بتوقيع صناع فيلم اشتباك .. (البلد دي رايحة) على مصير دموي

29/08/2016 - 10:58:16

كتب : د. حسن عطية

يمتلك المبدع كل الحرية فى التعبير عن رؤيته للفن والمجتمع والحياة عبر عمله المنجز ، ويمتلك الجمهور كل الحرية فى اختيار هذا العمل المبدع أو ذاك لتلقيه ، ورغم أن الناقد لا يمتلك رفاهية الاختيار هذه التى يمتلكها الجمهور ، فإن عليه تلقي كل الأعمال الفنية المقدمة أمامه دون موقف مسبق تجاهها ، فهذا هو عمله ، وإن أمتلك بالطبع ذات الحرية المكفولة للفنان والجمهور فى التعبير عن رأيه فيما يتلقاه ، فحرية الرأي مكفولة للجميع .
من هنا يبدو تعدد الآراء المختلفة المستقبلة لفيلم (اشتباك) أمرا صحيا ، لاسيما إذا ما استبعدنا الانحيازات الشخصية ، إيديولوجية أو وجدانية أو تسويقية ، التى صاحبت إنتاج الفيلم وعرضه فى مهرجان كان ثم تجاريا فى مصر ، وحاولت أن تروج للفيلم بصورة فجة ، وأدخلت الدولة طرفا فى فضاء التلقي المتعدد للفيلم ، باتهامها بمحاربته، رغم غموض مفهوم الدولة هذا ، الذى نعممه على كل شيء ، ونستخدمه غالبا فى غير مكانه ، فإذا كان المقصود بالدولة قنوات التليفزيون الحكومية ، لقيام برنامج بالقناة الأولى بالهجوم على الفيلم باعتباره يقدم "صورة مشوهة لمصر" قبل عرضه فى مصر ، اعتمادا على دور المخرج كناشط سياسى خلال السنوات الأخيرة ، ولمشاركة الداعية الديني "معز مسعود" فى إنتاجه مع جهات غير مصرية، وإن كانت قناة النيل للدراما ، وهى حكومية أيضا ، قد احتفت أكثر من مرة بالفيلم وصناعه بصورة بدت كحملة إعلامية / إعلانية للفيلم ، توازت معها حملة مشابهة قادتها قناة CBC ليلة العرض الأول للفيلم جماهيريا ، فضلا عن حلقة سابقة لذات البرنامج جرى فيها لقاء مع المخرج وصلاح أبو إسماعيل ، أعلن الأول فيه إعجابه وتحمسه لفكر الثاني . أما إذا كان المقصود بالدولة وزارة الثقافة ، فإن جهازها الوحيد صاحب العلاقة بالموضوع وهو الرقابة على المصنفات الفنية ، فقد وافق على عرض الفيلم دون مشاكل مفتعلة .
قضية ساخنة وحساسة
أما تعدد الآراء واختلافها فى ساحات النقد والتحرير الصحفي فهو ليس جديدا على عالم التلقي لفيلم جاد ، خاصة وهو يطرح قضية ساخنة وشديدة الحساسية اليوم فى المجتمع ، وتتعلق بسؤال الحاضر المتكرر فى كل مكان وبين كل المهمومين بمصير الوطن "البلد دي رايحة على فين ؟ " ، وما يستدعيه هذا السؤال من إجابات متراوحة بين التشاؤم الغارق فى العدمية والتفاؤل المتعلق بآمال التغيير ، وهى إجابات استقرت للأسف بعقول الجميع ، ولم يعد أحدا مستعدا للحوار حولها ، بل هو جاهز دوما لإدانة الآخر وتخوينه لمجرد أنه يرى رأيا مخالفا لرأيه ، وهو ما سرى على عملية تلقي فيلم (اشتباك) ، فكل من توجه لمشاهدة الفيلم وحلل وفسر وأول وقائعه ونهايته المأسوية ارتكز فى الأساس علي موقفه المسبق من ثورتى 25 يناير و 30 يونيو، ونتائجهما الماثلة على أرض الواقع .
