حقيقة المؤامرة على الصحافة القومية

31/08/2016 - 10:39:50

  حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

على هامش تدشين مصنع  «إيثيديكو» جمعتنا وقفة ثلاثية مع المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء، ضمت كاتب هذه السطور والأستاذ غالى محمد رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير «المصور» والأستاذ ياسر رزق رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير «الأخبار»، ودار الحديث عن الأزمة المالية العنيفة التى تعصف بالمؤسسات الصحفية القومية.


 وتكفلت باقتراح جلسة عمل يدعو إليها رئيس الوزراء رؤساء مجالس إدارات المؤسسات القومية يتدارسون فيها سبل الخروج من الأزمة، وافق رئيس الوزراء مشكورا ودعانى إلى هذه الجلسة،  فاعتذرت لأنى خارج الموضوع تماماً، وتضاحكنا على أمل عقد هذه الجلسة.


 رئيس الوزراء كان واضحا ومرحبا على شرط، هاتوا دراساتكم واقتراحاتكم، لازم حلول، لا نستطيع الاستمرار فى سياسة الإعانات المالية طويلا، وهنا مربط الفرس قبل القول بنظرية المؤامرة التى تحدثت عنها افتتاحية مجلة « المصور» الأسبوع الماضى، والتى قررت أنه لا أحد يقف فى ظهر الصحف القومية إلا الرئيس عبد الفتاح السيسى، وهذا حقيقى وواقعى وبكل المعاني، ولكن هل وقفت المؤسسات القومية أصلا مع نفسها، هل أصلحت من حالها، هل راجعت حساباتها مع تغير الظرف السياسى والاقتصادى الحاكم للموازنة المصرية التى ترتجى الله فى قرض الصندوق.


 أقول قولى هذا وقد يغضب أصدقاء ممن أكن لهم كل المودة، وأعلم قسوة الظرف الذين يعملون فى سياقه، ويكلفهم مالايطيقون، والصديق غالى محمد نموذج ومثال صارخ على هذه المعاناة الرهيبة فى تدبير المخصصات المالية لاحتياجات دار الهلال العريقة، وكيف أنه يلبس طاقية ده لده، ويغزل برجل....، ويقف على قدم وساق، وعلى أطراف الأصابع على مدار الساعة حذر الانهيار المحتم لقوائم هذه الدار إذا استمرت هياكلها الصحفية والمالية والإدارية دون فرمتة وتغيير للسوفت وير. واستحداث آليات جديدة فى التحرير والطباعة والتوزيع، إن يديه مقيدة ومطلوب منه السباحة فى سوق صحفى يموج بالاضطرابات التوزيعية وتشح فيه الموارد الإعلانية، كان الله فى العون.


وإلى أن يدعو رئيس الوزراء الزملاء رؤساء مجالس الإدارات إلى جلسة العمل، أضع بين أيدى رئيس الوزراء خطوطا عريضة لملامح الأزمة الراهنة فى المؤسسات الصحفية، لعل وعسى...


اولا : أزمة التكليف، الزملاء رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير انتهت مددهم فى الرئاسات قبل شهور، واستمرارية هذا الوضع الحرج لا يمكن الرئاسات من الشروع فى تطوير أو تحديث أو تحريك كرسى فى مؤسساتهم، مكبلين، ومفتوح عليهم النيران من كل الاتجاهات، من الحالمين أو الطامعين أو الرافضين، فى وضع جد صعيب، وكل أسبوع مشروع بقانون، وكل يوم شائعة بالتغيير، وكل يوم تتقلب معدة المؤسسات على نحو يصيبها بارتباكات مؤسسية، لاتمكن من إنجاز عمل حقيقى، لاهم باقون ولاهم راحلون، رجل جوه ورجل بره، ليس أخطر على المؤسسات إلا استمرارية هذا الوضع العجيب.


