بعد مسرحية «جرابلس» التدخل العسكرى التركى فــى سوريا وأحلام السلطان أردوغان

31/08/2016 - 11:00:36

بقلم - السيد عبد الفتاح

المتابع للتطورات الأخيرة فى السياسة الخارجية التركية، والانفتاح على كل من روسيا وإيران والنظام السوري، لم يجد التدخل العسكرى التركى فى سوريا غريبًا أو مفاجئًا، فالعملية العسكرية التى أطلقتها أنقرة الأسبوع الماضى فى مدينة جرابلس السورية المتاخمة للحدود مع تركيا، والتى تمت بتخطيط ومشاركة كاملة من الجيش التركي، بهدف معلن هو تحرير المدينة من التنظيم الإرهابي»داعش»، عن طريق الدفع بكتائب وألوية من الجيش الحر، المقربة من تركيا أو بمعنى أدق المؤتمرة بأمره، وذلك من داخل الأراضى التركية، لتقوم بعملية عسكرية لم يكن صعبًا على أحد أن يكتشف أنها مجرد «مسرحية» وهو ما أوضحته مقاطع الفيديو والصور التى التقطها هؤلاء المقاتلون وبثوها على الإنترنت.


كما أنه لم يكن من الصعب ملاحظة «تبخر» مقاتلى تنظيم داعش، لتبدو المدينة التى تتميز بأهمية استراتيجية، وكأنها خاوية على عروشها! ما يثبت من جديد العلاقة العضوية القوية بين النظام التركى والتنظيم الإرهابي. فالسيطرة على المدينة الكبيرة لم يستغرق سوى ساعات قليلة فى عملية عسكرية أشبه بـ»النزهة»، فى سابقة لم تحدث من تنظيم داعش ومقاتليه الذين لا يتركون مدينة أو قرية إلا بعد قتال شرس وطويل وتحت وطأة القصف الجوي، وآخرها السيطرة على مدينة منبج القريبة من جرابلس، والتى احتاج الأكراد لأكثر من ثلاثة أشهر لتحريرها من داعش.


تبخر داعش ليس وحده الذى أثار علامات الاستفهام وربما التعجب فى التدخل العسكرى التركى الأخير فى سوريا، فهناك المواقف الإقليمية لإيران والنظام السوري، والدولية خاصة الولايات المتحدة وروسيا. فهناك شبه تأييد مباشر أو غير مباشر للعملية التركية، سواء بالتعاون والاشتراك فى العملية أو بالصمت حيالها. ما يوحى أن ثمة اتفاق بين هذه القوى الكبرى، وأن هناك تصورًا لمستقبل سوريا، يرتبط بكل تأكيد بتوزيع مناطق النفوذ أو تقسيم سوريا، والأدوار التى يبدو أنها تم تحديدها لأطراف الأزمة.


التدخل العسكرى التركى فى سوريا يطرح سيناريوهات عدة حول تغيرات طرأت على العلاقات التركية الأمريكية التى سادها التوتر والتباعد فى الفترة الأخيرة، وهل هو تغير استراتيجى بعودة «الدفء» لهذه العلاقات،أم أنه تغير تكتيكى جاء بعد التقارب التركى الروسى الإيرانى مؤخرًا؟ وهل هذه العملية تغيير فى شكل العلاقات والتحالف بين الولايات المتحدة والأكراد الذى كانوا بالنسبة لها الشريك الأهم والأقوى على الأرض السورية فى مواجهة داعش؟ وهذا فى ظل أن تلك العملية العسكرية الكبيرة تستهدف بالأساس ضرب القوة الكردية المتصاعدة التى يراها أردوغان تهدد الأمن القومى التركي. وهو ما يستتبع السؤال: هل «باعت» واشنطن شريكها الكردى إرضاء لحليفها التركي؟ وهل تراجع الاهتمام الروسى بالأكراد بعد تقارب موسكو وأنقرة؟


وليس بعيدًا أن نطرح السؤال هل غضت الولايات المتحدة الطرف عن التدخل التركى عسكريًا فى الأزمة، لتفتح الطريق لتركيا إلى «المستنقع» السورى لـ»تنغرس» فيه تركيا فتتلقى درسًا؛ عقابًا لها على مناوراتها مع الولايات المتحدة و«تأديبًا» لأردوغان بعد تحركاته الأخيرة نحو روسيا وإيران؟ ويرتبط بذلك عدم استبعاد أن تكون واشنطن راغبة فى جر تركيا والأكراد إلى صراع مسلح فى سوريا يضعف الطرفين ويجعلهما أكثر استعدادًا لـ«الطاعة»؟


