أخطاء وخطايا وزير التموين

24/08/2016 - 4:14:50

بقلم أ.د: نادر نور الدين

بمقياس ارتفاع الأسعار ومعاناة الشعب خلال أكثر من ثلاثين شهرا تولي فيها الدكتور خالد حنفي وزير التموين الحالي مسئوليته يمكن الجزم بفشل وزير التموين والغلابة في منصبه بجدارة، بالإضافة إلى تعمده وضع نفسه كشخصية خلافية طوال الوقت. فلأول مرة في تاريخ مصر يصل سعر كيلوجرام الأرز إلى ١٠ جنيهات مصرية في بلد إنتاج وتصدير الأرز، بينما الشعوب غير المصرية تشتريه بما لا يزيد عن ٣-٥ جنيه، ولأول مرة في تاريخ مصر يصل سعر زيت الطعام إلى ١٥ جنيها والأنواع المتميزة إلى ٢٠ جنيها، وأن تصل اللحوم البلدية إلى ١٠٠ جنيه والمستوردة إلى ٦٠ بما يماثل ضعف سعرها حين تولي الوزير المنصب. فالوزير القادم من الغرفة التجارية والذي أصر وفور أدائه اليمين الدستورية أمام الرئيس عدلي منصور في مارس ٢٠١٤ على اصطحاب أحمد الوكيل رئيس الغرفة التجارية في جولة تفقدية في أسواق شارع سليمان دقي بحي الدقي بمحافظة الجيزة متشابكي الأيدي، وكأنهما يعلنان للكافة بأن هذا الوزير تابع للغرفة التجارية أو أن الغرفة التجارية قد استطاعت أخيرا السيطرة على وزارة التموين وأن زمن التجار وحرية الأسواق وقطع القبضة القوية للدولة لضبط أسعار الأسواق قد حان، وأنه لا كلمة قادمة إلا للتجار وأن رعاية الفقراء ستكون بزيادة المخصصات المالية لهم والتي ستذهب للتجار في سهولة ويسر وبسلع إذعان بعيدا عن السلع الأساسية التي تعارف عليها العالم للفقراء وتوافق عليها برنامج الغذاء العالمي بأنها الأرز والسكر وزيوت العام والمكرونة والبقول من فول وعدس وبقول جافة، وأن السلع التموينية للفقراء سوف تشهد عبوات حفاضات الأطفال ومساحيق الغسيل وعلب التونة المفتتة والمربى وكل ماهو غير أساسي وغير غذائي ولا يناسب الفقراء ومطبخهم، ولكنه يناسب التجار والموردين لتسويق بضاعتهم الراكدة في سوق مضمون يضم ٧٣ مليون مواطن على بطاقات التموين و ٨٣ مليونا على بطاقات الخبز وكأن أموال الدولة أصبحت حقا أصيلا للتجار تحت ستار قنبلة دخان كثيفة يطلقها الوزير بأنها رعاية الدولة والفقراء والذين وصلوا إلى ٩٣٪ من تعداد الشعب المصري، وهي نسبة لم تصل إليها أفقر شعوب القارة الأفريقية، والتي من العار أن تعلن مصر للعالم أنها تمنح دعما غذائيا لكامل الشعب المصري الفقير والمدعم، ثم ندعي أننا دولة حضارية وعريقة وأننا نسعي إلى ركب الدول المتقدمة.


