رئيس الوزراء والفول

24/08/2016 - 4:10:18

د. سامح فوزى

إبان الألعاب الأوليمبية في بريطانيا عام ٢٠١٢م أمر رئيس الوزراء «دافيد كاميرون» كافة الوزراء بالاستغناء مؤقتا عن سياراتهم، واستخدام المواصلات العامة. وأضاف أنه لا يجب على الوزراء اصطحاب أسرهم، حتى لو كان ذلك على نفقتهم الخاصة، حتى لا يتسرب إلى الرأي العام أنهم يتمتعون بامتياز مقارنة ببقية المواطنين. لم يكن ذلك بالمناسبة أمرا مستغربا، ففي كثير من دول أوربا خاصة الاسكندنافية، يذهب وزراء وأعضاء برلمان إلى أماكن عملهم في مواصلات عامة، وبعضهم يستقل دراجته، ويستمتع بقياداتها. لا يكون غريبا، أو حتى لافتا، أن ترى مسئولا رفيعا جالسا إلى جوارك في أحد المطاعم دون أن تشعر به، ودون أن يلقى معاملة غير معتادة. ممارسات طبيعية، فالمسئول، الذي يُصدر كل يوم الأمل للناس في الملكية العامة، ورصيد الدولة، وإمكانيات المجتمع، لابد أن يكون أحد هؤلاء الذين يجسدون فعلا، وليس فقط قولا هذه المسألة. وهناك إحدى المقولات المهمة للمفكر الأمريكي «فرنسيس فوكوياما» بأن المجتمعات تنهض، وتتحقق التنمية، ليس بفعل السياسات فقط، ولكن بنوعية القيادات التي تتولى الوظائف العامة، التي تستطيع أن تدفع الناس للأمام، تمنحهم الأمل، وتبعد عنهم شبح اليأس في لحظات مواجهة الظروف القاسية، والحقائق المرة.


تذكرت ذلك، وأنا أحد الذين كنت في مطعم «عادي» في الدانمارك، وفوجئت إلى جواري برئيس البرلمان، وعدد من ضيوفه، ولم أكد أشعر به، سوى أن أحد الجالسين على المائدة من أهل البلد لفت الانتباه إلى ذلك، تذكرت هذا الموقف وأنا أطالع ما تسرب من جلسة وصفت بأنها «دردشة غير رسمية» طرح خلالها السيد رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل سؤالا على الزميل عماد حسين رئيس تحرير «الشروق» قائلا: «سندويتش الفول بكام دلوقتي»، وأخذ الزميل الصحفي، وربما غيره ممن حضروا هذه الدردشة أن يشرحوا على طريقة فيلم «طباخ الريس» ما آل إليه سندويتش الفول، واختلاف سعره من مكان لآخر حسب المستوى الاجتماعي، وطبيعة الخدمة المقدمة. مسألة طريفة أن يسأل رئيس الوزراء عن سعر وجبة الإفطار الرئيسية لغالبية الشعب المصري، خاصة أبناء الطبقات الدنيا والوسطى، وهم الغالبية، التي لا تعرف الإفطار «الانتركونتننتال»- هكذا يٌطلق عليه في الفنادق ويعرفه وزير التموين جيدا بحكم إقامته في أحدها- المكون من الكورسون، والمربي، والجبن، والزبادي، أو الإفطار «الانجليزي» الذي له شكل خاص، يحوي سعرات حرارية مرتفعة، ويناسب عادة الطبقة العاملة هناك، مكون من حبوب، سجق، وشرائح لحم، وبيض. بالطبع يحق لرئيس الوزراء أن يتناول ما يشاء من طعام، فهذه حرية شخصية، لا أحد يتدخل فيها، أو يفرض اختياراته عليه، لكن ينبغي عليه بحكم وظيفته أن يعرف ما آل إليه مجتمع الفقراء ومتوسطي الحال في مصر، ماذا يأكلون، وكيف تلهب أسعار الوجبات الأساسية الشعبية ظهورهم، وهم لا يطلبون ما يتناوله علية القوم، أو يطمحون في غير ما اعتادوا عليه صباحا ومساء.


وهذه بعض الإحصاءات، فقط لإنعاش الذاكرة.


