خروجا عن مبادئ الإسلام الأمـة تتقاتـــل

31/08/2016 - 10:50:14

بقلم - رجائى عطية

ليس مقصد هذه السطور أن تتقصى سير المعارك، أو تفاصيل القتال وعوامل النصر أو الهزيمة، وإنما غايتها تقصى العبر الحافلة بها والمستخلصة منها، وأدل وأخطر هذه العبر أن الأمة انقسمت بين الأخين المتصارعين على السلطة، وصارت تتقاتل فيما بينها بدلا من أن تقاتل أعداءها ، وسالت دماؤها فى هذا الصراع الضرير، لا لمصلحة تخصها أو هدف تسعى إليه، وإنما انصياع لما يريده المتصارعان وبطانة كل منهما التى ارتبطت مصالحها مع من التصقت به، وتخشى أول ما تخشى أن تستوى السلطة إلى غريمة !


بدأ سير القتال الضرير، بخروج جيش الأمين فى شعبان سنة ١٩٥ هـ (٨١٠ م ) فى نحو أربعين ألفًا بقيادة « على بن موسى بن ماهان » ، المزهو بنفسه إلى درجة الحمق ، وقيل إن « زبيدة » أم الأمين زودته بعد حديث يفيض رقة وإظهارًا لمحبتها للمأمون الذى ربته ، ووصايا باحترامه وإكباره وتقديمه ، وبألاَّ يبدأه بمكروه، وأنهته بأن زودته بقيدٍ من الفضة ليليق بمعصمى المأمون إن استعصى عليه فى استقدامه أسيرًا . بينما خرج جيش المأمون بقيادة الأريب « طاهر بن الحسين » ، فى نحو أربعة آلاف معظمهم من الأتراك والفرس، واستطاع بعد تفصيلات رواها الطبرى ـ أن يتخذ المبادرة وأن يفاجئ ابن ماهان المزهو بنفسه ، بضربة مفاجئة فى قلب قواته خلختها وبعثرتها، وأزالتها عن مواضعها، وكان ذلك على غير بعيد من مدينة الرىّ ، وقتـل فى المعـركة « على بن عيسى بن ماهان » ، حيث أصيب بإصابة قاتلة ، ولكنْ ذُبح لترسل رأسه ضمن الرءوس إلى المأمون ، وقتل وأسر فى هذه المقتلة كثيرون ، واستبيحت الغنائم مع كثرة القتلى ، حتى نادى طاهر بن الحسين بالأمان لمن يضع سلاحه ، فطرح أصحاب ابن ماهان أسلحتهم ، وعاد « طاهر » ظافرًا إلى مدينة الرىّ، حيث بعث بالأسرى و « الرءوس » إلى المأمون ، ومنها رأس « على بن عيسى » التى طيف بها فى خراسان. بينما قعد المأمون للناس يسلمون عليه بالخلافة، ويتلقى التهانى بالعز والنصر!


وطبيعى أن ينزل الخبر على « الأمين » كالصاعقة، ومفهوم أن يجيش جيشًا آخر بقيادة « عبد الرحمن بن جبلة الإبناوى » لقتال جيش المأمون الذى يقوده الأريب « طاهر بن
الحسين » ، والذى اتفقت روايات المؤرخين على أنه لم يكن أوفر حظًا من سابقه، فهزم بدوره فى خبر طويل، وإن كانوا قد شهدوا له بالشجاعة والبطولة وصبره على القتال مع أصحابه الذين صمدوا معه وكثر فيهم القتل، حتى أعطاهم « طاهر » الأمان وفقًا لرواية الطبرى، بينما جاء فى رواية ابن الأثير والدينورى ورواية لاحقة للطبرى واليعقوبى ما يفيد أنه لم يرتض الأمان، وظل يقاتل قتالاً شديدًا حتى تكرت نصال السيوف والرماح ، ويأبى الهروب ويقول لمن نصحوه بذلك « لا يرى أمير المؤمنين وجهى منهزمًا أبدًا ! » ، وظل يقاتل حتى قتل كما قتل الكثيرون الذين كانوا معه فى مقتلة عظيمة فداءً للخليفة الآمن الناعم فى بغداد !


أما المدد الذى أرسله « الأمين » بقيادة « عبد الله الحرشى » ، فقد رجعوا من غير قتال وأقاموا فى حلوان حين بلغهم هزيمة عبد الرحمن بن جبلة ومصرعه ومن قاتلوا معه حتـى النهاية .


سقطة الأمين !