وزير التموين وترك اللحوم البلدية للتجار فقط


ففي مجال اللحوم والذي يمكن اعتباره القطاع الأول القابل للحوكمة وعدم انفلات الأسعار، إلا أن الشعب لاحظ وجود اتفاق بين التجار وبين وزير التموين بحيث يقتصر بيع اللحوم في المجمعات التعاونية التابعة للدولة على اللحوم المستوردة فقط، وأن يترك أمر اللحوم البلدية المصرية إلى التجار فقط ودون أدني منافسة من الدولة، على الرغم من مزارع تسمين وزارة الزراعة بعجولها المتميزة والصحية كانت قادرة على إمداد المجمعات التعاونية، وكما هو معتاد منذ عشرات السنين باحتياجاتها من اللحوم البلدية المصرية، وبما لا يزيد بأسعار الوقت الحالي على ٧٥ جنيها مصريا فقط للكيلوجرام بدلا من وصولها في السوق المصري إلى ١٠٠ جنيه وفي الإسكندرية إلى قرب ١٢٠ جنيها. فوزارة الزراعة أعلنت عن توافر عجولها المصري بسعر ٣٤ جنيها للكيلوجرام القائم، ومعلوم أنها تصفي نحو ٦٠٪ من وزنها لحوما، وبالتالي يمكن أن تصل إلى المواطن المصري كلحوم كندوز صغيرة السن لا يزيد عمرها على ٣ سنوات بضعف هذا السعر أي مابين ٧٠ إلى ٧٥ جنيها وتحقق هامش ربح ممتازا، بالإضافة إلى الاستعانة بمزارع تسمين مصلحة السجون والقوات المسلحة. التجار مع وزير التموين منعوا هذا الأمر عن الشعب المصري ومنذ تولي خالد حنفي مسئوليته لم تقم المجمعات إلا بطرح اللحوم السوداني والبرازيلي مع منح استثناء للحوم السودانية والإثيوبية لتصل أعمارها إلى مابين ٧ سنوات إلى ١٠ سنوات أي عجول عجوزة تتطلب ساعات على النار للطهي ولا ينطبق عليها لقب اللحوم الكندوز التي لا يزيد عمرها على ٣ سنوات فقط، وبالتالي كان من البديهي لبيع هذه اللحوم العجوزة بسعر ٦٠ جنيها أن تصل اللحوم الكندوز المصري الصغيرة إلى ١٠٠ جنيه على الأقل. الغريب في الأمر هو تعمد وزير التموين غش المصريين بالإعلان دوما عن لحوم بلدية في المجمعات بينما هي سودانية ثم مرة أخرى يعلن عن لحوم طازجة مع التعمد بعدم ذكر أنها لحوم سودانية طازجة أي مذبوحة في يوم وصولها إلى الحدود المصرية السودانية أو إلى المحاجر البيطرية المصرية المخصصة لاستلامها في السويس والعين السخنة وأصبحنا ولأول مرة في تاريخ مصر لا نشعر أننا نتعامل مع وزير مصري لا يغش الشعب المصري أبدا ولا يخدعه ولا مصلحة له في ذلك لأن الحكومة في جانب الشعب دوما، ولكن بدأنا نشعر بأننا أمام تاجر ملاوع ويتحايل على الحقائق، فيعلن عن اللحوم العجوزة أنها كندوز وعن اللحوم السودانية بأنها لحوم طازجة، وبالتالي فقد الشعب الثقة تماما فيما تطرحه المجمعات من لحوم وانصرفوا إلى اللحوم البلدية، والتي يكفي الأسرة نصف كيلو منها بطعمه ومذاقه وأفضل من عشرة كيلوجرامات من مثيلاتها العجوزة المستوردة التي يخدعنا بها الوزير. الأمر الغريب أن يتعمد وزير التموين المنوط به الحفاظ على القانون أن يخالف القانون وأن تصدر تعليماته بختم اللحوم السودانية المستوردة بالخاتم الأحمر للحوم المصرية البلدية صغيرة السن في تعمد لغش المستهلك المصري؛ لتبدو وكأنها لحوم بلدية والنتيجة أنها تسربت إلى الأسواق ومحال الجزارة وبيعت على كونها لحوما بلدية بسبب توحيد الخاتم الأحمر وبذلك تكون الوزارة ساعدت على الفساد والإفساد بدلا من أن تمنعه وتحجمه ولا مبرر على الإطلاق لتغير الخاتم الأزرق البنفسجي للحوم المستوردة وختمها بخاتم اللحوم المصرية البلدية حتى أن بعض أصحاب محال الجزارة يدعون أنها تصل إليهم رغما عن إرادتهم من المجمعات بسبب ضعف بيعها حتى تقوم المجمعات بتسوية دفاترها على أن اللحوم تنفذ بها والحقيقة أنه لا أحد من المواطنين يشتريها ولكن يدفع بها إلى التجار لتعمد غش المستهلك المصري.


