فرنسا عارية

31/08/2016 - 2:10:54

بقلم - طه فرغلى

سقطت جمهورية الحرية والمساواة والإخاء فى وحل العنصرية ورفض الآخر ومعتقداته.. وقفت فرنسا عارية توارى سوءتها، ما حدث على شاطئ نيس أسقط ورقة توت الحريات التى يتشدق بها الغرب.. تعامل همجى فج من الشرطة الفرنسية مع سيدة ترتدى ما يعرف بالبوركينى «لباس البحر الإسلامى» عناصر الشرطة أجبرت السيدة على أن تخلع الزى على الشاطئ أمام المصطافين فى غلظة وعنف ولم يشفع للسيدة بكاء طفلتها، ولم تتركها الشرطة إلا بعد خلع «البوركينى» بعدها غادرت السيدة مصحوبة بصيحات عنصرية وقحة من المواطنين الفرنسيين «عودوا إلى بلادكم».


الحادثة خطيرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى أولا لأنها حدثت فى فرنسا بلد الحريات وحقوق الإنسان، ثانيا لأنها ترصد تزايد العداء الأوربى للمسلمين فى الغرب.


الأجهزة الأمنية الفرنسية تعاملت مع السيدة بمنطق المذعور، وهو أمر فى حقيقته يؤكد حالة الرعب التى تسود فرنسا، لكن هذا الأمر يزيد من شعبية تنظيم داعش الإرهابى.


البعض يقارن بين ما حدث فى فرنسا وبين تصرفات بعض الدول فيما يخص الزى ويضربون تحديدا مثالا بإيران، ولكن هؤلاء جانبهم الصواب، لأن فرنسا تفاخر بأنها بلد الحريات والمساواة والإخاء، وأنها تسع جميع الأديان والأعراق.


فرنسا التى تدعى أنها تحمى حرية الدين والمعتقد، واعتبرته من الحقوق الدستورية المنصوص عليها فى إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذى صدر عام ١٧٨٩ وهو اقدم إعلان فى التاريخ الحديث، تقف بالمرصاد لكل مظهر إسلامى، حيث حظرت فى عام ٢٠١٠ ارتداء الحجاب فى الأماكن العامة، فى الوقت الذى تسامحت مع المثليين وأصدرت منذ عام١٩٩٩قانونا يسمح بالزواج المدنى لمثلى الجنس.


بالطبع من حق أى دولة فى العالم أن تضع القواعد المنظمة للعيش على أرضها وأن تطبقها على الجميع، لكن غير المقبول أن تغفل هذه القواعد حق فئة بعينها فى حرية الاعتقاد أو أن تفرض عليها ارتداء زى معين يخالف ما تعتنقه.


وأعتقد أن مجلس الدولة الفرنسى أعلى هيئة قضائية انتصر لفرنسا بلد الحرية والمساواة، عندما أمر بتعليق قرار منع لباس البحر الإسلامى (البوركينى)، وهو القرار الذى رحب به ممثلو المجلس الأعلى للديانة الإسلامية فى فرنسا.


فرنسا التى اعجب بها رفاعة الطهطاوى رائد التنوير الذى جاء محملا به من باريس، ووجد فيها الإمام محمد عبده تعاليم الإسلام الحقة ولكن دون مسلمين، ووصفها عميد الادب العربى بأنها بلد الجن والملائكة، البلد الذى أبهر العظماء بتقاليده العتيدة فى الحرية والمساواة والإخاء، مرعوب الآن من امرأة ترتدى «البوركينى» أو أخرى تضع على رأسها حجابا.


من الواضح أن فرنسا التى ضربها الإرهاب، تأثرت عقيدتها، وأصبحت ترتعد خوفا من مجرد لباس بحر، تخشى أن يغير هويتها، ولا تدرك أن التضييق على الحريات وغياب احترام الآخر هو ما يمحو هوية فرنسا الحرة التى نص إعلانها لحقوق الإنسان فى مادته العاشرة على (أنه لايجوز التعرض لأى إنسان بسبب آرائه حتى ولو كانت دينية مادام التعبير عنها لايعكر صفو الأمن العام المبنى على القانون).


آثرت الكتابة عن «أزمة البوركينى الفرنسية»، رغم أن أزمات الداخل تلاحقنا ليل نهار، لأنى شعرت بمأساة المسلمين فى أوربا، من خلفهم داعش تستهدفهم مع من تستهدف من المدنيين، ومن أمامهم ممارسات عنصرية جائرة تنغص عليهم حياتهم، يعيشون بين مطرقة إرهاب داعش، وسندان إرهاب التمييز والعنصرية، هم بالفعل قابضون على الجمر.