أزمة «الوزير المغترب»!

24/08/2016 - 4:13:07

تقرير: وليد محسن - هاني موسى - أشرف التعلبي

«الدولة لا تتحمل إقامة وزراء مغتربين ولا توفر لهم سكنا أو بدل سكن».. جملة عابرة ألقى بها محمود دياب، المتحدث الرسمي باسم وزارة التموين، فى معرض دفاعه عن الوزير د. خالد حنفي، على خلفية تأكيد النائب البرلمانى مصطفي بكري، أن فاتورة إقامة «حنفى» فى أحد فنادق القاهرة (فندق سميراميس) تعدت حاجز ٧ ملايين جنيه.


النائب البرلمانى، لم يتحدث من قريب أو بعيد عن «المسئول عن دفع الفاتورة»، لكنه التزم بالحديث حول أن الوزير الذي يعتبر رقما مهما فى حكومة تتبع سياسة «القرارات الصعبة»، وتطالب الشعب بـ»شد الحزام والتقشف» يقيم فى فندق خمس نجوم وتتكلف إقامته الملايين السبعة.


المثير فى الأمر هنا الأسباب التى قدمتها وزارة التموين، فى ردها على «فاتورة سميراميس»، حيث ألقت بالاتهام على الدولة التى لا توفر أماكن إقامة لـ»وزرائها المغتربين»، وهو أمر عقب عليه كمال أبو عيطة، وزير القوى العاملة الأسبق، بقوله: الدولة لابد وأن تحاسب الوزير خالد حنفي وتقول له من أين لك هذا؟.. ولا يصح أن يقيم وزير فى فندق، فالوزير الذى جاء لتولى حقبة وزارية معينة لم يأتِ فى الحكومة للإقامة فى فندق على النيل تتعدي تكلفة الإقامة فيه العشرة ملايين جنيه لكنه جاء لخدمة الفقراء، فكيف لوزير يتولى حقيبة التموين التى تعمل للمواطن الفقير أن يقيم فى فندق تكلفته المالية من الممكن أن توفر حياة كريمة لآلاف الأسر التى لا تجد قوت يومها، والمواطن العادى عندما يتابع مثل هذه الأمور كيف سنطالبه بعد ذلك فى منح ثقته للحكومة؟!


وفيما يتعلق بالإشارة إلى أنه «وزير مغترب»، عقب «أبو عيطة» على هذه الجزئية بقوله: راتب الوزير يكفيه فقط بأن يأخذ شقة إيجار أثناء فترة توليه الوزارة فكيف لشخص مرتبه لا يتعدى الثلاثين ألف جنيه أن يقيم فى فندق تكلفته تتعدى العشرة ملايين جنيه فى العام... فمن أين أتى بهذه الأموال؟.. كما أن الوزير الذى يقيم فى فندق على النيل لن يشعر بآلام المواطن الفقير الذى جاء فى الأساس لخدمته، ويبدو أنه وزير فى الولايات المتحدة الأمريكية أو وزير فى إحدى حكومات الدول الأوربية، وأى مواطن مصري عرف خبر إقامة وزير التموين فى فندق بعشرة ملايين جنيه فى العام سيصيبه إحباط، والأمر قد يتطور إلى فقدان الثقة فى الحكومة نفسها وخاصة بعد رشوة وزير الزراعة، حيث يعتبر المواطن المطحون فى الغلاء والذى لا يقدر على الأسعار أن الوزير يأخذ منه ومن قوته اليومي ليقيم فى الفنادق الفاخرة ويقضى أجازاته فى الدول الأوروبية.


وعن موقفه من الإقامة فى فنادق فاخرة بحجة أنه يسدد فاتورته من جيبه الشخصي، قال، الوزير الأسبق: أثناء الفترة التى توليت فيها الوزارة كنت أقيم فى شقة إيجار فى الجيزة وكانت بـ ٨٠٠ جنيه فى الشهر، وبعدها استضافنى أحد أصدقائي فى شقة موقعها قريب من الوزارة، وفى ذلك الوقت كانت الحالة الأمنية ليست على مايرام ورئيس مجلس الوزراء، وأذكر أن رئيس الحكومة وقتها، د.حازم الببلاوى طالبنا بأن نحاول أن نقيم فى أماكن قريبة من الوزارة التى نديرها بسبب الحالة الأمنية.