الأرز وزيوت الطعام


عند حصاد الأرز في شهر سبتمبر من العام الماضي أعلن وزير التجارة والصناعة منير فخرى عبد النور قرارا بحظر تصدير الأرز بسبب تراجع المساحات المزروعة بالأرز، وبالتالي فالمحصول سيكفي بالكاد الاستهلاك المحلي دون فائض للتصدير، إلا أن وزير التموين الحالي أكد للمهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء وقتها بأن المحصول كبير ويحقق فائضا للتصدير لا يقل عن مليون طن يمكن أن تحقق لمصر دخلا بالعملة الصعبة يدعم اقتصادها، فقام رئيس الوزراء بإلغاء قرار حظر التصدير وتم فتح الباب للتجار للتصدير. لم تمض ثلاثة أشهر على هذا القرار وبدأ الشعب المصري في شهر ديسمبر يعاني من نقص المطروح من الأرز واشتكى المستفيدون من بطاقات التموين بعدم قيام وزارة التموين بطرح الأرز ولا زيوت الطعام على سلع البطاقات التموينية، واستمر هذا الحال لنحو خمسة أشهر متتالية، بما أدى إلى لجوء هذا الكم الضخم والمستفيد من السلع التموينية والبالغ ٧٣ مليون نسمة بشراء احتياجاتهم من الأرز، والتي كانت الدولة توفرها لهم – من محال السوبر ماركت والبقالة، وبالتالي زاد الطلب وبشدة على الأرز المحلي واستغل التجار والمحتكرون الأمر فقاموا بمضاعفة أسعاره رغم أنه إنتاج محلي بالكامل لا يرتبط بالاستيراد أو بالدولار فارتفعت أسعار أرز الدرجة الأولى بنسبة كسر ٣٪ من ٤-٥ جنيه إلى ١٠ جنيهات ولأول مرة في تاريخ في مصر، كما تسببت أزمة زيوت الطعام في وصول أسعاره إلى ١٥ وبعضها إلى ١٨ جنيها بدلا من تسعة وعشرة جنيهات، في الوقت الذي كان الوزير يوهم الجميع بأن الزيت في المجمعات بثمانية جنيهات وأن الأرز ٤-٥ جنيه، بينما الوزارة اشترته من التجار في المناقصة التي طرحتها في بدايات أغسطس الجاري بسعر٥-٨٠ جنيه لأرز الدرجة الثالثة بنسبة كسر ١٢٪ وبالتالي باعته للمواطنين في المجمعات بسعر يقترب من سبعة جنيهات، بينما كانت تصريحات الوزير غير صحيحة وتتعمد عدم الشفافية أو الإعلان عن حقيقة الأمر.


