مهمة ليست سهلة ولكن خبرات الدبلوماسية المصرية أكبر من القيود لبنان فى انتظار مبادرة مصرية

31/08/2016 - 10:59:07

بقلم : د. حسن أبوطالب

تتحرك مصر فى اتجاهات خارجية شتى عربيا ودوليا، مدفوعة بالتزامات مبدئية للحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الإقليمى والسعى قدر الإمكان لضبط الأوضاع العربية القلقة، وفى هذا السياق العام يمكن القول إن زيارة وزير الخارجية سامح شكرى لبيروت منتصف أغسطس والتى استمرت يومين، وأن لقاءه بعدد من الأقطاب اللبنانية هى خطوة محسوبة لاستعادة الحيوية المصرية عربيا وإقليميا بعد حالة جمود اضطرارى فى السنوات الأربع الماضية، وهى خطوة أولى سوف تتلوها خطوات أخرى وفقا لما أكد عليه سامح شكرى أكثر من مرة لكل من التقاهم من قيادات لبنانية عليا كرئيس الوزراء تمام سلام ورئيس البرلمان نبيه برى ووزير الخارجية جبران باسيل، أو أقطاب سياسية تملك التأثير على مسارات السياسة اللبنانية بشكل أو بآخر كالرئيس السابق ميشيل سليمان وأمين الجميل وفؤاد السنيورة وميشال عون وغيرهم.


الزيارة فى حد ذاتها بمثابة رسالة للبنان أولا والإقليم ثانيا بأن مصر تدرك جيدا خطورة استمرار الأوضاع اللبنانية الراهنة، وأبرزها الشغور الرئاسى اللبنانى المستمر منذ ٢٥ مايو٢٠١٤ بعد انتهاء ولاية الرئيس اللبنانى السابق ميشال سليمان، إضافة إلى جمود عمل الحكومة اللبنانية، فى الوقت الذى تجرى فيه تطورات إقليمية كبرى من شأنها أن تؤثر مباشرة على مجمل التركيبة اللبنانية وهويته العربية ودوره الفريد، ويبرز هنا الوضع السورى وما أنتجه من أزمة لاجئين سوريين إلى الداخل اللبنانى بما يفوق نصف عدد سكان لبنان، فى وقت انهارت فيه موارد الدولة اللبنانية من السياحة والتصدير إلى منطقة الخليج بعد قرار المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت فبراير الماضى بمقاطعة لبنان على خلفية موقف وزير الخارجية اللبنانى جبران باسيلى الرافض إدانة حزب الله اللبنانى فى اجتماعات الجامعة العربية التى ناقشت تداعيات الهجوم على سفارة المملكة فى طهران وقنصليتها فى مشهد.


وإلى جانب الإدراك بالمخاطر التى تهدد لبنان هناك استعداد مصرى بالتدخل الحميد عبر التواصل مع كل الأطراف اللبنانية وتقديم الأفكار والاقتراحات وتسهيل الوصول إلى حل توافقى للأزمات التى تفت فى عضد الدولة اللبنانية بشرط أن يقبل به اللبنانيون أنفسهم قبل أى طرف آخر. وما بين الإدراك بأهمية التحرك داخل الساحة اللبنانية وعدم التسرع فى تقديم مبادرات قبل الإلمام الكامل والمفصل برؤى القوى السياسية الفاعلة، هناك مساحات من الأخذ والعطاء دون فرض رؤية أو حل ما قد لا يصيب أى قدر من النجاح.


الإرث التاريخى


التحرك المصرى فى الساحة اللبنانية هو امتداد لإرث تاريخى لعبت فيه القاهرة منذ خمسينيات القرن الماضى أدوارا مشهودة خاصة فى لحظات الأزمات الكبرى التى مر بها لبنان، وكثير منها ارتبط باختيار رئيس لبنان كما كان الوضع فى ١٩٥٨ والتجديد للرئيس إلياس هراوى لثلاث سنوات منتصف التسعينيات من القرن الماضى، وترشيح الرئيس ميشال سليمان من القاهرة، وبعضها الآخر ارتبط بالحرب الأهلية وجهود إنهائها.