قد يكون مفهومًا كل هذا القتال الضرير، والإصرار عليه رغم توالى الهزائم ، حتـى لم يبـق إلـى جوار الأمين فى بغداد سوى الغوغاء الحرافشة والشطار والسجناء من أهل بغداد، إلاَّ أن الغريب اللافت ـ السقطة المزرية التى سقطها « الأمين » ، والتى لا تتفق لا مع السلالة الشريفة التى ينتمى إليها، ولا مع أخلاق الملوك والخلفاء، ولا مع الشيم العربية، حيث لم يكتف بأن يصادر أموال أخيه المأمون وضياعه وغلاته ويضمها إلى ملكه ، وإنما أرسل إلى زوجة أخيه : أم عيسى ابنة عمه الخليفة موسى الهادى المقيمة فى بغداد، يطلب إليها أن توافيه بما عندها من جواهر، فلما أجابته بأنه ليس لديها شىء من الجواهر، استباح الهجوم على منزلها ونهب كل ما لديها من نفائس !


جيش المأمون


يتقدم إلى بغداد


ذكر المؤرخون أن « طاهر بن الحسين » جعل يزحف ويجوز البلاد بلدة بلدة وكورة كورة ، حتى انتهى إلى « شلاشان » إحدى قرى حلوان، فأقام فيها حتى وافاه « هرثمة بن أعين» فى جيش عظيم من طرف المأمون، وقيل إن عدته بلغت ثلاثين ألفًا.


بينما كان الأمين يلاقى مصاعب فى بغداد التى غلب عليها الحرافيش والرعاع والجانحون، وعمت الفوضى وسادت الأهواء حتى قاتل الأخ أخاه ، وخاصم الابن أباه ، وقد حبس


« الأمين » ـ « محمد بن هارون أسد بن يزيد » لنقده إياه وأخذه عليه لعبه وصيده ولهوه وانصرافه عن أمر الرعيـة ، وسيَّر « الأميـن » ـ سنة ١٩٦ هـ ( ٨١١ م ) عمـه « أحمد بن يزيد بن مَزْيد » و « عبد الله بن حُميد بن قَحْطبة » فى نحو أربعين ألفًا ـ إلى حلوان لقتال


« طاهر بن الحسين » ومن أمدّه المأمون بهم و تخندقوا فى « شلاشان » من قرى حلوان. فجعل « طاهر » يبث الجواسيس والأراجيف والفتن فى عسكريهما, حتى وقع الاختلاف والشغب فيما بينهم, وقاتل بعضهم بعضًا , فلما بلغ « طاهرًا » ما صاروا إليه , سار نحوهم فانهزموا بغير قتال , وما لبث أن وصل « هرثمة » بمن معه من مدد , فأقام بحلوان وحصنها , بينما توجه « طاهر» بناء على أوامر المأمون إلى الأهواز, ورفع المأمون منزلة « الفضل بن سهل » إقرارًا بفضله وصدق مشوراته .


وشرع « هرثمة بن أعين » فى الزحف بجيشه إلى بغداد, فى الوقت الذى صعد فيه
« طاهر بن الحسين » من البصرة, حتى أحدقَا ببغداد التى كانت تعانى هى والأمين مما ألمحنا إلى بعضه, وزاد الطين بلة أن « عبد الله بن صالح بن على » , الذى كان « الأمين قد خلصه من سجنه الذى وضعه الرشيد فيه, وولاه الشام والجزيرة على وعد حشد الأجناد. كانت قد نشبت فتنة بين من معه بسبب مشكلة تافهة بين جندى خراسانى وجندى من الزواقيل, أدت إلى تلاحم الفريقين فى مقتلة عظيمة فشل « عبد الملك بن صالح » الذى كان مريضًا فى تداركها, وانتهت برحيل أهل الشام إلى بلادهم, ولم يقف الفشل عند هذا الحد. حيث نادى « الحسين بن على بن عيسى بن ماهان » فى عسكره بالرحيل إلى بغداد, فلما وصلها حضَّ الأبناء الذين معه على « خلع الأمين » , فأجابوه وتوجه بهم إلى حيث يقيم
« الأمين » ونادوا بخلعه فى ١١ رجب سنة ١٩٦ هـ , وأخذوا البيعة فى اليوم التالى للمأمون، وحُبِسَ الأمين فى أحد القصور حتى أفرج عنه فى قصة طويلة كانت محصلتها شيوع المزيد من الاضطراب فى جند الأمين, لتكتمل خيوط المأساة بالقتلة البشعة التى لحقت بالأمين بأيدى أعوان أخيه !