فساد توريد القمح المحلي


فور تولي وزير التموين عمله وفي أول موسم توريد للقمح له في العام الماضي فوجئ المتخصصون في مجال القمح والسلع التموينية بأن الوزير قام بتغيير نظام تسلم القمح بشكل غير علمي ولا موضوعي بما يوحي وكأننا في اتجاه عصر فساد غير مسبوق. فوجئنا ولأول مرة في تاريخ مصر بأن الوزير أضاف بندا في مواصفات استلام القمح المحلي يسمح بعدم رفض القمح المصاب بالسوس والحشرات الذي يرد إلى الصوامع والشون، وهو ما لا ينطبق أبدا على القمح البلدي الطازج القادم توا من سنابله ومن الحقول حيث لا يصاب القمح بالسوس والحشرات إلا في المخازن وبعد تخزين طويل ولا ينطبق حتى على محصول العام السابق له، حيث ينص قرار الاستلام على أن يقتصر استلام القمح على محصول آخر سنة فقط، وبالتالي فهذا البند ينطبق فقط على الأقماح المستوردة الرخيصة، وكان الأمر الواضح أن وزير التموين يفتح الباب للتجار وأصحاب الصوامع بغش القمح المحلي وخلطه بالقمح المستورد، بينما الوزير هو المنوط به الحفاظ على المال العام ومنع هذا الغش تماما، وكان هذا البند الذي أضافه الوزير بنفسه ولأول مرة في تاريخ مصر كان فاضحا لبدء عصر فساد توريد القمح المحلي. ولأن الفساد ممنهج ومخطط ونعتقد جزما بأن وزير التموين قاده بنفسه وأشرف عليه، فوجئنا ولأول مرة أيضا في تاريخ مصر بأن وزير التموين يأمر بالسحب من القمح المحلي أثناء موسم التوريد دون الانتظار إلى نهاية الموسم كما هو معتاد من قبل وإجراء عمليات المطابقة والجرد والتأكد من أن المبالغ المدفوعة للصوامع والشون تطابق كميات القمح الموجودة ، وأدي قرار الوزير بالسحب أثناء موسم التوريد إلى تعمد إجهاض عملية الجرد والمطابقة وبالتالي إخفاء فساد بالمليارات في عملية التوريد، ولذلك لم تكن هناك مفاجأة على المتخصصين في القمح والصوامع من حدوث قفزة غير مبررة في توريد القمح في زمن خالد حنفي وارتفاع الكميات الموردة إلى ٥-٥ مليون طن بزيدة ٢ مليون طن عن المعدلات الثابتة في السنوات الخمس السابقة لتوليه الوزارة وبما يعادل سعرها ٦ مليارات جنيه مصري غير موجودة على أرض الواقع، ولا أحد يستطيع إجراء الجرد والمطابقة بسبب التخطيط الخبيث للوزير بالسحب أولا بأول من القمح المحلي بعد أن استنزف دون وجه حق المخزون الإستراتيجي من القمح الموجود في المخازن المصرية والذي يكفي المصريين لاستهلاك أربعة أشهر يضمن عدم التأثر بالظروف العالمية والحروب الإقليمية ومضاربات البورصة!! الغريب ورغم هذه الزيادة غير المبررة في توريد القمح إلا أن وزير التموين وقواته لم ترصد مخالفة واحدة في توريد العام الماضي، ولم تحول الشكاوي التي قدمت لها إلى النائب العام وبعضها في طوخ ومحافظة القليوبية، وكانت مصحوبة بمعاينة كاملة من ضباط المباحث إلا أنه تم وأدها في مهدها. هذا الأمر أدي إلى صدور تعليمات صريحة من الجهات السيادية والرقابية المصرية إلى وزير التموين بعدم تكرار فساد العام الماضي بالسحب من القمح أثناء موسم التوريد وحتمية الانتظار إلى نهاية الموسم وإجراء عمليات الجرد والمطابقة، والجميل في الأمر أن هذه الجهات تحركت وفورا في أول يوم مع نهاية موسم التوريد وبدأت في رصد فساد بالمليارات رغم أن الكميات الموردة هذا العام أقل من العام الماضي ولم تتجاوز ٤-٨٥٠ مليون طن بتراجع ٦٥٠ ألف طن عن العام الماضي إلا أن العينة العشوائية للجهات الرقابية واللجنة البرلمانية المشكلة للتحقيق في هذا الفساد قامت بالمرور على ١١ صومعة وشونة وتنكر وثبت فسادها جميعا وبنسبة ١٠٠٪، بما يعني أن فساد المنظومة بالكامل لأن العينة العشوائية تكون ممثلة للعينة الكلية، وبالتالي لم يستجب أحد لمحاولات الوزير بالتشويه والادعاء بأن الفساد ٤٪ فقط من الكلي، وكأنه يضمن أن باقي الشون والصوامع التي لم يتم جردها سليمة وغير فاسدة أو أن الوزير يمتلك أدلة على عدم فسادها، وهو الأمر الغريب والذي أوضح أن الوزير يدافع وبشدة عن الفساد وكأنه يرعاه ويشرف عليه. هذه المليارات الستة في توريد القمح الوهمي لابد أيضا أن تحن وهميا لقمح غير موجود بستة مليارات أخرى ثم تباع كخبز وهمي بستة مليارات ثالثة وبذلك تكون الدولة قد تحملت ١٨ مليار جنيه مصري في فساد توريد القمح.