الحديث عن «إقامة حنفى» فى «سميراميس»، نقل الوزير الأسبق للحديث عن «مصايف الوزراء» حيث قال: هناك بعض الوزراء يقضون أجازاتهم فى دول أوروبية، وعندما كنت فى الوزارة أذكر أننى ذهبت إلى مصيف رأس البر لمدة يومين (خميس وجمعة)، كما أذكر تعرضي للغرق وتدخل مجموعة شباب لإنقاذي من الأمر؛ لأننى لم أكن مصطحبا معي الحراسة الشخصية، وذهبت إلى المصيف بسيارتى الخاصة.


فى سياق ذي صلة أوضح د. صلاح يوسف وزير الزراعة الأسبق أنه لا يمتلك معلومات وافية عن أمر إقامة د. خالد حنفى فى أحد الفنادق فئة النجوم الخمسة، وأكمل قائلا: عندما كنت أتولى وزارة الزراعة كنت أقيم فى مدينة ٦ أكتوبر، وأريد أن أشير هنا إلى مرتب الوزير لا يكفي لشيء لأنه لا يتجاوز حد الـ ٢٠٠٠ جنيه، يضاف إليه مكافأة مجلس الوزراء التى تصل إلى ٣٠ ألف جنيه، كما أن الوزير بعد خروجه إلى المعاش يتحصل فقط على ٢٠٠٠ جنيه، ويتبقي كلمة «وزير» مجرد مصطلح شرفي.


وزير الزراعة الأسبق، فى سياق حديثه أشار أيضا إلى أن وكلاء وزارة يتقاضون مبالغ أعلى من الوزير داخل الوزارة نفسها ، موضحا - فى الوقت ذاته- أنه لا يوجد بيانات بالحد الأقصى عن مرتبات جميع العاملين فى الدولة وذلك بسبب غياب المنظومة الحقيقية عن المرتبات بالدولة بقاعدة البيانات، بحيث يتم معرفة إجمالى الدخل لكل فرد من العاملين بمختلف قطاعات الدولة وبذلك يستحيل تطبيق الحد الأقصى والادنى للأجور لغياب المعلومات الخاصة بالأمر - على حد قوله.


تجدر الإشارة هنا إلى أن غالبية الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الزراعة لم يقم أحد منهم فى استراحات خاصة لأن معظمهم مقيمون بالقاهره والجيزة بخلاف الدكتور صلاح هلال وزير الزراعة السابق والمحبوس حاليا على ذمة قضية فساد حيث كان يستأجر شقة بمدينة نصر حيث إنه من محافظة القليوبية من مركز طوخ، وكان يجد صعوبة فى التنقل، ففضل أن يستأجر شقة، أما الوزير الحالى الدكتور عصام فايد فيقيم بمسكنه بمصر الجديدة.


وبالنسبة لاستراحة الملك فاروق بحديقة الحيوان بالجيزة والتى أنشأها عام ١٩٤٩ حيث تقع فى منتصف حديقة الحيوان حيث كان يقيم بها خلال إجازته الأسبوعية وكان يستضيف بها العديد من الملوك والرؤساء أثناء زياراتهم الرسمية والخاصة لمصر وذلك لموقعها الذى يطل على الضفة الغربية لنهر النيل، وتم إغلاقها عام ١٩٨٦ أقام فيها الدكتور محمود داود وزير الزراعة الأسبق بمفرده بدون أسرته فى الفترة من عام ١٩٧٨ حتى خروجه من الوزارة عام ١٩٨٢.


وفيما يتعلق بمقار إقامة وزراء التموين السابقين، اتضح أن د. الدكتور ناجى شتلة وزير التموين والتجارة الداخلية، مطلع ثمانينيات القرن الماضي كان يقيم بالاستراحة الملكية بسبب عدم وجود مسكن له بالقاهرة.


من جانبه قال د. جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية: الحكومة مطالبة بتوفير سكن خاص للوزراء المغتربين من خارج القاهرة، ومثلا كان هناك وزير التربية والتعليم يسري الجمل، كان من محافظة الاسكندرية، وكان له مقر تابع للوزارة ، وأيضا عندما تولى د. عبد المنعم عمارة إدارة شئون وزارة الشباب والرياضة كان يقيم في مركز إعداد القادة بجوار برج الجزيرة ، وما أقصده من وراء سرد الأمثلة تلك أنه لا يحق للوزراء الذين هم من خارج القاهرة أن يقيموا في فنادق ، لكن يحق له أن يقيم في مسكن تقوم الدولة بتجهيزه لهم .