عملية درع الفرات


منذ فترة طويلة تطرح تركيا فكرة إقامة المنطقة العازلة أو الآمنة على حدودها مع سوريا، زاعمة فى العلن أن ذلك يهدف لحماية وتوطين المدنيين الفارين من مناطق الحرب، بينما هى فى الأساس تهدف إلى السيطرة على المناطق الحدودية بما يتيح لها تنفيذ مخططاتها الخاصة بسوريا، ولتكون هذه المنطقة بمثابة قاعدة لإنطلاق الجماعات والكتائب المسلحة المعارضة والإسلامية فى غالبها، التى تسميها تركيا المعارضة المعتدلة، والتى حاولت تسويقها للجانب الأمريكي، لكن الأمريكان لم يتواصل تعاطيهم الإيجابى مع الفكرة، خاصة بعد البروز الطاغى للقوات الكردية فى الحرب ضد داعش، ما جعل الأخيرة تعتمد عليهم بشكل أساسي، ما أحبط الخطة التركية. لكن تركيا ظلت محتفظة بفكرتها وخطتها إلى أن وجدت الوقت المناسب لها، والذى جاء الأسبوع الماضى عندما أطلقت عملية درع الفرات لتطهير جرابلس وغيرها من المناطق الحدودية من التنظيم الإرهابى داعش، وتمكنت تركيا كما وضح الأيام الماضية من إقناع الأطراف الإقليمية والدولية القوية بهذه العملية، أى كل من إيران والولايات المتحدة وروسيا، وحصلت منهم على الضوء الأخضر للتدخل العسكرى المباشر فى سوريا، والغريب أنها حصلت على هذا الضوء كذلك من النظام السوري.


درع الفرات وإن لم تكن المرة الأولى للتدخل التركى فى سوريا، إلا أنها هى المرة الأضخم، كما أنها ليست محدودة جغرافيًا أو زمنيًا. وهو ما أوضحته المشاركة القوية من عشرات الدبابات ومئات من القوات الخاصة التركية، علاوة على القصف الجوى والمدفعى والغطاء الجوى التركي.


تصريحات أركان النظام التركى أكدت نواياهم بأن العملية تستهدف تطهير الحدود من التنظيمات الإرهابية، سواء داعش أو وحدات حماية الشعب الكردية، وإقامة منطقة آمنة للمدنيين تحسبًا لموجات النزوح المتوقعة للمدنيين عند إطلاق عمليات تحرير مدينة الرقة عاصمة تنظيم داعش فى سوريا.


أهداف «درع الفرات» وأحلام السلطان أردوغان


بعملية درع الفرات والتدخل العسكرى المباشر، يتصور الرئيس التركى أردوغان أنه سيبدأ تحقيق أحلامه كسلطان عثماني، ولهذا لم يكن غريبًا أن تبدأ العملية العسكرية فى نفس اليوم الذى يوافق مرور ٥٠٠ عام على موقعة مرج دابق (١٥١٦) التى وقعت بين العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول، والمماليك بقيادة السلطان قنصوه الغوري، وانتصر فيها الأول، لتفتح له الطرق إلى القاهرة فى العام التالي، ليتمكن من السيطرة على بلاد الشام ومصر. ربما يكون أردوغان قد اختار هذا اليوم ببراعة وعن قصد ـ فهو مولع بمثل هذه الأمورـ ليبدأ التحرك الإمبراطورى العثمانى الجديد فى المنطقة.


يهدف أردوغان من وراء هذه العملية إلى تحقيق عدة أهداف، أولها وهو أقلها أهمية، إبعاد خطر «داعش» عن الحدود التركية، والثانى وهو أهمها إبعاد الخطر الكردى «المتوهم» عن الحدود، وعرقلة مواصلة الأكراد لتحقيق أهدافهم بتحرير مناطقهم وكل الشمال السورى من تواجد التنظيمات الإرهابية سواء داعش أو النصرة أو غيرها، وتأمين ربط الكانتونات التى أعلنوها (الجزيرة وكوبانى وعفرين) وهى مناطق الإدارة الذاتية، التى يتخذ الأكراد منها منطلقًا لتعميم فكرة فيدرالية شمال سوريا التى يطرحونها حلًا للأزمة السورية وللحفاظ على وحدة الأراضى السورية.


كما يهدف أردوغان كذلك إلى إقامة منطقة عازلة فى المنطقة الممتدة بين جرابلس والراعى بطول نحو ٧٠ كيلومترًا وعمق يتراوح بين ٧ ونحو ٢٠ كيلومترًا، بهدف إسكان اللاجئين والنازحين فيها، ومثل هذا الأمر له أهمية بالغة فى المرحلة المقبلة، لاسيما فى ضوء الاستعدادات الجارية لمعركة تحرير الرقة من «داعش» واحتمال حصول موجات نزوح كبيرة من المدينة.


كما تسعى تركيا من خلال وجودها عسكريا فى جرابلس، لإحياء خططها القديمة الخاصة بإقامة منطقة أمنية عازلة، تتخذ منها قاعدة انطلاق للفصائل السورية المسلحة التابعة لها، وإعادة بناء الجيش السورى الحر وفق الرؤية والأجندة التركية، لتعتمد عليه بعد ذلك فى محاربة قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية، وإجبارهم على التراجع عن المناطق التى سيطروا عليها مؤخرًا.