الإقامة الفندقية للوزير


منذ عامين أشرت في أحد مقالاتي الأسبوعية إلى أن وزير التموين يقيم في أحد الفنادق الفخمة على نيل ميدان التحرير في غرفة ملحق بها صالون استقبال بتكلفة ٥٠٠٠ جنيه في الليلة أي ١٥٠ ألف جنيه شهريا رغم أن مرتب الوزير طبقا للقانون والدستور لا يتجاوز ٣٢ ألف جنيه شهريا فقط، وبالتالي لا يمكن للوزير أن يسدد خمسة أمثال راتبه للإقامة فقط بخلاف إعاشته وطعامه ثم تكاليف إعاشة أسرته في الإسكندرية وسكنها. وإذا ما أضفنا إلى هذه التكاليف نفقات غرفة للسكرتارية وأخرى للحرس الخاص بالوزير فإن هذا قد يضاعف النفقات بما يمثل عبئا على الوزير قُدر على أنه وخلال ٣١ شهرا هي فترة إقامة الوزير في الفندق وصل إلى أكثر من ٧ ملايين جنيه لا يمكن لعاقل أن يقتنع بأن وزيرا من غير رجال الأعمال وينتمي إلى أسرة محدودة ومتوسطة الإمكانيات يمكن أن يضحي بهذا المبلغ الكبير في الوقت الذي لا يمتلك هو نفسه شقة مستقلة للسكن في الإسكندرية!!. ادعاء الوزير بأنه وزير مغترب لم تكن مقنعة على الإطلاق لأحد خاصة وأن تجارب الوزراء المغتربين معروفة، فعلي سبيل المثال كان وزير الزراعة الإسكندراني أحمد الليثي بلديات خالد حنفي في عام ٢٠٠٥ وقام بالإقامة في شقة صغيرة بالقرب من وزارة الزراعة لم تتجاوز غرفة وصالة ومطبخا وحماما، وأتذكر بأني عندما زرته فيها واستغربت من صغر حجمها، فأوضح لي بأنه يقضي اليوم بأكمله في الوزارة ولا يعنيه من الشقة إلا وجود سرير للنوم ومطبخ وحمام، وأنه اتفق مع أحد الطهاة للحضور مرة كل أسبوع لإعداد طعام يكفي لأسبوع لزوم إعاشة الوزير. مثال آخر لوزير الزراعة داوود الجندي الذي كان يقيم في استراحة وزير الزراعة بداخل حديقة الحيوان، ولم يتململ من الرائحة أو أصوات الحيوانات حفاظا على مظهر الوزير كقدوة أمام الرأي العام وعدم كونه مستفزا خاصة أنه وزير في بلد فقير يتعامل مع محدودي الدخل ورجل الشارع.


والغريب في أمر إقامة وزير التموين الفندقية أن الشركة القابضة للصناعات الغذائية التابعة لوزارة التموين وفي مقرها الرئيسي في وسط البلد بميدان طلعت حرب وعلى بعد خطوات من الفندق الذي فضله الوزير وأيضا على بعد خطوات من وزارة التموين، تمتلك هذه الشركة استراحة فاخرة مخصصة للوزير تفوق في فخامتها أي جناح في أي فندق ٧ نجوم، ومع ذلك رفض الوزير الإقامة فيها مفضلا عليها الإقامة في فندق على نيل القاهرة!! نفس هذه الشركة والتي تضم ٤٤ شركة تمتلك استراحات فاخرة في جميع الأحياء الراقية في المهندسين والعجوزة والدقي وقصر العيني وميدان المساحة وجميعها تسمح بإقامة فاخرة للوزير دون نفقات أو تكاليف، وبالتالي كان من المستغرب أن رفضها الوزير جميعا وفضل الإقامة بالملايين في فندق على نيل القاهرة.