وهو أمر طبيعي ، فلا أحد يستطيع أن يدخل لدار السينما تاركا عقله المفكر على بابها ، خاصة مع فيلمنا هذا والذى أسس حبكته على موضوع التناحر الفكرى حول قيام ثورتي يناير ويونيو ونتائجهما ، وأدار حدثه الدرامي حول سيارة شرطة ، بكل ما تستدعيه كلمة شرطة من تداعيات فكرية ونفسية لدى الجمهور المشاهد تجاه هذا الجهاز الأمنى الذى كان أحد مفجرات الثورة الأولي ، وحرك حدثه الدرامي بالقذف بهذه السيارة فى خضم شوارع مزدحمة بالمظاهرات الهاتفة بالشعار ونقيضه ، وهى المظاهرات التى احتضنت هذا الحدث الدرامي والدائر حول سيارة ترحيلات فى مهب ريح الغضب ، ولو تصورنا سيارة للشرطة تحمل مجموعة من المقبوض عليهم ، ناقلة إياهم لمديرية الأمن أو أحد أقسامها ، انقلبت بهم أثناء السير ، فلن يكون لدينا غير حادثة نقرأها فى صفحة الحوادث ، أما تحولها لحدث درامي فهو نتاج للمعوقات التى تعترض طريقها ، وللنهاية المأسوية التى انتهت إليها بركابها على أيدي هذه المظاهرات المحيطة بها والمعرقلة لطريقها .
فض الاشتباك
من هنا تتحول الحادثة الواقعية إلى حدث درامي ، وينتقل الفيلم بنا من الطبيعة التسجيلية الموثقة لحادثة سيارة مات كل من فيها فى لحظة زمنية محددة ، إلى الطبيعة الروائية التى تقدم رؤية كلية للعالم تصلح لكل زمان ومكان ، ويصبح بالتالي لكل واقعة ولفعل كل شخصية داخل سياق الفيلم دلالته الأكثر شمولية ، وإن ظلت مرجعية الواقع ماثلة أمام أعين المشاهد ، فمنذ قراءته لعنوان الفيلم (اشتباك) لابد وإن ذهنه يستدعي كل ما يتعلق بهذا المصطلح الذى صار دارجا ومتكرر الاستخدام فى السنوات الأخيرة ، ويصاحبه دوما مصطلح (فض الاشتباك) ، الذى يعنى القضاء على اللقاء الدموى بين فريقين مختلفي الأفكار ، عادة بعنف الشرطة ، وهو ما يجعل الفيلم صورة جمالية مكثفة لواقع مشتبك يهفو للخلاص بفض اشتباكه ، والذى حدده الفيلم فى صورة فوضى عارمة تجتاح الشارع المصرى ، ناتجة عن صراع بين فريقين أساسيين هما فريق الإخوان المسلمين ، أصحاب شعار "إسلامية إسلامية" فى الفيلم والمعبر عن إيديولوجية هذا الفريق ، وفريق المؤيدين للنظام القائم رافعو شعار "تسلم الأيادى" أيضا فى الفيلم والمعبر بدوره لا عن إيديولوجية فريقه وإنما فقط عن انتصاره على الفريق الأول ، أما الفرق الأخرى فهى على هامش هذين القطبين ، أو بمعنى أكثر دقة وفقا لبنية الفيلم السينمائية ، هى بين شقى رحي هذين القطبين ، وهو ما يحدد منذ البدء رؤية الفيلم للصراع القائم فى المجتمع وحصره بين جماعة الإخوان والنظام السياسى القائم ، ويضعهما فى حالة اشتباك دائم ، مع إخراج سيارة الشرطة بهذا التقسيم الحاد خارج الصراع بين الطرفين ، مما خلصها ظاهريا من دلالتها كرمز للسلطة ، وحملها بدلالة أكبر من طاقتها وموقعها فى سياق الفيلم ، فصارت تعنى الوطن كله ، وما سيؤول إليه مصيره نتيجة للصراع الدموى بين الفريقين ، وهو ما أحدث التباسا لدى المتلقي ، فكيف يمكن التعبير عن دلالة الوطن الممزق بين فريقى النظامين الحالى والسابق - وفقا لبناء الفيلم وبناء على أن وقائعه تجري عقب انتصار الأول على الثاني - بسيارة شرطة تتلقف فى إحدى المظاهرات نماذج من الفريقين ومن غيرهما مقبوضا عليهم ، ومنسحقين أمام هراوات نفس رجال الشرطة التابعة لهم هذه السيارة ؟
الرقابة