وهو إرث يقوم على مساندة لبنان ومساعدة قواه السياسية المختلفة على الخروج من الأزمات التى تحيط به من كل جانب وتزداد وطأتها بين الحين والآخر، وفى اللحظة الجارية فإن وطأة وثقل الأزمات الإقليمية التى تحيط بلبنان وصلت إلى حد يهدد الصيغة اللبنانية نفسها والتركيبة السكانية التى عاش فى ظلها اللبنانيون منذ إعلان الاستقلال فى ١٩٤٣، الأمر الذى يهدد بدوره معادلات التوازن الإقليمى فى المشرق العربى على نحو يَضُر ضَررا بالغا أحد أبعاد الأمن القومى المصرى. ومن هذه الزاوية يعد التحرك المصرى مقدمة لجهود دبلوماسية استباقية من شأنها وقف التدهور فى الملف اللبنانى ومن ورائه الاشتباك مع الملف السورى، رغم ما فى كل منهما من تعقيدات وتدخلات إقليمية ودولية تدفع إلى مسارات متناقضة وضارة بالمصالح العربية والمصرية، ورغم وجود لاعبين إقليميين يمسكون بالكثير من مفردات الأزمة أو الحل فى لبنان.


ويلاحظ هنا أن زيارة سامح شكرى هى الأولى منذ عامين لمسئول مصرى رفيع المستوى، إذ أدت المواقف اللبنانية المساندة للنظام السورى برئاسة الرئيس الأسد، ومشاركة حزب الله الفاعلة فى الحرب الجارية فى الداخل السورى، أدت إلى انكماش التفاعلات العربية مع لبنان بوجه عام، والتفاعلات الخليجية بوجه خاص، ووصل الأمر إلى حد المقاطعة وسحب السفراء الخليجيين ووقف الاستثمارات ووقف السياحة المتجهة إلى لبنان وإنهاء عمل بعض اللبنانيين فى بعض بلدان الخليج، وبما أضاف أعباء سياسية واقتصادية غير مسبوقة على مجمل الوضع اللبنانى، إذ توقفت السياحة الخليجية التى تمثل ٣٥٪ من مجمل السياحة فى لبنان، وكذلك توقفت الصادرات اللبنانية إلى دول الخليج والتى تمثل ٣٠٪ من صادرات لبنان، وتأثرت نسبيا تحويلات المغتربين اللبنانيين فى دول الخليج. كما ألغت الرياض هبة مقدارها ثلاثة مليارات دولار كانت مخصصة لدعم قدرات الجيش اللبنانى وقوات الأمن اللبنانية بأسلحة فرنسية.


وامتدادا للتأثيرات الاقتصادية السلبية للمقاطعة الخليجية للبنان، هناك أثمان سياسية باهظة دفعتها فئات لبنانية كانت تحظى بدعم خليجي كبير قبل المقاطعة، وفى مقدمتها تيار المستقبل برئاسة سعد الحريرى، وهو دعم أسهم فى أن يكون لهذه الفئات وزن سياسى مؤثر فى الملفات السياسية الداخلية والخارجية، وحين فقدت هذه الفئات الدعم الخليجى، بدت وكأنها بلا غطاء عربى، وبالتالى أصبحت أقل نفوذا فى توجيه مسارات السياسة اللبنانية الداخلية. وفى المقابل ارتفع تأثير حزب الله وباقى التيارات السياسية المتحالفة معه وأبرزها التيار العونى المعروف باسم تيار التغيير والتنمية برئاسة وزير الخارجية جبران باسيل، وبما أضاف لإيران نفوذا إضافيا مجانيا.