لذلك تساءلت ومنذ عامين عما إذا كانت الغرفة التجارية هي التي تتحمل نفقات الإقامة الفندقية للوزير، وما هو المقابل لتحملها لهذه النفقات وما الذي يمكن للوزير أن يمنحه للتجار مقابل هذه الملايين التي تسددها الغرفة التجارية لنفقات إقامته. كانت مبرراتنا لتوقع تحمل الغرفة التجارية لنفقات إقامة الوزير بأن الغرفة التجارية تقيم وحصريا جميع ندواتها والمؤتمرات الاقتصادية التي تنظمها في هذا الفندق تحديدا بل وتقوم بالحجز لضيوفها في هذه الندوات للإقامة بهذا الفندق تحديدا، كما أن الغرفة التجارية تقيم حفل إفطارها السنوي الذي تدعو إليه الوزراء والمحافظين وكافة مسئولي الدولة في هذا الفندق تحديدا، وكنت من المدعوين لعدة مرات معهم. يضاف إلى هذا الأمر قيام الوزير باصطحاب رئيس الغرفة التجارية في أول جولة ميدانية بميدان الدقي فور حلفه لليمين الدستورية متشابكي الأيادي بما يوحي بإعلان الغرفة عن تبعية الوزير لها أو إعلان الوزير بأن عصر التجار قد بدأ وأن الأسواق المتروكة للتجار قد بدأ.


ترك الأسواق للتجار وعدم ضبطها


طوال عهد خالد حنفي وهو يعلن أن الأسواق حرة، وأنه لا عودة لزمن التسعير، وأنه لن يتدخل في أسعار السلع الغذائية والخضراوات والفاكهة، وأنه سيتركها لتفاعل العرض والطلب وعدم تدخل الحكومات في هذا الأمر، وهو أمر غريب لوزير تموين حكومي وظيفته ضبط الأسواق وحوكمة الأسعار ومنع انفلاتها بل وقام الوزير بإقناع قيادات الحكومة بتعويض الفقراء وزيادة مخصصات دعم الغذاء من ١٥ جنيها للفرد إلى ١٨ جنيها عوضا لهم عن ارتفاع الأسعار ودون التعرض للتجار ومايفرضونه من أسعار. هذا الأمر غريب للغاية سواء على المستوى المحلي أو الدولي، فوزارة التموين نفسها تشتري القمح وفقا لأسعار البورصات العالمية أي أنه مسعّر!! كما وأنها تشتري القمح المحلي بأسعار وتسعيرة محددة ثم أن الوزير نفسه أعلن الشهر الماضي تسعيرة لاستلام الأرز من المزارعين بسعر ٢٤٠٠ جنيه للطن من الأرز عريض الحبة و ٢٣٠٠ للأرز رفيع الحبة وهذا تسعير جديد ينفي سياسة الوزير بأنه لا تسعير لأي شيء، وأن قوى العرض والطلب هي التي تحدد الأسعار؛ حيث في ظل أسعار الأرز الحالية التي تتراوح بين ٩ و ١٠ جنيهات للكيلوجرام لا ينبغي أن يقل سعر شراء الأرز الشعير من الفلاحين عن ٣٥٠٠ إلى ٤٠٠٠ جنيه للطن أي أربعة جنيهات للكيلوجرام، ويصل سعرها بعد الضرب والتبييض إلى ٥ جنيهات ليبيعه التاجر للمستهلك بين ٧ إلى ٨ جنيهات فقط، إلا أن وزير التموين كعادته كتف الفلاح للتاجر وحدد سعر ٢٤٠ قرشا للكيلوجرام تصل إلى ٣ جنيهات بعد الضرب والتبييض، وترك أسعار التجار مفتوحة، ولم يسعرها كما سعرها للفلاح بأن يشترط على التجار ألا يزيد السعر عن ٦ جنيهات شريطة شراء الأرز من الفلاحين بهذا السعر المنخفض، وإنما كالعادة انحاز الوزير للتجار ضد الفقراء من الفلاحين والمزارعين وأعطاهم التسعيرة التي أوهم مسئولي الدولة بأنها ممنوعة عالميا، بينما في حقيقة الأمر أن السعودية والإمارات والكويت بل وأمريكا نفسها تطبقها.!!


