متمرد

31/08/2016 - 11:13:50

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


بدأت حياتي في الجامعة كشابٍ متمرد وعنيد .. ساخط على المجتمع، ورافض لعاداته وتخلفه وعنفه وفساده .. متضامن مع كل المظاهرات الرافضة لسياسات الحكم ونظامه .. ولا أترك مناسبة إلا وألعن فيها الدولة ومؤسساتها، ظناً مني أني أقول شيئًا مفيدًا ..


كنت شابًا مغرورًا وديكتاتورًا لا يرى سوى رأيه فقط، وكل ما عداه أو خالف رأيه هو جاهل أو خائن أو برجوازي أو فلول أو ابن كلب .. أو .. أو.


كنت أعبد الشعارات الضخمة والعبارات الرنانة، والكلمات الحماسية الساخنة ورسومات الجرافيتي .. وأتحدث بمنتهى الزهو دومًا عن معاني مطلقة كالإنسانية والحرية، وكأني رسول يحمل للبشرية دينًا جديدًا..


وبالطبع، فإن شابًا مثلي كان يحلو له دائمًا الصدام مع الأمن العام وأمن الجامعة .. وكنت أروي بطولات كاذبة عن اعتقالي وتعذيبي لدرجة أصدق معها هذه الأكاذيب من كثرة ترديدها ..


وانطلقت في حياتي من مبادئ نظرية عامة لأنبياء أفكاري ماركس ولينين وتروتسكي وجيفارا، وعشت دور المعارض الثائر، والمثقف المستنير، رغم أني لم أقرأ في حياتي كتابًا جادًا واحدًا ..


لم أكن أخجل من رسوبي المعتاد في الجامعة .. وكنت ألقي اللوم على النظام التعليمي والمناهج التي ندرسها .. ولم أسعد بتخرجي وحصولي على درجة البكالوريوس من كلية التجارة .. فما فائدة الشهادة أو التعليم في بلد متخلف، وما فائدة أي شيء من الأساس ؟


هكذا كانت نظرتي العدمية ليست فقط للبلد الذى أعيش فيه، بل للعالم كله .. نظرة اكتئاب وإحباط عن عالم مأساوي مقرف جئنا إليه بشكل عشوائي، لنعيش حياة الشقاء والصراع والثورة ضد أوضاعنا الظالمة والفاسدة ..


كنت أحلم بنجاحات استثنائية في حياتي، بعيدًا عن تلك النجاحات التقليدية التي يحققها البشر العاديون في أعمالهم أو أسرهم .. جربت حظي في الموسيقى وفي الشعر وفي كتابة القصص، وقلت لنفسي إن هذه المجالات لم تعد تعتمد كثيرًا على الموهبة بقدر اعتمادها على المصادفة ..


وانخرطت بين أوساط المثقفين ومقاهي وسط البلد في محاولات لاكتساب معارف جديدة وتوطيد علاقاتي بهم .. وقلدتهم في شرب البيرة والسهر، ودخلت على ضوء هذه الحياة في علاقات متعددة مع المثقفات المتحررات من سلطة وقيود هذا المجتمع ..


وبدأت أفكاري تتخذ طريقا إلحاديًا تامًا منسجما مع ذاتي، ويتماشى مع نمط حياتي المتخبطة ..


رفضت البحث عن عمل بالشركات أو المؤسسات الحكومية التي سأصير معها موظفًا يصحو مبكرًا وينام مبكرًا .. وعشت حياتي مكتفيا بما ورثته عن والدي، وبالمقابل البسيط الذي كنت أحصل عليه نظير أداء بعض المشاهد في أدوار صغيرة بالتليفزيون والسينما والمسرح ..


كانت مصادفة رائعة أن أقابل وسط هذه الفوضى العبثية في حياتي فتاة بنت ناس هادئة الطباع ومحترمة جدًا، وعاقلة .. أتذكر هذا اليوم جيدًا حينما صعدت الأتوبيس المتجه إلى الإسكندرية للمشاركة في عرض مسرحي مدته ثلاثة أيام، وبحثت عن رقم مقعدي الذي وجدته بجوارها ..