تداخل اللبنانى والسورى


معروف أن هناك تداخلا وتشابكا بين الملفين اللبنانى والسورى، وهو ما تستغله أطراف لبنانية فى محاولة فرض توجهات بعينها على لبنان ككل. فحزب الله ومعه التيار العونى يعتبران أن أى حل فى لبنان لاسيما ما يتعلق بإنهاء الشغور الرئاسى هو بشكل أو بآخر امتداد للأزمة فى سوريا، وأنه لا يمكن الفصل بين الأمرين، وأن الرئيس المقبل يجب أن يكون ظهيرا وحليفا لا شك فيه لحزب الله، وأن تكون لديه التوجهات نفسها التى لدى الحزب تجاه تورطه فى أتون الحرب السورية، وعلى الرغم من أن عملية الربط هذه بين الداخلى والإقليمى ليست مقبولة من باقى القوى اللبنانية، إلا أن نفوذ حزب الله العسكرى والسياسى يفوق قدرات المعارضين له، والذين بدورهم يسعون إلى اعتبار انتخاب الرئيس اللبنانى شأنا لبنانيا يخص حماية الدولة ومؤسساتها ولا علاقة له بالتطورات الإقليمية، أو على الأقل ليس مرتبطا بها ارتباطا عضويا كما هى رؤية حزب الله والتيار العونى. وقبل المقاطعة الخليجية للبنان كان هناك شق آخر يؤثر بدوره على معادلات الانتخابات الرئاسية كان يُختصر فى ضرورة أن يكون هناك توافق سعودى إيرانى بشأن الملف اللبنانى فى تفاصيله وفى كلياته، وهو ما كان متعذرا نظرا لحجم التباين الكبير بين البلدين فيما يتعلق بالأزمة السورية، الأمر الذى كان يحول دون لقائهما لوضع الترتيبات المناسبة للوضع اللبنانى. وبعد المقاطعة الخليجية، تبلورت صيغة النفوذ الأعلى لحزب الله.


هاتان الرؤيتان اللبنانيتان المتناقضتان والمتباعدتان تماما مرتبطتان بحالة توازن سياسي دقيقة للغاية، ولكنها فى الآن نفسه هشة وقابلة للانفجار فى أية لحظة، ومن شأن الأخذ برؤية فى مواجهة الأخرى أن تظل الأمور على حالها، بل تفشل أى مساعٍ للتقريب وحلحلة الأزمة، وهو ما كان سامح شكرى يدركه جيدا، كما كان يدرك أيضا أن الحديث عن أى مبادرة مصرية لاختيار رئيس لبنانى هو أمر سابق لأوانه قبل أن تتراكم كافة الآراء اللبنانية أمام صانع القرار المصرى، ولذلك كان التوجه المصرى هو ليس تحديد اسم معين يتم طرحه على القوى اللبنانية للتوافق حوله، وهو ما تصورته بعض القوى اللبنانية أو على الأقل تمنت حدوثه، ولكن خاب ظنها بعد أن تحددت مهمة الوزير المصرى فى فتح أبواب التواصل مع القوى اللبنانية، وتحفيزها على إيجاد حل لبنانى بالدرجة الأولى، مع تقديم المساعدة الممكنة فى استمرار التواصل وفى تقديم الاقتراحات المناسبة وأن يُترك للبنانيين أنفسهم حرية الاختيار.


مواصفات الرئيس قبل اسمه


هذا على صعيد الآليات، أما على صعيد الجوهر فقد بدا، كما أوردت بعض المصادر الإعلامية اللبنانية، أن سامح شكرى كان مستمعا أكثر منه متحدثا، وفى تعليقاته أمام المسئولين اللبنانيين بدا الرجل غير مهتم بأشخاص بعينهم، سواء العماد ميشيل عون مرشح حزب الله المفضل، أو سليمان فرنجيه زعيم تيار المردة مرشح تيار المستقبل برئاسة سعد الحريرى، بل كان مهتما بتوضيح رؤية مصر التى ترى أولوية لمواصفات الرئيس قبل الاسم، وهى مواصفات تحددت فى ثلاث، أولها أن يكون رئيسا توافقيا ولديه القدرة على محاورة جميع القوى والتيارات اللبنانية وأن يحترمه الجميع، وثانيا القدرة على تنشيط المؤسسات السياسية وتدعيم دورها وإخراجها من سباتها، وثالثا أن يلعب دورا محوريا فى إعلاء المصالح اللبنانية على ما عداها ومن ثم يسهم بحكمة فى تفكيك الأزمات اللبنانية وعدم رهنها بما يجرى فى الإقليم.


المواصفات المصرية على النحو السابق تعنى باختصار أن الرئيس اللبنانى المطلوب ليس من الأسماء المطروحة بالفعل، وأن يؤمن بالحلول اللبنانية قبل أية حلول أخرى، وأن ينفتح على الجميع فى الداخل وفى الخارج. وبالتالى أن يُعيد للبنان وضعه الفريد كبوتقة تتفاعل فيها بحرية كل التوجهات وكل التيارات على قدر المساواة والاحترام المتبادل.