دخول قمح الإرجوت الضار إلى مصر


تقوم مصر ومنذ ستين عاما باستيراد القمح وباشتراطات أن يكون خاليا تماما من فطر الإرجوت الخطير الذي يصيب المستهلك بالهلوسة والسرطان، ويتسبب في إجهاض الحوامل من النساء ومن المواشي كما يمنع وصول الدم إلى الأطراف البشرية والحيوانية، ويؤدي إلى الإصابة بالغرغرينا وبتر القدمين واليدين. هذا الأمر تكفله قوانين التجارة العالمية بأن من حق كل دولة الحفاظ على منتجها الوطني بمنع دخول أي أمراض أو فطريات غير موجودة على أراضيها ومنها فطر الإرجوت غير موجود في مصر وسيؤدي دخوله إلى انهيار محصول القمح المصري، كما يمنح القانون الدولي أيضا حق كل دولة بالحفاظ على صحة مواطنيها بمنع دخول هذا الفطر الضار إلى بلادها حفاظا على صحة مواطنيها. في شهر مارس الماضي استوردت وزارة التموين عن طريق هيئة السلع التموينية التابعة لها – وللأسف وزارة التموين وليس القطاع الخاص- استوردت شحنة قمح من فرنسا مصابة بفطر الإرجوت الخطير والمحظور دخوله إلى مصر، وبدأ وزير التموين في الضغط على رئيس الوزراء وعلى وزير الزراعة بالادعاء بغير الحقيقة بأن دول العالم تسمح بدخول القمح المصاب بالفطر بل والادعاء كذبا بأن هذا مطابق لمواصفات الأغذية والزراعة (فاو)، وهو أمر غير صحيح والوزير خريج كلية التجارة والحاصل على الثانوية العامة قسم أدبي لا يعلم أن الفاو لا تضع معايير لأي سلعة غذائية لتداولها أو تجارتها أو تناولها، وبالتالي كان الأمر كذبا متعمدا بإيهام المسئولين بالنسبة الدولية ٠-٠٥٪ دون أن يوضح أنها ليست نسبة عالمية وأن أمريكا نفسها ترفض أن تزيد عن ٠-٠٠١ فقط، كما وأن المواصفات الفرنسية التي وضعت هذه النسبة كانت بسبب أن متوسط استهلاك الفرد في فرنسا من القمح لا يتجاوز ٦٠ كجم سنويا، بينما تبلغ النسبة في مصر ثلاثة أضعاف هذا الرقم بنحو ١٨٢ كجم للفرد سنويا، وبالتالي تظهر تداعيات الأمراض التي يسببها الفطر على المواطن المصري بثلاثة أضعاف المواطن الفرنسي، بالإضافة إلى التفريط في حق مصر بمنع دخول الفطر غير الموجود على أراضيها ولا في بيئتها الزراعية، بما سيضر بمحصول القمح مستقبلا، ثم الادعاء بغير حق على الدولة بأنها نسبة عالمية معترف بها على غير الواقع وأغلب دول العالم تمنعها تماما ولا أحد يزايد عليها. السبب الرئيسي أن بعض الدول تمنح تخفيضا بنسبة ١٥٪ على القمح المصاب بالإرجوت عن السعر العالمي، وبذلك حاول الوزير مساعدة تجاره في ذلك بأن تسمح الدولة بشحنة حكومية بدخول هذا القمح حتى يمكن للتجار بعد ذلك إغراق البلد به.