التنافس بين قائدىْ المأمون


على النيْل من الأمين !


كانت كل المقدمات تورى باقتراب فصول المأساة إلى مشهد النهاية , وقد وصف الأستاذ الكبير محمد الخضرى حال « الأمين » وصفًا بليغًا على إيجازه , فقال إنه قد ضيُق عليه من كل جانب, ومنعت عنه الأموال, فاضطر لبيع كل ما فى الخزائن من الأمتعة وضرب آنية الذهب والفضة فى دنانير ودراهم, وحملها إلى أصحابه لتغطية نفقاته , وقاست بغداد ـ هذه المدينة العظمى ودرة تاج الخلافة العباسية ـ قاست من هذا الحصار ما لم يكن يخطر على بال أحد, من الهدم والتحريق وسفك الدماء والجوع الشديد, حتى درست محاسنها وكادت تُمحى معالمها, ونطقت ألسن شعرائها بوصف ما عليه المدينة وما عليه الناس من المحن والأحزان التى لا تُحتمل.


على أنه لم يكن من السهل على أحد سفك دم « محمد الأمين » ابن هارون الرشيد, وأخ المأمون. وكان الضالعون فى هذه المأساة يدركون صعوبة أن تنتهى فصولها بإراقة دم الخليفة وذبحه ذبح الشاة من قفاه, وبعد أن أعياه الجوع والعطش حتى قتل ظامئًا يرجو شربة ماء .


لم يكن ذلك فى ظنى يسيرًا لولا غلبة الأهواء الضريرة, والتسابق بين القائدين: طاهر بن الحسين, وهرثمة بن أعين ـ من الذى يذهب بها ـ بفضل النيل من الأمين, إلى المأمون ولىّ النعم إنْ شئت الوصف الصحيح.


يتجلى هذا السباق فى فصول المشهد الدامى ومقدماته, مثلما تجلى فى رسالة بعث بها «طاهر بن الحسين » إلى المأمون يشرح فيها كل الظروف التى صاحبت حرب بغداد حتى انتهت بذبح الأمين .


حاول « طاهر » أن يتذرع فى رفضه قبول القائد « هرثمة » سعى « الأمين » إلى أخيه المأمون, بأنه خشى أن يثير الأمين الفتنة من جديد, وهو تذرع كاذب يفضحه ما صرح هو به لخلصائه من أن اعتراضه أن « يذهب بها هرثمة » بعد أن أدى هو ما أداه فى نصر المأمون وهزيمة الأمين، تمامًا مثلما يفضحه تعليله الواهى للتمثيل بجثمان الأمين, ونصب رأسه على حربة، ووضعها على أحد أبواب بغداد، بأن الناس شكّت فى مقتله, فأراد أن يؤكد لهم قتله, وأن هذا ـ لا سواه ! ـ هو سبب رفع رأس الخليفة المذبوح على حربة, وتعليقها نهبًا للعيون وللكواسر ـ بأحد أبواب مدينة السلام !


روى المؤرخون الطبرى وابن كثير وابن الأثير أنه حينما دخلت قوات طاهر بن الحسين بغداد, وأحاطوا بالمدينة وبقصر زبيدة زوجة الرشيد وأم الأمين, ونصبوا المجانيق حول السور وحذاء القصر, خرج الأمين بأمه وولده إلى مدينة أبى جعفر, وتفرق عنه الناس فى الطريق لا يلوى أحد على أحد ـ وسمع الأمين مشورة بعض خلصائه أن يطلب الأمان ويخرج إلى أخيه المأمون الذى لن يرى منه بأسًا ـ وهو أخوه ـ ولا مكروهًا , فركن الأمين إلى هذا الرأى, وقبل الخروج إلى « هَرْثمة بن أعين » , فلم يكن يرتاح إلى طاهر بن الحسين , وقيل إن الأمين أرسل فعلاً يطلب الأمان , فأجابه « هرثمة » إلى ذلك , وطمأنه وأقسم له أنه سيقاتل دونه لو هم أحدّ بقتله .


وروى ابن الأثير , وغيره , أن « طاهرًا » حين علم بذلك , اشتد غيظه , وأبى أن يدع الأمين يخرج إلى « هرثمة », وقال لصحبه عن هرثمة إنه فى جنده, وأنه الذى أحرج الأمين بالحصار حتى طلب الأمان, وأضاف « فلا أرضى أن يخرج إلى هرثمة فيكون له الفتح
دونى » .


