تعلمت الإغراء علي المسرح

29/08/2016 - 10:38:32

برلتني عبدالحميد برلتني عبدالحميد

بقلم : النجمة برلتني عبدالحميد

بعد أسبوع واحد من دخولي معهد التمثيل حدث لي شيء لم يكن يخطر لي ببال فقد دخلت المعهد والعام الدراسي يوشك أن ينتهى والمعهد يستعد لتقديم حفلته السنوية وطلبة السنوات النهائىة يحتكرون البطولات وينظرون بازدراء واستخفاف إلي طلبة السنوات الأولي الذين سيكونون الكومبارس.
أنا شخصيا قليلة الخبرة بل عديمة التجربة ولم أعرض نفسي لهذه النظرات من كبار الطلبة وأوليات الطالبات فإنني لا أدلوا بدلوي في بئر لا أعرف غوره!
انطويت علي نفسي واحتضنت كتبي الجديدة واخترت مقعدا قصيا جلست عليه بينما الممثلون الكبار يروحون ويغدون ويذكرون بصوت مرتفع نوادر البروفات وأعاجيب الحوار وغرائب ما يحدث بينهم مما يحدث الإعجاب والسخرية أو الضحكات ومنيت النفس أن أكون مثلهم في يوم من الأيام كلها سنوات ثلاث وأقفز قفزا إلي السنة النهائية وأصبح شيئا مرموقا يتحدث بصوت عال كلا لن أتحدث بصوت عال سأدع زملائي هم الذين يتحدثون عني بصوت عال.
ومللت المعهد في ذلك اليوم فقد كان المدرسون مشغولين بالاعداد للحفلة ولم يأخذ اليوم الدراسي شكلا جادا ولهذا عولت علي الانصراف وما أن بلغت الباب الخارجي حتي سمعت صوتا يناديني «آنسة برلنتي... آنسة برلنتي» ونظرت إلي الخلف لأجد ساعي العميد يقول: السيد العميد عاوزك.. ودخلت حجرة الأستاذ زكي طليمات دخلتها مرة من قبل من أسبوع عندما جئت لألتحق بالمعهد في قسم النقد فقال لي إنه لا فارق يذكر بين ما يدرس في قسم النقد وقسم التمثيل وأن الفن يحتاج للجنس اللطيف الذي يتردد في اقتحام الميدان وقلت له إنني أريد أن أكون صحفية ولكنه أصر واقنعني تري ماذا يريد هذه المرة؟
غير أنه لم يتركني للتساؤل طويلا فما كدت أجلس حتي ابتدرني بقوله:
أنت حاتمثلي دور البطولة في دور مسرحية «الصعلوك»..
وسألته أن يعيد ما قاله فإنني لم افهمه أو ربما لم اسمعه أو ربما لم أعقله فقال لي في إصراره الذي أعرفه.
- أنت حاتمثلي دور البطولة في مسرحية الصعلوك المعهد حايقدم المسرحية دي في حفلته السنوية علي مسرح «بورت» والحفلة محدد لها بعد بكره النهاردة التلات وبعد بكرة الخميس مفهوم؟!
وبدا علي وجهي أنه غير مفهوم فاستطرد يقول:
البطلة كانت زميلة لك الآنسة ملك الجمل والنهاردة بس بلغتنا أنها عيانة وما تقدرش تمثل فيه عندنا غيرها لكن أنا عارف أنهم ما ينفعوش للدور وأنا اخترتك انت علي مسئوليتي.. أنا شخصيا كنت في ذهول كيف يمكن أن يحدث هذا كيف يمكن أن اتصور أن أقف علي المسرح لأول مرة في حياتي فأكون البطلة هل ستبهط علي موهبة من السماء في يوم وليلة فتجعلني بطلة؟ الحقيقة أنا ما سمعت من الأستاذ زكي طليمات كان مفاجأة من جميع الوجوه وكان يجب أن يعطيني اسبوعا علي الأقل لافكر ولكن موعد الحفلة أزف بعد يومين فقط «حسبة 54 ساعة» تماما أربع وخمسون ساعة احصيتها وانا جالسة أمامه وهو ينظر إلي نظرة يريدني أن أتحرر بها من خوفي وقفزت إلي رأسي العبارات التي كنت اسمعها من دقائق من التلاميذ «الكبار» إذن فها أنا بعد دقائق في عدادهم واستطيع الآن أن أنضم إليهم واتحدث عن نوادر وذكريات وفجأة أخرجني الاستاذ زكي طليمات من كل هذه التأملات قال لي:
- عندنا مدرس للتمثيل سيتولي تدريبك والبطل أمامك عبدالغني قمر إنه مجتهد وسيساعدك كثيرا علي فهم دورك سنبدأ الأن وبدأنا كان هم الأستاذ زكي طليمات أن أعرف كيف أتحرك علي المسرح وقد ظل يعمل معي هو ومدرس التمثيل إلي ساعة متأخرة من الليل وعبدالغني قمر أبدي روحا طيبة وأنا أبديت استعداداً للاستيعاب استراح له الأستاذ زكي طليمات وأن ظل المدرس ينظر إلي الأمر كله بتشكك وريبة!