وهم البورصات العالمية وغش المسئولين


دأب الوزير على إيهام المسئولين في مصر على أنه يقوم بشراء القمح من البورصات العالمية وبشطارة وبالجملة على غير الواقع، لأن البورصات العالمية لا تبيع ولا تشتري بل تعلن الأسعار فقط، وأن وزارة التموين تطرح مناقصات محلية من داخل مصر وليس خارجه، يتقدم إليها وكلاء الشركات العالمية في عروض بمظاريف مغلقة بها الأسعار، وبالتالي فلا شراء بالجملة ولا شطارة في الشراء وإنما بيع للوهم واستغلال لجهل المسئولين أو عدم درايتهم بقوانين البورصات العالمية. وكاد الوزير يورط القيادة السياسية في أكبر مشروع وهمي جاهل تندر به العالم علينا بإقامة ميناء دمياط للحبوب والغلال واستيراد الأقماح الأمريكية ثم إعادة بيعها وكذلك الأقماح الفرنسية والإسترالية والكندية وغيرها، وهو ما لا يسمح به القانون العالمي للبورصات والتجارة العالمية والذي يعطي حق بيع السلعة لمنتجها فقط، وأن كل دولة تبيع ناتج أرضها فقط وليس من حق مصر أن تبيع القمح الأمريكي؛ لأنه ليس ملكها أو من إنتاج أرضها ولكن الوزير مارس خداعه في أمر لو تم لدفعت مصر ثمنا غاليا له لولا تدارك القيادة السياسة للأمر وإلغاء المشروع في الوقت المناسب، بعد أن سألتنا الجهات السيادية عن شطوحات هذا الوزير.... عاد الوزير فأطلق مشروع السياحة والتسوق بالزعفرانة ولا أحد يدري ما له هو كوزير تموين ومال السياحة ولها وزارة مستقلة أو بالتسوق وله وزارة التجارة الصناعة ثم وزارة الاستثمار والغريب أنه يتصور إقامتها على قناة السويس، وأن السفن العابرة سوف تقوم بالركن على رصيف المدينة لتدخل للشراء ثم تعود وتقود سفينتها في خيال علمي كوميدي ليس له مثيل، بالإضافة إلى سير السفن في قناة السويس في قول لا يمكن انحراف سفينة فيه للشراء ثم معاودة السير. ثم استمر الوزير في طرح أفكار طفولية غير قابلة للتطبيق مثل تصنيع زيوت الطعام المستخدمة منزليا وتحويلها إلى وقود حيوي بل وكلف بعض زملائه بالأكاديمية البحرية بدراسة المشروع بتكلفة عدة ملايين ضاعت على الدولة ثم سرعان. عاود الوزير طرح أمر كوميدي آخر برعاية عربيات الفول بالشوارع والنواصي وإمدادها بالفول والطحينة والبيض والبصل الأخصر والسلطة، وسرعان ما ثبت كوميدية الأمر وانتهي الأمر. ولكن الوزير يريد أن يكون موجودا ويوميا فطرح وجبات الجمبري بالسطة في المجمعات ثم كون وجبتك بتحميل وجبات على المستهلكين وثبت جميعا فشلها، وانتهت فور تطبيقها وتندر الشعب عليها لأن كل أسرة قادرة على تكوين طبختها دون مساعدة من أحد، وتقوم بهذا الأمر منذ مئات السنين وقبل أن يتواجد الوزير الذي أراد التدخل في أكل المصريين وفرض وجبات بعينها عليهم!!


يكفي يا وزير التموين ما أثرته من خلافات على المستهلك واستغلال مقيت وغلاء أسعار ورعاية تجار وإهمال الفقراء وفساد القمح والصوامع ومشروعات وهمية، كان ينبغي ومنذ طرحه لمشروع ميناء دمياط للغلال والحبوب إقالة هذا الوزير بتهمة الكذب والتدليس على رئاسة الجمهورية وغش المسئولين بمشروعات وهمية وغير قانونية تجعل من مصر مسخرة عالمية مثل موضوع الشراء من البورصات العالمية وهميا أو الشراء بالجملة أو بشطارة وجميعها تثبت أننا أمام وزير لا دارس ولا متروي ولا دراية له بالقوانين العالمية وكان ينبغي مساءلته من عامين وليس من الآن.