٥ «يصدر مجلس النواب فى أول انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانوناً لتنظيم بناء الكنائس بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية». والدستور هذا ونتيجة لوجود مشكلة ذات حساسية دينية تسبب ويتسبب فى مشاكل طائفية تهدد سلامة الوطن والمواطن ولأن الرأى العام قد أصبح فى حالة لا بأس بها فى تقبل مثل هذا القانون كانت هذه المادة الانتقالية. فما هى المشكلة إذن؟! المشكلة الحقيقية هى أن الكثيرين ممن يدعون العمل السياسى لا علاقة لهم بالمنهج العلمى لهذا العمل.


فالسياسة هى علم قراءة الواقع قراءة صحيحة حتى يتم وضع السياسات والمواقف والقرارات الصحيحة التى تتوافق لتغيير هذا الواقع للأحسن. كما أن القانون بالرغم من أهميته لحل المشاكل ولضبط العلاقة بين المواطنين بعضهم بالبعض ولتوضيح الحدود بين المواطن وبين السلطات. فهل إصدار القانون أى قانون لأى مشكلة نكون بهذا قد ضمنا الحل الناجز؟ ولماذا توجد لدينا آلاف القوانين على غير ما هو موجود لدى كثير من الدول ومع ذلك لا نلمس أى رادع قانونى ولم تحل مشكلة مرتبطة بالإجماع الجماهيرى والرأى العام؟ هذا حيث إن القانون هو حل ناجز فى إطار المشاكل التى تتمثل فى علاقة الأشخاص بعضهم بالبعض مثل القضايا الاقتصادية وقضايا الملكية والقضايا التى تتمثل فى المشاكل بين الأفراد حتى القضايا التى تتصل بعلاقة المواطن لدى الأجهزة التنفيذية لا تجد الأحكام طريقا للتنفيذ ذلك لوجود تراث متراكم عبر الزمن يعتبر الحكومة بشكل عام هى فوق المواطن وفوق القانون. ناهيك عن الظروف السياسية التى تجعل قبضة الدولة رخوة وهيبتها مهزوزة. ولذلك لا نرى تطبيقا لقانون المرور بالصورة المطلوبة أو لقانون التعدى على أراضى الدولة والأراضى الزراعية ذلك لأنه هناك ما يسمى بالظاهرة الاجتماعية والجماعية للمشكلة الشىء الذى يجعل السلطة والنظام أن يحدث ما يسمى بالموازنة السياسية حتى لا تكون هناك مشكلة أكبر وأخطر من المشكلة ذاتها. أو كما يقول المثل هى الحكومة عاوزة تسجن الشعب كله. ولذا دائما ما يكون هناك حوار مجتمعى يمهد ويعرف الجماهير بالقانون وفلسفته ومقاصده ونتائجه حتى يكون هناك أرضية جماهيرية تتقبل التشريع فيكون هناك قبول ثم اقتناع ثم رضا بالتطبيق، إذن ما هى حكاية قانون بناء الكنائس؟ مشكلة الكنائس هى مشكلة تاريخية حساسة متراكمة لها أرضية دينية وإن كانت تخضع لتفسيرات واجتهادات كانت بنت وقتها وتتسق مع واقعها ونتيجة لمعطيات الواقع حين ذاك. وبالطبع هذا لا يعنى التسليم بصحة هذه الاجتهادات وتلك التفسيرات أو قبول تطبيقها واستمراريتها ذلك لتغيير الظروف ولتبدل هذا الواقع تاريخيا وسياسيا ودوليا. ولكن وهنا المشكلة أن هذه الاجتهادات وذلك التراث ظل قابعا فى الضمير الجمعى الدينى حتى أصبح لدى الكثيرين جزء من المقدس الدينى ولذا قد أصبح لدى هؤلاء أن التقاعد أو التقاعس عن التمسك بهذا المقدس هو انقاص من الإيمان بالدين ذاته وفى المقابل فمن يلتزم بهذا التراث وبتلك الاجتهادات فهو متمسك بدينه ويعمل ما هو مطلوب منه حتى ينال الجنة، فهذا جهاد مقدس فى سبيل الدين. وهذا التراث يعنى عدم أحقية غير المسلمين فى دور العبادة خاصة فى البلاد التى تم فتحها بالقوة وما تم فتحه بالاتفاق تظل الكنائس حتى تهدم فلا تجدد ولا تبنى مرة أخرى. أى أن الملخص حسب تلك الرؤية المشددة والمتطرفة والتى لا علاقة لها بصحيح الإسلام ولا بمقاصده العليا ولا بحكمة التعددية وحق البشر فى الاختلاف بل حقهم فى قبول الإيمان من عدمه هو عدم وجود كنائس ودور عبادة لغير المسلمين فلا تقام كنائس ولا تعلى صلبان ولا تدق نواقيس!! وظل هذا الفكر غير الصحيح فى الدولة الإسلامية يعتبر منهجاً عاماً يختلف شيئاً يقل أو يكثر يتم التشدد أو بعض الليونة حسب شخصية الحاكم ورؤيته وشكل العلاقة بينه وبين المسيحيين خاصة مع الكنيسة التى كانت ولازالت هى الممثل للطائفة ذلك فى نظام الطوائف والملل ذلك النظام الذى لازالت آثاره قائمة بل لازال هناك من يؤمنون به خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتى وهزيمته فى أفغانستان على يد القاعدة بمساعدة أمريكا وظهور ما يسمى بالصحوة الإسلامية منذ ثمانينيات القرن الماضى وما ترتب على ذلك من تصعيد للتيار الإسلامى السياسى وما تم عبر الربيع العربى من تطبيق للفوضى غير الخلاقة ولتأكيد ما يسمى بصراع الحضارات أو الأديان التى أرادها الاستعمار فى أشكاله الحديثة واستملحها الإسلام السياسى ليس فى المنطقة فحسب ولكن على مستوى العالم كله. فهذا المناخ وذلك الواقع أعاد تلك القناعات وهذه الاجتهادات إلى أرض الواقع مرة أخرى للمتشددين وبالتالى تم نقل هذه الأفكار للعامة فى الشارع السياسى خاصة بعد صعود نجم التيار الإسلامى فى كثير من دول المنطقة واستغلال ما يسمى بالربيع العربى، فرجعنا فى مصر بعد ٢٥ يناير بدلا من التوحد والتوافق الذى كان يجب أن يكون طبيعيا وجدنا الفتن الطائفية تتمركز على غير العادة فى موضوع الكنائس. فكانت مشكلة كنيسة أطفيح والماريناب بأسوان والقاهرة وكثير من المحافظات فكانت واقعة ماسبيرو واكتملت الصورة وتأكدت الأفكار وتم التطبيق فى أحداث فض رابعة فى ١٤ أغسطس ٢٠١٣ وما تم من حرق كنائس بشكل غير مسبوق فى العصر الحديث هذه هى الخلفية التاريخية والواقعية الآن وذلك هو المناخ وتلك هى القناعات غير الصحيحة والتى لا تتسق مع دستور أو قانون أو صحيح دين. ولكن بالطبع لا وألف لا للتسليم والخضوع والنخوع لهذا الواقع المتردى ولتلك الأفكار الخاطئة، فكيف؟ بداية هل قانون العقوبات وباقى القوانين تعطى الحق لأى من كان أن يقوم بحرق كنيسة أو منزل بحجة أنه سيكون كنيسة؟ بالطبع لا. فلماذا يقوم هؤلاء بهذا وهو ضد القانون؟ لأن هؤلاء لديهم أفكار خاطئة وقناعات وهمية بصحة ما يفعلون حيث تمت برمجتهم وغسيل أدمغتهم وإقناعهم بأن هذا هو لنصرة الإسلام ولنوال الجنة. حقا لا يهم قانون بل لا تعنيهم الحياة ذاتها لنصرة الإسلام أو نوال الجنة. هل إصدار قانون بناء الكنائس سيجعل هؤلاء يكفون عن أفعالهم ويعيدون أفكارهم ويناقشون قناعاتهم فى هذه القضية؟ لا ولكن هذا لا يجعلنا نتقاعس عن إصدار هذا القانون باعتباره هو البداية وهو الخطوة الأولى فى طريق الحل الطويل والشاق. ولكن لابد من وضع الأمور فى نصابها الذكى والذى لا يسقط الواقع ولا يتغافله حتى نجد الطريق والطريقة الصحيحة والناجزة والسريعة للحل. هناك رأى عام من مسلمين ومسيحيين وهناك قناعة غير مسبوقة لإصدار هذا القانون. فلابد من استغلال هذا لإصدار القانون المتوازن والذى يعطى الأقباط الحق فى بناء كنائسهم فهذا حق دستورى وقانونى وحياتى وواقعى. ولكن ليس بالضرورة أن يتم هذا فى مناخ طائفى يتم استغلاله من المتاجرين بمشاكل الأقباط الذين يريدون لعب دور وظهور إعلامى ومزايدة بالبطولة الزائفة المتخيلة. فالحديث عن قانون للمساجد والكنائس ليس وقته الآن. والحديث عن حق بناء الكنيسة مثل المسجد بلا قانون ولا شروط استفزاز لمناخ طائفى وفرصة للمتشددين لاستدراج قطاع من المسلمين العاديين والعقلاء. والنص على وجود صليب هو تفريغ لشحن طائفية لا يعنيها إخراج القانون بل هو تعطيل واستمرار للطائفية التى لا يريدون إنهاءها فالقانون يقول إن الكنائس تبنى حسب الطقوس الكنسية لكل كنيسة ولايوجد منارة بلا صليب، والآن غير الازمنة الماضية والمنيا ليست القياس الأوحد لباقى البلاد. والكنيسة تتوافق مع النظام. المهم صدور القانون والأهم هو الممارسات العملية على أرض الواقع يمكن أن يكون القانون كما نريد ولكن بلا تطبيق والحديث عن الأمن فيه تزيد مع قناعاتنا بوجود طائفيين فى الأمن ولكنه لهذه الظروف ولتلك الحساسية لابد أن يستشير المحافظ الأمن حتى ولو لم ينص القانون على هذا. نعم للقانون. ولكن لابد من تغيير المناخ الطائفى الذى لا يعنيه القانون وحتى نعطى فرصة للحكومة وللنظام أن تطبق القانون وأن نرى المساواة، ورد المتشددين لا المقتنعين. صححوا الفكر الدينى تواصلوا إنسانيا وهذا هو الأهم حتى تصبح مصر لكل المصريين بلا تمييز بغيض.