د.جمال، فى سياق حديثه قدم مقترح إقامة «حى مخصص للوزراء»، حيث قال: أدعو هنا إلى توفير مسكن للوزراء في فترة وجودهم بالوزارة أو أن يكون لهم سكن خاص بالوزارة وقريب من ديوان الوزارة ، حيث كان هناك حي مخصص لهذا الغرض وتم تخصيصه ملكية خاصة ، وعندما يسافرون مثلا للمصيف في الساحل الشمالي تكون أيضا لهم إقامة ومسكن بشكل مؤقت، مثل سكن العاملين ، فمثلا عندما يعمل أحد في هيئة قناة السويس يتم تخصيص سكن ، ثم يتم تسليم السكن بعد انتهاء فترة عمله ، وبالتالي يمكن إقامة حي للوزراء ، حتي يقيم فيه الوزراء بشكل مؤقت فترة عملهم بالوزارة ، وعند خروجهم من الوزارة يتم إعادة المسكن إلى الحكومة.


وفيما يتعلق بواقعة إقامة وزير التموين فى أحد فنادق الـ»٥ نجوم»، قال أستاذ العلوم السياسية: على جهاز الكسب غير المشروع والأجهزة الرقابية أن تتأكد من صحة هذا الكلام ، وعلي الأجهزة الرقابية مواجهة فساد التموين والقمح وغيره، وأري هنا أن البعض يريد أن يشغلنا بإقامة الوزير في أحد الفنادق حتي ننسي ما يقرب من ملياري جنيه تمت سرقتها في فساد القمح ، نحن نريد مواجهة شاملة للفساد ، وإذا كان الوزير لم يدفع شيئا ، والوزارة هي التي تتحمل هذه التكاليف ، لابد من تحميل الوزير هذا المبلغ ، لأنه ليس من حقه الإقامة في فندق ، وثانيا يخرج بيان من مجلس الوزراء يؤكد فيه أن الوزير كان يقيم علي نفقة الوزارة وسوف يقوم برد هذه المبالغ ، وأما إذا كان من جيبه الخاصة علي جهاز الكسب غير المشروع أن يقول لنا من أين أتي بهذه الأموال ، وهل هو مليونير ، وهل هناك وزير يستطع يتحمل الإقامة في جناح بفندق فاخر ، وثم عليه أن يقدم إقرار الذمة المالية ، لا نريد مرور هذه القضية مرور الكرام ، أولا نحن نريد محاسبة جادة لهذا الوزير ، وعلي خلفية الفساد في القمح لابد من إقالته ، وكذلك إقالة وزير التربية والتعليم علي خلفية الغش والتسريب في الامتحانات ، وأن تتم محاسبتهم مثل وزير الزراعة السابق ، ووزير الشباب والرياضة وبعثة الأولمبياد التي صرفت ملايين ولم تحصل علي ميداليات بشكل يليق بمصر ، فأين المحاسبة ، الدولة تفتقر للمحاسبة والحسم ، فالمحاسبة والحسم هو طريق إرضاء المواطنين.


من جانب علق د. محمد محمود نجيب، أستاذ علم النفس الإداري بجامعة حلوان على الأمر بقوله: وزير التموين مشبوه تحيط به الشكوك الخاصة بموضوع القمح وغيره ، وهناك عدة أسئلة تطرح نفسها بقوة على سياق موضوع إقامته منها.. كيف يكون في حساب وزير ٧ ملايين جنيه؟.. وهل يعقل أن يكون في حسابه هذا المبلغ في عامين فقط من خلال عمله بالوزارة ؟.. كما أننى أري أنه لابد من سحب الثقة من وزير التموين ، لأن هذا لا يليق بنا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، حيث يطالبنا الوزراء بحالة تقشف ، كما طالب رئيس الجمهورية بأن يتخذ موقف من هذا الكلام.


د. «نجيب» أكمل قائلا: ما فعله وزير التموين بالإقامة في فندق فاخر لا يتناسب معنا في مصر ، وهذا الوزير ليس قدوة إذا تحدثنا عن القدوة ، ويجب أن تتم محاسبته ، وما حدث في قضية القمح كفيل بإقالة الحكومة كلها ، وليس وزير التموين فقط، وهذا لا يمكن أن نقبله ، حيث إن الوزير خالد حنفي تصرف كأنه في بلد أغلي من أغنياء أوربا، وحتى إذا صدقت المقولة التي تقول إنه علي حسابه الشخصي فمن أين له هذا ؟!