كافحت الإنجليز بغنائى

29/08/2016 - 10:37:34

منيرة المهدية منيرة المهدية

بقلم : السيدة منيرة المهدية

كانت منيرة المهدية تعرف أثناء ثورة 1919 باسم سلطانة الطرب، وكانت وقتها تتربع علي عرش الطرب والفن في مصر.. وقد كان مسرحها قبلة المعجبين من العظماء، بل يقال أن أحد رؤساء الوزراء القدامي كان يعقد مجلس وزرائه في صالونها.. وقد كان لمنيرة المهدية وهي في ذروة مجدها دورها في مكافحة الإنجليز بأغانيها كما تروي في هذا الحديث..
كان الشيخ يونس القاضي - وهو أشهر مؤلفي الأغاني وقتذاك - يمدني بكثير من الروايات الناجحة التي كانت تدور حول كفاحنا ضد المستعمر البغيض، ولكن بطريق الغمز واللمز والتورية، لأن الرقابة التي وضعها الإنجليز علي ما تقدم دور المسرح والسينما والملاهي في ذلك الوقت كانت تحول دون مصارحة الإنجليزي بكرهنا لهم فيما نقدمه من روايات وأغان.
وفي ذلك قدمت علي المسرح الذي كنت أعمل فيه - وهو دار التمثيل العربي - مسرحية اسمها «كلها يومين»، وفي هذه المسرحية كنت أقوم بدور بائعة زبدة، فأحمل فوق رأسي وعاء به بضاعتي، فأسير بها منادية عليها بأغنية أقول فيها:
صابحة الزبدة بلدي الزبدة
ياولاد بلدي زبدة يا ولدي
اشتري واوزن عندك واخزن
واوع تبيعها ولا تودعهــــــــا
عند اللي يخون
لتعيش مغبون
وازي حاتهون .. بلدي..
وهذا كلام لم يكن فيه طبعا ما يدعو إلي تدخل الرقابة، ولم يكن قلم الرقيب ليستطيع أن يشطب حرفا واحدا جيدا، ولكن كان للأغنية معناها الذي يفهمه الجمهور جيداً وكانت تهدف إلي الحض علي كراهية المستعمر الغاصب.. وقد عرف المرحوم الشيخ سيد درويش كيف يضفي علي هذه الأغنية من فنه ما جعل القلوب تهتز عند سماعها والمشاعر تمتليء حماسة ضد المستعمر البغيض.
ولم تكن هذه هي الأغنية الوحيدة في رواية «كلها يومين» التي تثير الحماس ضد الإنجليز، بل كانت هناك أغنية أخري ترددها مجموعة من «الكورس» لأحد «الجناينية» وهو ممسك بالخرطوم يروي به حديقته.. فكان «الكورس» يقولون للجنايني في لهجة تحذير:
أوع الخرطوم ليروح منك
أوع الخرطوم أوع الخرطوم
وكلمة الخرطوم هنا التي رددها «الكورس» في هذه الأغنية كانت ثورية صريحة إلي مدينة الخرطوم عاصمة السودان، وتحذيرهم عندما يقولون «أوع الخرطوم» كان مقصودا به وجوب التمسك بخرطوم العاصمة!.. والذكري التي يعتز بها المغفور له سعد زغلول كان يتردد علي مسرح دار التمثيل العربي بلا انقطاع لمشاهدة تلك الروايات التي كنت أكافح بها الإنجليز.. وكنا نخصص له بنوارا معيناً بصفة دائمة كان يدفع ثمنه من جيبه الخاص.. وكان رحمه الله يبكي فرحا حينما يراني ويسمعني في كفاحي السلبي ضد الإنجليز وشرورهم.