وسواء فرضت الرقابة على المصنفات الفنية على صناع الفيلم ، كما يشاع ، وضع لافتة فى مفتتح الفيلم تفيد بأن وقائعه تدور بعد ثورة 30 يونيو ، أو أن صناع الفيلم هم الذين أصروا على وضعها ، كما أعلن وزير الثقافة بنفسه فى حوار تليفزيونى ، فأن وقائع الفيلم ذاته تشير بصورة حاسمة إلى أن الحدث الدرامي جرى بعد 30 يونيو ، وسقوط حكم "محمد مرسي" ، مثل حديث المنتمين للإخوان داخل السيارة عما سيحدث "عندما يعودون للحكم" ، وأغنية (تسلم الأيادى) المستخدمة كهتاف للمؤيدين للنظام الجديد ، لم تظهر إلا بعد اندلاع الثورة المقصية لنظام الإخوان ، كما أن وضع هذه العبارة يرحل زمن وقائع الفيلم إلى ما بعد 30 يونيو ، مما يجعل الواقع المؤلم الذى نراه على الشاشة ، والفوضى السائدة فى الشارع ، والانقسام القائم فى المجتمع بين فريقين فقط ، هو نتاج الثورة الثانية وليس الأولي ، وهو ما يؤدى بالتالي لتلقي الفيلم وحدثه وشخصياته وأفعالهم وأقوالهم والواقع المرئي المحيط بهم ، وفهم دلالاتهم فى ضوء اللحظة الزمنية التى يعيشون داخله ، وهى المنتمية بالضرورة للحظة الحاضرة والنظام القائم والفكر المهيمن ، وهو ما يخلع هذا المعنى الذى يخرج به الجمهور من الفيلم على اللحظة الراهنة التى يتلقاه فيها ، ويجعل خاتمة الفيلم المأسوية نهاية (سينمائية) لمقدمات يراها الفيلم شبيهة بمقدمات موجودة الآن فى الواقع ، و(يتنبأ) بناء على ذلك بأن هذه النهاية المأسوية هى التى ستحدث فى الواقع ، نظرا لهذا الصراع الدموى القائم بين الفريقين .
رؤية صناع الفيلم
يحدد المشهد الأول بالفيلم رؤية صناعه لموضوعهما ، حيث نرى سيارة الشرطة من الداخل فارغة بعين كاميرا الفيلم ، الممثلة فى هذه الحالة لعين مخرج الفيلم ، بينما أصوات المظاهرات الدائرة فى الشارع وتصدى الشرطة لها تأتينا من الخارج ، ثم يفتح باب السيارة لتزج أيدي رجال الشرطة بالمجموعة الأولى من المقبوض عليهم بصورة عشوائية داخلها ، حيث تصادف وجود أغلبهم بالصدفة فى موقع المظاهرات ، ومع ذلك فإن متظاهري الخارج لا يتعاطفون مع المقبوض عليهم ، ويقومون بقذفهم بالحجارة باعتبارهم خونة ، مما يجعل هذا المشهد عتبة ثانية ، بعد العنوان ، لفهم دلالات الفيلم فى صورته الكلية ، والذى حرص طوال الوقت على تقسيم مجتمع الفيلم إلى فريقين متصارعين بصورة قاطعة .
وتقف سيارة الترحيلات لفترة طويلة فى مكان ما تندلع فيه المظاهرات ، وراحت كاميرا الفيلم تتابع حركة المجموعة الأولى المقبوض عليها داخلها ، وتنظر معهم عبر نوافذ السيارة وبابها المفتوح غالبا للشارع ومظاهراته ، ثم يتوالى الزج بآخرين لداخل السيارة ، من شرائح اجتماعية متوسطة ودنيا ، ومن أعمار مختلفة ، ودون تفرقة بين رجل وامرأة ، ولا بين متطرف ومعتدل ، إنهم النماذج التى أراد صناع الفيلم أن يمثلوا بها المجتمع المصرى ، وأن يحبسهم داخل سيارة شرطة دون ذنب جنوه ، ولا تتحرك السيارة من موقعها إلا عقب اصطياد أحد القناصة لأحد الضباط ، وقتل الشرطة للقناص بعد القبض عليه ضربا ، فينقلنا الفيلم لفصل جديد ، تقف خلاله السيارة فى موقع مغاير ، وتهدأ المظاهرات ويقل التوتر الخارجي ، ليتيح الفيلم أمام المجموعة المقبوض عليها داخل السيارة فرصة الاسترخاء والانتقال من أحاديث الاختلاف الفكرى إلى حوار المحبة والتسامح الإنسانى ومعالجة المصابين ، كما تطل عيونهم على جنود الشرطة وهم أيضا يتناولون طعامهم فى الهدوء الواقع بين تشابك وآخر .