وقيل إن « طاهرًا » قد رضى فى اجتماع مشترك للتوفيق, بأن يخرج الأمين ببدته إلى
« هرثمة » , على أن يدفع إلى « طاهر » بالخاتم والقضيب والبردة, ففى هذا الخلافة, وطلب إليه الحاضرون أن يقبل بهذه القسمة ولا يفسد الأمر, فرضى.


إلاَّ أن من يدعى «الهِرْش» ، أراد التقرب إلى طاهر، فأوعز إليه أن ما قيل له مكر، وأن الخاتم والقضيب والبردة سوف تحمل مع الأمين إلى هرثمة، فارتد طاهر عما اتفق عليه ، وفرض رقابة وحصارًا بالسلاح والفئوس حول قصر أم الأمين ، فلما تهيأ الأمين للخروج ، أرسل إليه «هرثمة» بعد أن علم بما دبره «طاهر» أن يرجىء الميعاد إلى باكر مخافة أن يؤخذ منه ، فأجابة الأمين بأنه لم يعد فى وسعه أن يقيم إلى غد، وطلب إليه ألاّ يبرح ، فقد تفرق عنه الناس والموالى والحرس، ولا يأمن أن يدخل عليه طاهر فيأخذه !


الأمين يودع بنيه !


وروى الطبرى وابن الأثير أنه حينما تهيأ الأمين للخروج، دعا بابنيه فضمهما إليه وشمهما وقبلهما، وقال لهما : أستودعكما الله، ودمعت عيناه، وجعل يمسح دموعه بكمه، ثم قام وخرج من باب خراسان، وذهب راكبًا إلى الشاطىء حيث كانت فى الانتظار حراقة (نوع من السفن)، فصعد إليها وأحسن هرثمة استقباله وإكباره، وجعل يضمه إليه ويقبل يديه و عينيه .


بيد أن« طاهرًا » كان متربصًا فى رجاله ، فشدوا عليهم وقذفوا الحراقة بالآجر والنشاب (الرماح) حتى ثقبوها واندفع إليها الماء فغرقت، ولكن الأمين تمكن أن يصل سباحة إلى الشاطىء، ولكن قبض عليه رجال طاهر، وأخذوه وأحمد بن سلام صاحب المظالم، إلى بيت أبى صالح الكاتب .


مشهد النهاية !


ويصف أحمد بن سلام صاحب ديوان المظالم المشهد الذى حضره ، وأورده الطبرى وابن الأثير وابن كثير ـ أنه حين ضم الأمين إليه شعر بقلبه يخفق خفقانًا شديدًا، وحاول أن يضم الخرقة على أكتافه العارية المبللة ، وإذ هما فى هذا الموقف دخل رجل جعل ينظر فى وجوههم ليتثبت، وعرف منهم « محمد بن حُميد الطاهرى » فلما رآه أيقن أن الأمين
مقتول .


وعند منتصف الليل ، فتح الباب ودخل قوم من العجم معهم السيوف مسلولة، فلما رآهم الأمين أدرك مرادهم، وقام قائمًا وجعل يقول: « إنا لله وإنا إليه راجعون . ذهبت والله نفسى فى سبيل الله ! أما من حيلة ! أما من مغيث ! أما من أحد الأبناء ! » .


ووقف هؤلاء إزاءه يقدم بعضهم بعضًا، وأخذ الأمين بيده وسادة، وجعل يقول لهم :
« ويحكم ! أنا ابن عم رسول الله ! أنا أبن هارون ! أنا أخو المأمون ! الله الله فى دمى ! »


تقدم منه واحدٌ يقال له « خمارويه » ، فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه، فضربه محمد الأمين بالوسادة على وجهة وأراد أن يأخذ السيف منه، فجعل هذا الخمارويه يتصايح : قتلنى قتلنى . ثم نخسه أحدهم فى خاصرته، وركبوه وذبحوه ذبحًا من قفاه، وأخذوا رأسه !


حملوا الرأس إلى « طاهر بن الحسين» ، فنصبها على حربة وطاف بها بغداد، قبل أن يعلقها على باب الأنبار ببغداد مدينة السلام الذى كان، ثم يرسل بها إلى أخيه المأمون مع الخاتم والقضيب والبردة، وليأمر بألف ألف درهم لطاهر بن الحسين الذى صار ملقبًا بذى الرياستين، وقد دخل برأس الخليفة « محمد الأمين » على ترس بيده إلى أخيه المأمون، فلما رآه سجد . أما لماذا ولأى معنى سجد فذلك مما يطول فيه الحديث !