وعدت إلي البيت والمسرحية في يدي لأحفظ دوري أمضيت هزيعا من الليل أمثل وأوقظ الجيران بصوتي وتعبت من كثرة الاجهاد فنمت مع الفجر وصحوت لأذهب إلي المعهد في الصباح الباكر وكانت تنتظرني مفاجأة آليمة.. الأستاذ زكي طليمات مريض وقال لي الزميل عبدالغني قمر إنه ترك خبرا ليتولي المدرس تدريبي نيابة عنه!
وظللنا ننتظر المدرس عدة ساعات ولم يحضر وسألنا عنه في بيته فقالوا إنه غادره وسألنا عنه في كل مكان يمكن أن يذهب إليه فلم نعثر له علي أثر وتذكرت نظرة التشكك والريبة التي كان ينظر بها إلي الأمر كله وتأكد لي أنه هرب حتي لا يتحمل المسئولية!
وقال الزميل عبدالغني قمر إنه سيتحمل المسئولية وبدأنا نمثل أنا وهو وكلما اخطأت ارشدني ويبدو أنني بدأت احس المسئولية معه فإنني لم أتعبه وأبديت من التقدم ما جعله يسر كثيرا حتي بقية الزملاء كانوا في دهشة من الأمر وكانوا في أول الأمر ينظرون إلي بشماتة ويتوقعون لي الفشل فلما رأوا إنني أريد أن أنجح عاونوني...
ولما عدت إلي البيت بدأت أحفظ دوري من جديد وسهرت حتي مطلع الفجر ونمت حتي الضحي وذهبت لإجراء البروفة النهائية في مسرح بورت وكان كل شيء علي ما يرام أما المدرس فقد ظل مختفيا أما الأستاذ زكي طليمات فقد جاءت أنباء تقول إن الطبيب سمح له بأن يغادر الفراش ليري الحفلة في الليل.
وفي المساء ذهبت إلي المسرح لأواجه الجمهور لأول مرة كنت مضطربة شديدة الاضطراب وأقبل الأستاذ زكي طليمات فسارع عبدالغني يطمئنه ووقف الأستاذ زكي طليمات بين الكواليس يسدي إلي نصائحه لا تخافي لا ترتجفي أنا واثق منك فأياك أن تضيعي ثقتي أن مستقبلك يكتب الليلة وعلي هذا المسرح تدونين شهادة ميلادك الفنية تحركي بدلال فأنت في المسرحية غانية واستعملي باغراء ثياب النوم التي ترتدينها اتفهمين مرة أخري لا تخافي!
ودق المسرح دقاته الثلاث التقليدية خلتها دقات حكم الإعدام وانبثق العرق من كل جسدي وأعاد زكي طليمات نصائحه والستار يرتفع وأنا أخطو لأول تجربة في حياتي..
كنت أرتدي قميص نوم فوقه روب شفاف!
ومضت المسرحية في طريقها المرسوم... وكانت بعض المقاعد الأمامية خالية مقاعد عدد من المدعويين لم يجيئوا وحدث هرج فقد أقبل متفرجون من الصفوف الخلفية ليحتلوا المقاعد الخالية في الصفوف الأمامية ولينفرسوا جيدا في الروب الشفاف وقميص النوم!
واسدلت الستارة علي الفصل الأول وعدت إلي الكواليس وجسدي ينضح عرقا وهنأني الأستاذ زكي علي ثابتي علي المسرح وقال لي الزميل عبدالغني قمر إنه لم يتصور أن أكون هكذا أما مدرس التمثيل الهارب فقد عاد ووقف وعلي وجهه علامة استفهام كبيرة كأنما ينتظر ريثما تنتهي المسرحية ليري أثرها علي الجمهور ثم بعد ذلك يبدي رأيه.
أما الفصل الثاني من المسرحية فقد تطلب أن أكون أكثر إثارة وقد كنت، أما الجمهور فقد جن بهذه الاثارة وكثرت التعليقات وذوو الوقار في المقاعد الخلفية تنازعوا المقاعد الأمامية وعلا صخب الصالة علي أصواتنا وأسدلت الستارة بعد أن أصبح التمثيل متعذرا واقتحم الأستاذ زكي طليمات المسرح ليوجه إلي الجمهور رجاء بأن يخلد إلي السكون حتي تنتهي المسرحية.
وارتفعت الستارة من جديد أنا شخصيا احسست بانتفاخ وزهو مادمت استطيع أن احرك الجماهير إلي هذا الحد ويبدو أن هذا الزهو كانت له نتائجه فإنني بالغت في الاغراء في غير ابتذال واتقنت دوري في غير خروج عن الخطوط المرسومة لي ومضت المسرحية إلي نهايتها بنجاح لم يكن يتوقعه أحد.
وفي تلك الليلة فعلا كتبت شهادة ميلادي الفني وهي قصة اسوقها إلي الذين يعتقدون أن إغرائي بدأ علي الشاشة كلا لقد بدأ علي المسرح وبدأ في أول ليلة واجهت فيها الجمهور بعد أن هرب المدرس ومرض زكي طليمات وارتديت ثوبا شفافا يخلب الألباب!
الكواكب - عدد 434 - 24 نوفمبر 1959