يأخذنا الفصل الثالث من الفيلم لعنف الشارع مرة أخرى ، ولاختلاف مجموعة المقبوض عليهم فيما بينهم ، حتى مع توقف السيارة لأمر مجهول فى طريق مغاير لطريق مديرية الأمن ، وظهور مفاجئ أيضا لشقيق أحد المقبوض عليهم ، والذى يظهر فى هذا المكان النائي دون أن نري فردا من جنود السيارة ، ومحاولته إنقاذهم بكسر قفل باب السيارة أو الاصطدام بها فى أحد الأسوار دون جدوى ، فهم أيضا يختلفون حول فعله ، وحول فكرة الهرب من السيارة ، بل وحول نجاتهم ، فيجبرونه فى نهاية المطاف للتوجه نحو ساحة المظاهرات كى ينقذهم أحد منهم ، فيقودهم للهلاك حيث تظهر مرة أخرى مجموعات من متظاهري الفريقين ، وأن ارتفع شريط الصوت أكثر بأصوات رافعي شعار "تسلم الأيادي" ، الذين يقومون بقلب السيارة وإخراجهم لموت محتمل ، فيصل الفيلم بالتالي لنهايته المأسوية المتفقة مع مقدماته ، بعد أن وضع الجميع مرة أخرى بين شقى رحى الإخوان والنظام ، ودفع كل شريحة من المجموعة المقبوض عليها للنداء على الفريق المنتمي إليه "نحن منكم" ، غير أن القناعة التى وصلت إليها مجموعة المحتجزين ، والتى تمثل المجتمع المصرى ككل وفقا لبناء الفيلم ، "لو روحنا أي مظاهرة في الناحيتين ، هنموت كلنا" ، وهى الرسالة التى تستقر بوجدان المشاهد وهو يخرج من دار العرض متشائما ومدينا بصورة مطلقة كلا الطرفين المتصارعين : السابق والقائم ، فهما فقط من يملكان الشارع ، ومصير البلد دموى إذا ما أستمر الصراع بينهما ، وعلى الجمهور أن يفكر فى الحل الأمثل لفض الاشتباك بين هذين الفريقين ، دون أى انتباه إلى فرق أخرى تلعب فى الساحة للاستيلاء على قيادة المجتمع ، أبرزها فريق النظام السابق على ثورة يناير القابض على اقتصاد البلد ، وفريق السلفيين القابض على عقل المجتمع .
وهى رسالة لم يفرضها أحدا على الفيلم من خارجه ، بل هى النتيجة المنطقية لبناء الفيلم الذى كتبه "خالد دياب" مع شقيقه المخرج "محمد دياب" الذى صاغ فيلما يعتمد على التشويق ، ويسمو بالصورة المرئية ويخلق تدفقا سلسلا لحركة الفيلم ، مقدما مع بقية صناع الفيلم من فنانين وفنيين رؤيتهم لواقع المجتمع المصري ، دون أية حيادية ، فالفن عامة لا حياد فيه ، وهذا الفيلم خاصة لم يتحرك صناعه لمجرد تقديم صورة من الواقع ، فما قدموه هو صورة للواقع الذى يرونه ، وصياغة لتقديرهم لمجتمعهم فى لحظته الراهنة ، ولهم كل الحق فى التعبير عنه فى فيلمهم ، دون مصادرة على حق الآخرين فى تقديم تقدير مختلف لحركة المجتمع اليوم ، ولموقف الفيلم منه .