قراءة مغايرة فى البكينى والبوركينى

31/08/2016 - 2:13:33

  إيمان رسلان إيمان رسلان

بقلم: إيمان رسلان

كانت صورة المنتخب المصرى للكرة الشاطئية للسيدات بدورة الألعاب الأوليمبية بريودى جانيرو بالبرازيل هى الصورة الأشهر فى الأوليمبياد، والتى وصلت إلى الصفحات الأولى بأغلب صحف العالم والسبب هو ارتداء الفريق الأوربى للبيكنى زى الرمال والشاطئ فى مقابل ما اصطلح على تسميته بعد ذلك بالبوركينى من جانب الفريق المصرى للسيدات بعدها بأيام قليلة للغاية انتشرت أيضًا، ولكن هذه المرة فى شواطئ فرنسا صورة البكينى فى مقابل البوركينى للسيدات المسلمات وما هى إلا أيام قليلة إلا وصور لسيدات مصريات أجبرن على ارتداء إيشارب لحضور محاضرة فى الأزهر.


شدتنى للغاية الصورة الأولى فى الأوليمبياد، خاصة أن أغلب اللاعبات من مختلف الجنسيات والألوان كن يرتدين البكينى فى الجرى وألعاب القوى والكرة الشاطئية، بل وفى الألعاب الجماعية مثل الفولى فالزى أقرب إلى البكينى، وهذا يحدث منذ سنوات ولم يثر أى ضجة مثلما حدث مؤخرًا، ولكن الضجة حدثت حينما حدث الضد أو النقيض أى البكينى فى مقابل البوركينى والبوركينى هو ربط لكلمتين هما البرقع ولباس البحر البكينى.


لماذا إذن فى أغلب دول العالم وعلى الشواطئ تحديدًا وحمامات السباحة وانعكست فى الدورات الأوليمبية ترتدى النساء البكينى وأصبح الكلام عليهن هناك حول قوة هذه اللاعبة والعضلات بها وغيرها من ملامح البطل الأوليمبى، ولم تصبح بهذا الزى البكينى مثيرة للغرائز والشهوة ويتغزل بها الرجال والحكام والجمهور فى الملعب ويطالبون بمنعها وكان الرجال أغلبية؟


للحقيقة استوقفنى ذلك المشهد تمامًا وتساءلت هل نساؤهن غير نسائنا ورجالنا غير رجالهم أى ليس لديهم غرائز وشهوات للحقيقة أن زى البكينى لم يصبح زيًا من أجل التعرى وإظهار المفاتن وجذب الشهوات فى العالم الآخر من أوربا إلى أستراليا حتى إفريقيا.


بل أصبح مجرد رداء لزوم ممارسة هذه الرياضة وغيرها، وأن المرأة هناك نتيجة سنوات وسنوات من الثقافة والعمل الجاد والنضال خرجت من شرنقة أنها كائن ضعيف. يستوجب الحماية والحظر والمنع إلى الحياة الواسعة بالمعنى المتساوى فى الإنسانية مع الرجل ولم يصبح لزى البكينى الآن دلالة جنسية فى البلاد الغربية، لأنهم عبر التربية والتعليم والثقافة والسياسية لم يصبحوا ينظرون إلى جسد المرأة فى العمل والملعب والشارع والمدرسة أنها مجرد جسد فقط يثير الشهوات والغرائز للرجل، وإنما هى كائن كامل المساواة مع الرجل سواء بالبكينى على الشاطئ أو بالزى الكامل فى أماكن العمل، أما قضية ممارسة العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة، فالمكان يحدده كلاهما بتوافق تام بين الاثنين وليس بسبب زى المرأة، الذى ترتدتيه حتى لو كان البكينى أو الاختفاء الكامل من أجل الحماية فى زى الشتاء وهو أقرب إلى النقاب عندنا.


وأخذت أجمع المعلومات وجدت أن أقل نسبة للتحرش الجنسى بالمرأة سواء اللفظى أو الجسدى أو غيرهما هى فى مجتمعنا الذى يحرص على ارتداء ليس فقط البوركينى وإنما النقاب فى مقابل نسبة قليلة للغاية فى مجتمعات البكينى ومن يثبت عليه التهمة يذهب إلى السجن ناهيك عن الفضيحة، وتذكروا حادثة رئيس صندوق النقد الدولى منذ عدة سنوات وعدد من الرؤساء إلى آخره.


