سيّد الضوّى: ذاكرة «الهلاليّة» تقاوم الغياب

31/08/2016 - 10:42:20

  محرر «المصور» فى زيارة  إلى مستشفى قنا للاطمئنان  على صحة الضوى محرر «المصور» فى زيارة إلى مستشفى قنا للاطمئنان على صحة الضوى

تقرير: رضوان آدم

عندما دخلت على العم الفنان سيد الضوّى، كبير شعراء السيرة الهلالية الأحياء (مع جامعها عبد الرحمن الأبنودى، والعم جابر أبو حسين، وآخرين)، داخل غرفته فى مستشفى قنا العام، برفقة الجرّاح الكبير، محمد الديب، مدير مستشفى قنا العام، توقعت أن أجد الزير سالم (جد الهلاليّة) ممسكًا بيده اليمنى، يشدّ من أزره، ولم أشكّ أبدًا أن أبوزيد الهلالى، سوف يستقبلنى، بكامل ملبسه وعدته الحربية، على الباب.


ولم لا يفعلها أبوزيد، وسيد الضوّى، هو أحد كبار حراس السيرة التى تمجد قيم النخوة والنبل، والشجاعة، والبطولة. ولم لا يكون خيالى هذا حقيقة، والسيرة الهلالية (إلياذة العرب) واحدة من المواعين الكبيرة التى يختمر فيها الخيال مع الحقيقة، والأسطورة، تحت أشعة شمس الصحراء، وتغريبة بنى هلال، بين مصر وتونس، وما جاورهما من بلاد الله.


فى الممر المؤدى إلى غرفة العم سيد الضوّى، تختفى الأضواء، ويقف المستشفى على قدم وساق. الممرضات والممرضون، يحرسون مقر مرض الرجل الذى يعانى من توابع جلطة قديمة، وقصور فى الكلى، وقرح الفراش. قرح الفراش؟.


رمضان الضوّى، الثلاثينى الذى يرتدى الجلباب البلدى، وسمار الجنوب، يغطى جبهته العريضة، يقول لـ”المصوّر”: “السن يا أستاذ. أبويا مواليد ٣٤ . كتر خير الدنيا. والله فيه ناس كتير من بره مصر، اتصلوا بينا. من فرنسا، ولندن، وأكتر من بلد أجنبى تانى، بيطمنوا عليه. وهنا الناس مش مقصرين”.


العارفون بقيمة الفنان سيد الضوّى، يُدركون أنه صاحب فضل كبير على السيرة الهلالية، حملها على أكتافه التى هرب العظم منها إلى مكان لا يعرفه إلا الله. رغم قسوة البرد، وضربات الناموس، والبراغيث، كان الضوّى، يلف البلاد، ودواوين العائلات، ينشد السيرة الهلالية، ويجمعها مع الأبنودى، وزوجته السابقة، المخرجة التسجيلية الكبيرة، عطيات الأبنودى، برفقة الراوى الكبير جابر أبو حسين، وقد وثق وسجل الضوى مع الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودى حوالى ١٣٥ حلقة فى التليفزيون المصرى.


من قبل الأبنودى، وفى قرى ونواحى قوص، شرب سيد الضوّى، من الأب، الضوّى الكبير، شاعر الربابة غير المعروف لوسائل الإعلام، من كأس السيرة الهلالية، وعرف كيف يعبر لها عن حبه. يرفع الملاءة الطبية من فوق جلبابه البلدى البسيط، ويفتح عينيه فىّ، ثم يغلقهما، ويفتحهما مجددًا ويقول: “كنّا عمّ نلفوا على كعوب رجلينا، أنا وناس كتير، تعرفوا أنتم منهم بس الأبنودى، وعمى جابر أبو حسين، تعبنا كتير يا بوى. طب تصدق يا ولدى، حفظت ألوف الأبيات، والمربعات، من أول مرّة. أهى السيرة دى حاجة كبيرة. المهم تسمعها وتوزنها بحب”. يتدخل ابنه رمضان: “نشغلوا لك يا بايّة، شوية سيرة تسمعهم”. يضحك سيد الضوى، الذى يعود نتيجة التعب، إلى رقدته الإجبارية، على جانبه الأيمن، كأنه يمارس طقوس الحكي:


بلغنى الكبر يا ضهرى وحنيت


من الله تقضى المصالح


بكيت ع البلاوى وحنيت


فى بيتى مفيش طفل فالح


بالوج بعينى يمين وشمال


على طفل عندى يلاغينى


جاتنى الليالى سوده وشُمال


قادر يا رب تراضينى


سمع ندا من قبل الله


ياخى كل منا وسعيده


يا رزق اصغى على الله


تزوج فى مكة السعيدة


أمرك لربى المتعال


فى جبال امشى وشريفه


إن كان مرادك تخلف عيال


تزوج بعذرا شريفة


لم يحظ سيد الضوّى، بالشهرة، التى توفر عليها، الأبنودى، وجابر أبو حسين، وهذا تفهمه عندما تتحدث مع فنان كبير متواضع، لا يسعى لتسويق نفسه، بقدر ما يسعى لنشر رسالته «السيرة الهلالية»، رغم أنه آخر أهم شعراء السيرة الأحياء فى الوجه القبلى. والضوّى، له طريقة فنيّة خاصة، فى عرض السيرة، وقصها على الجمهور، وهو سجل أكثر من ١٣٥ حلقة تليفزيونية، واعتمد فيها أسلوب التنويع، وإن كان أسلوب المربع، هو المُفضل عنده.


وهذا الأسلوب يعتمد على قواعد. بعد أن تبدأ المقدمة بقصائد مدح الرسول والزهد فى الدنيا وطلب المغفرة من الله، يبدأ السيرة ذاتها بالمربع. والمربع بيتان من الشعر يتكونان من أربعة شطور مستقلة ومتصلة فى ذات الوقت. تتشابه قافيتا الشطر الأول والثالث من جانب، والثانى والرابع من جانب آخر. ويتم التغنى بها كأنها موّال (مربع أو مسبع أو مثمن أو محبوك الطرفين. ويتكون من ١٢ بيتًا).


هناك علاقة عشق بين ربابة العم سيد الضوى، والسيرة الهلالية، وهو يعتقد أن الآلات الموسيقية الأخرى «ما تنفعش مع السيرة»، على أساس أن هذه الآلة القديمة والعريقة، تربت مع السيرة الهلالية، وارتبطت بها كتوأم عند السميعة والرواة فى ذات الوقت، لذلك دائما ما يؤكد «الضوى» أن تربية الأطفال منذ الصغر على قول السيرة، وحفظ أبياتها، باللسان والربابة.


كنت أتصوّر أن يقف أبناء قنا على باب المستشفى بالطوابير، للاطمئنان على العم سيد الضوّى، لكن الزمن تغيّر، وانعدام المعرفة، أكثر من المعرفة. فشخص مثل سيد الضوّى، يعد فى أوروبا، وخصوصا فى معاهد التراث الشرقى، فى ألمانيا وفرنسا، من المراجع الأساسيّة، واسمه معروف جدًا لكثير من المستشرقين، والباحثين الموسيقيين، الذين يتفقون على أن الضوّى، رجل يحفظ أسرار السيرة الهلاليّة، وهذا يظهر فى الفيلم التسجيلى المهم الذى أخرجه حسن الجريتلى عنه، وهو يحكى عن مشواره الفنى الطويل، ودوره فى ترجمه السيرة الهلالية إلى لغات أجنبية أبرزها الفرنسية.


لا أحد ينسى نبرة صوت الضوّى وهو ينشد:


بعد المديح فى المكمل


أحمد أبو درب سالك


أحكى فى سيره وأكمل


عرر يذكروا قبل ذلك


سيرة عرب أقدمين


كانوا ناس يخشوا الملامة


رئيسهم أسد سبع ومتين


يسمى الهلالى سلامة


هذه العبارة مدخله إلى الجمهور فى كل مكان، على أن مدخله الأكبر للسيرة الهلاليّة، هو الإيمان، فالضوّى الذى يعرف قيمة فنّه «السيرة الهلالية وثيقة عدالة، وشرف، تنفع فى كل أوان»، أقل ما يستحقه، وهو أستاذ لتلاميذ، يسيرون على دربه، أن يتحول بيته، فى حياته، إلى متحف كبير، يكون مزارًا لكل المهتمين بالتراث فى مصر والعالم، فهو موسوعة تراثية كبيرة، وحائط كبير من عمارة الذاكرة الجنوبية التى تحفل بالكثير من الفرسان والمبدعين.