هل «درع الفرات» تعبير عن اتفاق إقليمى ودولى جديد لسوريا؟


جاءت عملية درع الفرات وسط مجموعة من الشواهد والمواقف والملاحظات، لتفتح الباب أمام تساؤل حول إمكانية وجود اتفاق إقليمى ودولى عليها وعلى ما يترتب عنها من أوضاع وتوازنات قوى جديدة فى سوريا؟ وأنها ربما تكون الخطوة الأولى فى اتفاق حول تقسيم سوريا؟


فمن اللافت أن التدخل العسكرى التركى فى جرابلس، سبق بساعات زيارة جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكى إلى تركيا، هى الزيارة التى شهدت تصريحات من بايدن عقب لقاءاته مع المسئولين الأتراك مؤيدة للعملية العسكرية التركية، وربما مفاجئة خاصةً عندما طالب بايدن قوات سوريا الديمقراطية التى يشكل الأكراد عمودها الفقري، بضرورة الخروج من مدينة منبج التى تمكنت من تحريرها وطرد داعش منها قبل أيام، وأن تعود إلى شرق الفرات، وكأن التصريح يأتى تأييدًا للموقف التركى المتكرر بالتحذير من التواجد الكردى غربى نهر الفرات، واعتبار ذلك خطًا أحمر بالنسبة للأمن القومى التركي، ما أثار الكثير من الاستفهامات عن مدى الدعم الأمريكى للأكراد، وإذا ما كان الأكراد سيكونون ضحية لترميم العلاقات الأمريكية – التركية.


والحقيقة أن هناك من تحدث عن موافقة أمريكية حصلت عليها أنقرة قبل هذا التدخل العسكري، كترضية لها من واشنطن بعدما وقفت طوال المرحلة الماضية ضد مسعى تركيا لإقامة منطقة أمنية عازلة فى شمال سوريا. وقبل يومين تقريبًا أكد نائب رئيس الوزراء التركى نعمان قورتلموش، أن أحد أبرز أهداف عملية «درع الفرات» هو منع إقامة ممر كردى ممتد من العراق، وتطهير المنطقة من جهاديى تنظيم الدولة الإسلامية ومنع وحدات حماية الشعب الكردى من إقامة ممر متصل.


وأشار إلى أنه تم إبلاغ جميع الأطراف بالعملية التى بدأتها تركيا فى سوريا الأربعاء الماضي، بما فى ذلك نظام بشار الأسد العدو اللدود لأنقرة.


وقال: «تم إبلاغ جميع الأطراف المعنية بما فيها الإدارة السورية التى تم إطلاعها من خلال روسيا. نحن متأكدون من ذلك».


الملاحظة الثانية هى أن الرئيس التركى وبعد أن حسن علاقاته مع روسيا، لابد أنه وضع الرئيس الروسى بوتين فى صورة معركة جرابلس، ويبدو أن التفاهمات التركية – الروسية، بخصوص الأزمة السورية بدأت تترجم إلى أعمال ملموسة، خاصةً أن المسألة بالنسبة لروسيا ربما تندرج فى إطار الصراع مع الجانب الأمريكى على الأوراق فى الساحة السورية، خاصةً بعد الدعم الكبير الذى أبداه الجانب الأمريكى للأكرد خلال معارك الحسكة.


أما الملاحظة الثالثة فهى الصمت الإيرانى الذى يثير أكثر من علامة استفهام، وهو صمت يشى بإمكانية وجود تفاهمات سرية بين أنقرة وطهران من خلال الزيارات المتبادلة لكبار المسئولين، حيث يستعد أردوغان لزيارة طهران، وهى زيارة عنوانها الأساسى التوصل إلى تفاهم بشأن الأزمة السورية وكيفية تحديد مصير الرئيس السورى بشار الأسد.


فى النهاية فإن جميع أطراف الأزمة السورية، يبدو أن لهم مكاسب من التدخل العسكرى التركى الأخير، فتركيا تقول بالعملية أنها موجودة ولديها أوراق مهمة تؤثر فى المعادلة الإقليمية، وأنه لا حل فى سوريا دون وجودها، كما أنها ستتمكن من إزاحة الخطر الكردى عن حدودها، وإحباط المشروع الكردى فى سوريا، وكذلك يسعى أردوغان لإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية بداية بسوريا. بينما أمريكا قد ترى أن التدخل التركى يسوق أنقرة إلى المستنقع السوري، وإلى المواجهة المسلحة المباشرة مع الأكراد بما يرهق الطرفين ويحد من تطلعاتهما. وروسيا ترى أن هذا التدخل وفقا لسماحها به يقوى من وجودها فى سوريا، ويطيل من أمد بقاء نظام بشار الأسد الذى تدعمه، وكذلك إيران. أما النظام السورى فمن مصلحته أن يتورط الأتراك والأكراد فى حرب بلاشك ستكون طويلة تستنزف الطرفين.