إذن هذه المجتمعات تخلصت من فكرة أن المرأة فقط لإثارة الغرائر والشهوات ووصلت إلى أنها كائن متكامل فى الإنسانية مثل الرجل ولها كل الحقوق بل إن الأكثر من ذلك يمكن لها وهى ترتدى البكينى أن تسجن رجلًا كامل الأهلية لأنه تحرش بها لفظيًا.


للحقيقة المرأة هناك لم تصل إلى ذلك أى أنها إنسان كامل الأهلية إلا عبر وقت طويل وتطور ثقافى وحضارى وقد وجدت صورة فى أوائل القرن الماضى وأحد رجال البلدية أو البوليس معه “متر” يقيس به صحة انضباط لباس البحر للمرأة وهل هو متوافق مع الحدود المسموح بها وكان عبارة عن شورت عفريتة وإذا لم تكن المرأة ملتزمة بهذا الزى ستتعرض للعقاب. فدائما ما كان زى المرأة فى عصور كثيرة يمثل أزمة.


ليس فى هذا دعوة لنشر البكينى أو ارتدائه فى مصر تحت لافتة الحرية الشخصية التى نتشدق بها بدون أن نعمل بها ولكنها محاولة للفهم والتحليل لماذا انتشر زى البكينى فى الدول الأوربية وغيرها انتشار النار فى الهشيم وأصبح هو القاعدة الأساسية هناك، وأعتقد أن حالة الذعر الذى اجتاحت فرنسا من زى البوركينى هو من أحد مكوناته صراع ثقافى وفكرى ليس صراعًا دينىًا أو الإسلام فوبيا.


فى المقابل للحقيقة حدث تطور هام أيضا هنا للمرأة وتحديدًا المصرية فبعد انتشار “غطاء الرأس” أو ما يطلق عليه تجاوزًا حجاب بفعل الصراع السياسى على السلطة من جانب جماعات الإسلام السياسى والدينى خاصة بداية من حقبة منتصف السبعينيات، وجدت المرأة نفسها فى إطار صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل ولكن لأن الضغوط الاجتماعية والثقافية أكبر وأضخم وأعمق كثيرًا مما فى الغرب.


وجدت الفتاة المصرية أن حل ارتداء “غطاء الرأس” أسهل لخروجها للحياة العامة والعمل والسياسة بل وممارسة الرياضة حتى قطاع البطولة فيه مثل كثير من المصريات فى الدورة الأوليمبية الأخيرة.


بل وجدت المرأة فى ارتداء البنطلون تحديدًا حل لأزمات كثيرة كانت تعيق عملها وخروجها للحياة والدليل انتشار لارتداء الجينز أو ثورة الجينز للمرأة المصرية مع غطاء الرأس.


هكذا بدأت المصرية حل أزمة منعها من دخول الحياة وإيجاد فرص عمل مساوية للرجل وأنها فى قناعة داخلية بأنها إنسان كامل المساواة فى الفهم والإدراك والممارسة مثل الإنسان الرجل والدليل بناتنا اللاتى فزن بميداليات أوليمبية كن فى رفع الأثقال والجودو وتواجدن فى المصارعة ويمكن الملاكمة وهى رياضات كانت حكرا على الرجال المصريين حتى وقت قريب.


ولكن ما لم أفهمه هو صورة إجبار لعدد من السيدات لا يهمنى “ديانتهن” على وضع غطاء للرأس فى حضور محاضرة بالأزهر لقد تجاوز الزمن مثل هذه الصورة للإجبار على ارتداء زى محدد.


والمصرية بعقلها الراجح العملى توصلت إلى معادلة مهمة أراحت فيها أصحاب فقه العورة ومارست حريتها وإنسانيتها فى نفس الوقت فالبكينى والبوركينى ليس صراعًا ديناً على الإطلاق ولكنه صراع ثقافى وحضارى مركزه المرأه.