مثل هذه المواصفات بحاجة إلى التأكيد عليها وبحاجة إلى البحث عن أشخاص يتمتعون بها على أن يبقى قرار الاختيار والتفضيل للبنانيين أنفسهم وليس غيرهم، ومن هنا أهمية التواصل واستمراره والانفتاح أكثر وأكثر على القوى اللبنانية سواء التى تم الالتقاء بها فى بيروت، أو التى لم يتم الالتقاء بها فى الزيارة الأولى وينتظر إبداع قناة اتصال معها إلى حين إتمام زيارة ثانية، كحزب الله ووليد جنبلاط. فضلا أيضا عن التشاور مع بلدان عربية شقيقة لها مصالح كبرى فى لبنان وتعمل على الحفاظ عليها رغم خطوات التراجع التى أُخذت قبل عدة أشهر.


مهمة ليست سهلة ولكن!


المهمة ليس سهلة خاصة أن هناك قوى إقليمية لا تريد لمصر أن تنجح فى لعب دور إقليمى وعربى يتسم بالحيوية والنشاط، وفى داخل لبنان ذاته هناك قوى لديها الكثير من التحفظات على السياسات المصرية، وبعضها مرتهن بمواقف إقليمية ويعبر عن ذلك صراحة. ومع ذلك تشير مصادر لبنانية إلى أن هناك فرصة يمكن أن تلعب فيها مصر دورا رئيسيا فى إنهاء أزمة الشغور الرئاسى قبل نهاية العام أو مطلع العام الجديد، وقبل أن يدخل اللبنانيون فى أتون الانتخابات البرلمانية فى صيف العام المقبل، والتى سوف تحدد من سيقود الحكومة لاحقا، ويعرض هؤلاء ثلاثة أسباب لنجاح مصرى ممكن:


السبب الأول أن مصر لديها خبرات تاريخية فى التوفيق بين المختلفين، إذ لعبت قبل عدة أشهر دورا رئيسيا فى اختيار مفتى لبنان عبد اللطيف دريان عبر الاتصالات مع أكثر من جهة كالرياض ودمشق.


السبب الثانى أن مصر أعادت موضعة دورها فى سوريا، فإلى جانب أنها تتمسك بثلاثة مبادئ مهمة وجوهرية كالحفاظ على وحدة سوريا الإقليمية والحفاظ على مؤسسات الحكم وعدم انهيارها والحفاظ على الجيش العربى السورى، فقد قامت بتنشيط سفارتها فى دمشق من خلال إضافة بعض الدبلوماسيين ومنهم محسوبون على جهات سيادية وهو ما تعرفه دمشق جيدا وتراه خطوة إيجابية تصب فى مواجهة تنظيمات الإرهاب العابرة للحدود.


السبب الثالث أن مصر تدرك جيدا أن المنطقة تعيش تقلبات حادة فى التحالفات الإقليمية والدولية ومن شأنها أن تؤثر على الوضع فى لبنان بصورة مباشرة، وبالتالى فمن الأفضل أن يكون هناك تنسيق عالى المستوى بين مصر ولبنان لضبط هذه التأثيرات المتوقعة إن لجهة عودة النازحين السوريين أو تشرذم وانتشار جماعات الإرهاب العاملة فى سوريا عبر بوابة لبنان إلى دول عربية، وهو تنسيق لن يحدث إلا إذا أعيدت الحيوية لمؤسسات الدولة اللبنانية.


وفى المحصلة أن زيارة شكرى لبيروت مصطحبا معه السفير المصرى الجديد للبنان نزيه النجارى، هى انعكاس لتوجه مصرى بمزيد من الاهتمام بالشأن العربى بعد أن تم ضبط الوضع الداخلى على نحو معقول، ورغم القيود التى يمكن تصورها أو التى هى قائمة بالفعل فى الساحة السياسية اللبنانية، فقد فتحت الزيارة أبوابا عدة، ولكنها ما زالت بحاجة إلى جهود أخرى أكثر كثافة وأكثر فعالية فى الأسابيع القليلة المقبلة، وهو ما ينتظره قطاع كبير من اللبنانيين وأيضا من المصريين.