تشير الإحصاءات إلى أن نسبة الفقراء في الريف نحو ٨٥٪ من السكان بينما تبلغ نسبتهم في الحضر ٤٢٪، ويعيش ٤٨٪ من مجموع الفقراء في الوجه القبلي بينما يعيش ٣٦٪ في الوجه البحري. ولا تدخل اللحوم والأسماك قائمة الفقراء إلا في المناسبات، كلما سمحت الظروف،ولا يشتري نحو ٣٣٪ منهم الفواكه لعدم قدرتهم على الوفاء بأثمانها المرتفعة،ويكتفي ٥٨.٨٪ منهم بوجبتين فقط في اليوم.ويعتمد ٦١٪ من الفقراء في طعامهم على البقوليات (الفول والعدس). ونتيجة ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في الفترة الأخيرة ارتفعت أسعار البقوليات، أبرزها الفول، فقد وصل سعر طن الفول البلدي إلى عشرة آلاف جنيه، بزيادة ٢٥٠٠ جنيه في الطن، ولا تزيد نسبة الفول البلدي المزروع في مصر عن ١٥٪ فقط من إجمالي المعروض في الأسواق، وتستورد مصر ما يقرب من ٨٥٪ من حجم استهلاكها سنويا من الفول. وبلغ سعر كيلو الفول المستورد عشرة جنيهات، في حين أن الفول البلدي ١٤ جنيها.


هذه مجرد إحصاءات منشورة ومعروفة، ولا أظن أن التقارير التي تقدم، أو التي ينبغي أن تقدم، لرئيس الوزراء تخلو من هذه المعلومات، ربما ما هو أكثر أهمية منها. المشكلة الحقيقية أن سؤال رئيس الوزراء عن ثمن سندويتش الفول، الذي يعرفه سفير بريطانيا جون كاسين الزبون الدائم على عربات الفول،يكشف عن مسألة أساسية أنه غير معني بحال المصريين الفقراء ومتوسطي الحال، لا يعرف عنهم شيئا، لأن في عدم معرفته سعر وجبة الإفطار الرئيسية للغالبية العظمي من المصريين، يعني أنه لا يعرف تفاصيل حياتهم التي تدهورت بشدة في السنوات الأخيرة، واضطربت أحوالهم على نحو غير مسبوق، وللأسف لا توجد دراسات علمية جادة ترصد التدهور في حياة المصريين.


رئيس الوزراء لا يأكل الفول، ولا ينشغل بسعره، ولا يسأل سائقه أو الفراش على باب مكتبه أو حارس العقار الذي فيه عن سعره، وكيف يكون ذلك وهو في موقع السلطة والمسئولية؟ ألف باء المسئولية أن يعرف المسئول أحوال الناس الذين يتولى أمرهم، حتى يتعرف على مردود السياسات التي يتبعها عليهم. كنا نتمني أن نراه صباحا مفاجئا للناس العاديين في الشارع، وقد فعلها من قبله رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب، أو زائرا خاطفا لمكاتب التموين التى يصطف أمامها الغلابة منذ الفجر بحثا عن تسجيل في بطاقة التموين، أو مع أصحاب المعاشات أمام مكتب بريد، يقفون بالساعات على أقدامهم الواهنة، أو أمام موزع التموين، ويسأل الناس عما حصلوا عليه من سلع، وما السلع التي لم يجدوها، أو أمام مخبز بلدي يتأكد بنفسه أن مستوى الرغيف جيد، أو مستقلا أتوبيسا عاما يستمع لآراء الناس في الخدمة، أو مستخدما مترو الأنفاق، وفعلها منذ سنوات الراحل الدكتور أسامة الباز، أو يستخدم قطارا من قطارات الناس الغلابة...


هؤلاء يا سيدي دولة رئيس الوزراء هم الغالبية العظمي من الناس، الذين ينبغي أن تعرف حالهم، وتسمعهم، ويكفي أن تفعل ذلك حتى إن لم تكن لديك إمكانيات تقدمها لهم، مجرد أن تشعرهم بأن صوتهم وصل إليك، قد يهدئ كثيرا من معاناتهم، ويبعث الأمل في نفوسهم. صعب أن نتعامل مع الفقراء بأساليب «برجوازية»، حسب التعريف الماركسي لماهية تفكير الطبقات العليا المترفة، الناس تحتاج إلى قيادات منها، ولها، وتعيش وسطها، وتخدمها. إنه مفهوم الخدمة العامة الغائب.