ثانيا : التأخر المريب فى إنجاز قوانين الصحافة كما نص عليها الدستور، وكان جرى اتفاق معلوم بين رئاسة الوزراء فى عهد المهندس إبراهيم محلب والنقابة والمجلس الأعلى للصحافة، وخرج القانون ولم يعد، نسمع عن مراجعات للقانون فى مجلس الدولة ، وتعديلات بغير اتفاق، وتجنيب للنقابة، واستحضار المجلس الأعلى للصحافة، وغيرها كثير من المداولات التى تضيع وقتا طويلا، يستغله البعض لإدخال قوانين جديدة إلى البرلمان. وكل أسبوع بقانون، مخمضة لاتتحملها المؤسسات ضعيفة البنية، تعصف بها، وباستقرارها طالما هناك مشروع قانون محل اتفاق وتراض فليحترم، وليتوفر مجلس الدولة على إنجازه، وليجتهد مجلس الوزراء لتقديمه إلى البرلمان، ولينجز البرلمان المهمة عاجلا لإنقاذ الصحافة القومية من مصير أسود يتهددها.


ثالثا: دراسة حقيقية وموثقة ورقمية يقوم عليها متخصصون حول مزايا الجمع بين رئاسة مجلس الإدارة ورئيس التحرير، ومسالب هذه التجربة. وهل الفصل أجدى وأنفع، الجمع أو الفصل ليس على الهوى أو ترضيات. ولكن اقتصاديات، هناك تجربة ربع قرن من الجمع، هل حققت نفعا، هناك تجربة لسنوات فى الفصل هل حققت نفعا، المؤسسات لا تدار هكذا مرة جمع ومرة فصل، ولماذا تجمع هنا وتفصل هناك، شخصنة المناصب الصحفية تضر كثيرا باقتصاديات هذه المؤسسات ويعجزها عن إدراك النجاحات المرجوة .


رابعا : مواصفات رئيس مجلس الإدارة، فى ظل ندرة الكفاءات الاقتصادية فى المؤسسات الصحفية على غرارعبدالله عبد البارى وسعيد سنبل رحمة الله عليهما، هل يجوز استقدام كفاءات اقتصادية من خارج المؤسسات لإدارة هذه المؤسسات على أسس اقتصادية، أم أن اقتصاديات الصحف يلزمها صحفيين متمرسين أو متخصصين فى الجانب الاقتصادى، معلوم المدير الناجح ربما ليس أشطر الصحفيين، هناك قامات صحفية فذة أخفقت اقتصاديا فى إدارة مؤسساتها الصحفية، ولا ينبئك مثل خبير.


خامسا : المؤسسات بلغت حد الجفاف التمويلى، وبعضها يتلقى رواتب شهرية بانتظام وبعضها يتعيش على الدفعات كل حين، والأرقام التى سحبت من الحكومة على المكشوف متداولة على الفضائيات، إلى متى ستظل هذه الرعاية والكفالة، أليس هناك خطط لهيكلة المؤسسات جذريا. طلبا للاستغناء عن الدعم الحكومى الذى تعير به هذه المؤسسات، الأمر برمته يحتاج إلى شجاعة فى إسقاط الديون الحكومية بقانون من البرلمان. وبعدها تجرى جدولة الديون التجارية، مع دفق مالى بنكى للتعويم فى شكل قروض ميسرة أو شراكات بنكية، وهذا بعض المطروح وفى جعبة الاقتصاديين حلول، وعند مكتب حازم حسن دراسات جرت على بعض هذه المؤسسات سابقا يجب التعاطى  معها إيجابيا لفكفكة أزمة هذه المؤسسات.


هذا قليل من كثير، ولعله أخطر من المؤامرة على المؤسسات القومية من خارجها كما جاء فى افتتاحية « المصور» ، مايجرى بداخلها، جد خطير، ويؤذن بالانهيار، وكما يقولون أهل مكة أدرى بشعابها، ورؤساء مجالس الإدارات أدرى بشعابها، التقيهم أعزك الله قبل فوات الأوان.