ولأن هوايتي في ذلك الوقت كانت صيد الفتيات والتبديل ما بينهن، فتحت حديثًا معها متحججًا بأنها الزيارة الأولى لي للإسكندرية ولا أعرف أين سأنزل وكيف سأتجه .. وإجاباتها معي كانت في منتهى الجدية، لدرجة اتصالها بوالدها وإعطائي الهاتف للاستفسار منه ..


وشكرتها بشدة، ودعوتها لحضور العرض المسرحي .. لكنها اعتذرت، واختصرت الحديث معي .. ومضى الطريق، ولا شيء سوى صمتها .. ولمحت في يدها كتابا عرفت من خلاله أنها طالبة في السنة النهائية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ..


وظللت طوال مدة العرض المسرحي منشغلًا بها .. وحينما عدت للقاهرة سألت عن مواعيد امتحانات كليتها، وذهبت لمقابلتها .. وظللت مرابطا منذ الصباح أمام بوابة الكلية أبحث عنها أنتظر قدومها، ولم ألمحها إلا بعد انتهاء الامتحان وسط زميلاتها ..


وقلت أمامها كلامًا غريبًا وساذجا، وجدت نفسي معه محرجًا .. وأنهيت كلماتي المتلعثمة معها بأني أريد الارتباط بها .. !


وتحدثت معي بمنتهى التعقل والثقة، بأن مثل هذا الكلام مكانه البيوت وليس الشارع أو ساحة الجامعة .. ورن هاتفها، وردت على والدها طمأنته على أدائها في الامتحان، ثم حكت له موقفي معها، وأعطتني الهاتف ..


كانت لهجة والدها معي حادة هذه المرة .. وقبل كل شيء أخذ مني وعدا بألا أضايق ابنته وألا أكرر زيارتي لها .. وسافرت إليه في اليوم التالي طالبًا يد ابنته، وأخبرته بأنني أمتلك شقة ولدي القدرة على تجهيزها .. لكن رفضه كان قاطعا كمبدأ عام ضد بطالتي بلا عمل أو وظيفة ثابتة ..


وكي أختصر عليك، فقد ظللت عامًا كاملًا أتقدم إليها محاولا إقناع والدها وإقناعها بقبولي .. إلى أن وافقا على الخطوبة بعد التحاقي بإحدى الوظائف في أحد البنوك الخاصة ..


وطوال فترة الخطوبة كنت لطيفًا جدًا معها ومهتمًا بها .. بل يمكن أن أقول إني غيرت كثيرًا من أفكاري بسبب مناقشاتي معها .. وسعدت جدا بتعيينها معيدة بعد نجاحها وحصولها على شهادة البكالوريوس بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف وكانت أمي أيضا فخورة بها ..


وجهزت شقتي من أجلها ..  وتم زواجي منها على خير.


ولن أكذب عليك، فقد تسلل الملل سريعًا إلى قلبي بعد الزواج، رغم لطافة زوجتي وهدوئها وجمالها وذكائها .. وشعرت كأني حكمت على نفسي بحياة عادية مؤبدة، وسجنت حريتي في قفص الزواج مع امرأة واحدة ..


وعدت للتمرد من جديد ومزاولة حياتي السابقة .. وبدأت الخلافات تنشب بيني وبينها بسبب اعتراضها على سهري وإهمالي لها .. ومددت يدي عليها حينما رجعت متأخرا ذات ليلة ومعي زجاجة خمر قامت بأخذها من يدي وتكسيرها ..


ومن وقتها غادرت بيتي .. وسافرت الإسكندرية عند والدها، وطلبت الطلاق .. وارتحت أنا لهذا الوضع وأبقيته كما هو عليه دون محاولة تطليقها أو محاولة إعادتها للبيت ..


