خطبة المرأة للرجل

31/08/2016 - 10:47:17

بقلم: أ.د. عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

جرت العادة على خطبة الشاب للفتاة من ولي أمرها فتقبل خطبته أو ترفضها، ولا يوجد في شرعنا ما يمنع حدوث العكس بأن يخطب والد الفتاة أو ولي أمرها شابا مناسبا لابنته أو الفتاة التي يتولى أمرها، وإن كان هذا غير متعارف عليه في حياة الناس في مجتمعاتنا في هذا الزمان، فإذا وجد ولي الأمر من يصلح لابنته فيُندب له عرض ابنته على هذا الشاب،


فقبل أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، وفي حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - ابنته حفصة بعد ترملها على أبي بكر فلم يرد عليه، لأنه كان سمع رسول الله ذكرها ويفكر في خطبتها، ولكنه لم يفصح لسيدنا عمر عن ذلك ولم يشأ أن يكشف ما أسر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليه، وعرضها على عثمان بن عفان بعد وفاة زوجته رقية ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فاعتذر قائلا: «قد بدا لي اليوم ألا أتزوج»، فاشتكى عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهما، فقال رسولنا الأكرم: «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير منها»، فتزوج النبي- صلى الله عليه وسلم – السيدة حفصة، وزوّج عثمان بابنته الثانية أم كلثوم، فلقب عثمان بذي النورين، واعتذر أبو بكر لعمر بن الخطاب بعد زواج الرسول من السيدة حفصة قائلا: «لا تجد عليّ، فقد سمعت رسول الله يذكرها، ولم أكن لأفشي سر النبي، ولو تركها لتزوجتها». فإذا كان عرض سيدنا عمر - وهو من هو - ابنته التي أصبحت أما للمؤمنين مقبولا قبل كل هذه القرون؛ فمن الأولى أن يكون مقبولا في زماننا الذي تغير فيه كثير من الأعراف وأصبح ما كان في زمانهم أو بعده غير مألوف كتعليم البنات وعمل المرأة وغير ذلك مألوفا، ولا سيما لدى الأسر التي لا تخرج بناتها أو تختلط بالناس كثيرا، فكثير من بنات هذه الأسر يتجاوزهن قطار الزواج مع صلاحيتهن للزواج عن غيرهن من المتزوجات، وهذا الذي فعله سيدنا عمر لم يعد تصرفا شخصيا، بل أصبح أمرا مسنونا؛ حيث أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه ذلك، ولو كان هذا غير جائز لأخبره النبي أنه ما كان ينبغي له أن يفعل ذلك، لكنه طيّب خاطره قائلا: «لقد زوّجها الله خيرا منهما».


وفي عصر التابعين عرض سعيد بن المسيّب ابنته على أحد تلامذته بعد أن ماتت زوجته وتركت له عيالا، وقد قيل عن ابنة سعيد بن المسيّب إنها كانت بارعة الجمال وغاية في العلم حتى إنها كانت تجلس خلف حجاب تسمع جلساء أبيها وهم يقرأون عليه فإذا صفقت قال سعيد بن المسيّب للقارئ: أعد فقد أخطأت. وكان هذا الزوج غاية في الفقر وقصر ذات اليد، ومع ذلك زوّجها سعيد بن المسيّب له على الرغم من أنه رفض قبل ذلك تزويجها لأمير من أمراء بني أمية وقد ألح في خطبتها.


وليس الأمر مسنونا لولي المرأة فقط، بل لا يوجد ما يمنع المرأة من أن تخطب لنفسها رجلا صالحا، فقد جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مجلس صحابته قائلة: «جئت لأهب لك نفسي»، ولو كان عرض المرأة نفسها على الرجل لا يجوز لأنكر عليها رسولنا - صلى الله عليه وسلم – ذلك، ولو كان هذا الأمر خاصا به لقال إنه يجوز لي ولا يجوز لغيري من الرجال، لكنه أقرها على عرضها نفسها على إطلاقه، والإقرار يؤخذ من نظره - صلى الله عليه وسلم - إليها وتصويب النظر أو تصعيده فيها، ويبدو أن فكرة خطبة المرأة للرجل كانت معروفة حتى قبل الإسلام، فقد خطبت السيدة خديجة بنت خويلد رسولنا الكريم لنفسها، حيث أرسلت له من تعرض عليه أمر الزواج منها بعد أن رأت أمانته حين ذهب في تجارة لها إلى بلاد الشام وعاد بربح لم تحصل عليه من قبل في تجارات مماثلة، وقد تزوجها رسولنا الأكرم بعد أن عرضت عليه نفسها. ومن ثم، ينبغي أن ينظر المجتمع إلى من يحيي هذه السُّنة - جواز خطبة المرأة أو ولي أمرها للرجل - نفس النظرة التي ينظرها إلى خطبة الرجل للمرأة وإن كان هذا هو الأصل، ولا ينبغي أن يشعر ولي الفتاة أو الفتاة نفسها بشيء من الحرج إذا لم يقبل الشاب الفتاة التي عُرضت عليه، فكثيرا ما ترفض المرأة خطبة رجال يتقدمون للزواج منها، ولذا فالمثل الشعبي الذي يقول: «اخطب لابنتك ولا تخطب لابنك»، لا يتعارض مع ما أقرته السُّنة المطهرة، بل إنه قد أصاب كبد الحقيقة وإن لم يطبقه الناس في زماننا حرجا أو كبرا.