وخلال تلك الفترة تعرفت على فتاة في ندوة شعرية .. متمردة لا تخضع لأي قيود أو عادات أو قيم .. وجلست معها على أحد المقاهي وتحدثنا بشكل جاد في السياسة والأدب، وانتهت سهرتي معها في شقتي، وعلى سرير زوجتي ..


وكنت على موعد مع القدر حينما تعرضت بعدها لحادث بسيارتي دخلت معه المستشفى، بعد إصابات بكسور بالغة الخطورة في أماكن متفرقة من جسدي، إضافة لتحطم سيارتي.


وفتحت عيني من هذا الابتلاء لأجد زوجتي بجواري .. وظلت ترعاني أكثر من شهرين بالمستشفى، وبعدها لازمتني في البيت كملاك طاهر  ..


ومع كل يوم يمر أبكي بين يديها، ويزيد تعلق قلبي بها وأطلب منها السماح على كل ما فعلته بها .. وأدعو الله وأصلى على سريري كل وقتٍ كي يشفيني الله حتى أعوضها عن كل ما فاتها معي ..


الآن فقط أدركت نكراني لكل ما كنت فيه من نعم .. الآن فقط أعود إلى الله الذي نسيته في زحام رغباتي وجموحي وجحودي .. الآن فقط أتمنى أن أتخلص من تلك الأربطة على جسدي لأحتضنك يا زوجتي ويا حبيبتي ..


وضميري يجلدني كل ساعة في رغبة مني لإخبارها بأمر الفتاة التي قضت ليلة معي على سريرها .. فهل أفعل ؟


الــــــــــــــرد


لكل ظالم نهاية .. وفي ميزان العدل لا تضيع حقوق ..


وهناك نفوس لا تحركها إلا رغباتها .. ولا تخضع سوى لشيطانها الذي يوسوس في صدورها بالشرور ويزين أمامها الشهوات .. نفوس متغطرسة ومتكبرة .. متمردة ورافضة على طول الخط .. نفوس سوداوية كئيبة لا ترى في الدنيا سوى العبث والقذى والظلم والغثيان .. نفوس لا يرضيها شيء، ولا يعجبها العجب ..


وتلك النفوس لا يردها إلا العذاب، ولا تستفيق إلا بالمعاناة .. ولا تتعلم وتأخذ العبرة إلا من دروس قاسية ..


وما أنت فيه الآن من عذاب قد يكون هو عين الرحمة، التي ستولد من رحمها إنسانيتك ..


إن زوجتك يا رجل أكثر ثقافة منك ومن كل اللاتي قابلتهن في مقاهي وسط البلد .. ومن كل اللاتي تعرفت عليهن على أنهن مثقفات ومتحررات، وهن في الأصل عبيدات لصنم الشهوة والذات ..


إن المشكلة لم تكن في الدنيا، بل كانت فيك أنت كشاب مغرور لم يجد ظروفا تقهره، أو أبا يعلمه .. فكانت الدنيا كفيلة بتعليمه وتأديبه ورميه طريحا كسيحا على السرير الذي خان عليه زوجته ..


إنك شخص مصنوع من الملل، وكل شيء يصير بين يديك تزهده .. وكأن العالم بالنسبة إليك مجموعة من المرايا لا ترى فيها سوى نفسك ورغباتك وتمردك ..


في أول مشادة بينك وبين زوجتك تحولت من الرجل «المثقف» الذي يتكلم عن الحرية والإنسانية إلى همجي يضرب زوجته .. وفي أول غياب لها، خنتها على فراشها .. يا سلام على الإنسانية يا مثقف !


إن زوجتك اليوم تعطيك دروسًا في الإنسانية والرحمة والإخلاص .. وتتفانى بجوارك بلا ثمن .. فلا داعي لتعميق جراحها وإخبارها بخيانتك، فالخائن شخص منبوذ مهما فعل ..


وأنا سأصلي طالبًا شفاءك .. ليس من أجلك، ولكن من أجل زوجتك التي منحك القدر فرصة أخرى لإثبات جدارتك بها ..


فهل تنتهز الفرصة، وتكون بحجم الاختبار ؟