المهم العدالة فى فاتورة الإصلاح

24/08/2016 - 4:09:06

جمال أسعد

يموج المجتمع وتعلو الصيحات وترتفع الشعارات وتكثر الحوارات ويحاول الجميع الاصطياد فى المياه العكرة، كل حسب توجهاته وتأكيداً لرؤيته وسعياً لتحقيق مصالحه، خاصة بعد إعلان الرئيس السيسى عن الإجراءات الاقتصادية التى يجب أن تتواكب وتتوافق مع ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادى، خاصة بعد الإعلان عن الموافقة المبدئية من صندوق النقد الدولى بمنح مصر قرضاً باثنى عشر مليار دولار على ثلاث دفعات كل ثلاث سنوات بفائدة ٢٪ وبفترة سماح ٣٩ شهراً، خاصة وأن إعلان الرئيس السيسى قد جاء هذه المرة فى إطار المصارحة الرقمية التى توضح خطورة الوضع الاقتصادى الذى لا بد له من برنامج وفاتورة يشارك الجميع فى دفع ثمنها، خاصة أن هذه الفاتورة وتلك الإجراءات كان لابد من تطبيقها قبل ذلك بكثير ولكن لم يجرؤ أى من الأنظمة السابقة فى البداية على تطبيق تلك الإصلاحات حيث إن أحداث ومظاهرات ١٨ - ١٩ يناير ١٩٧٧ التى تفجرت ضد السادات بسبب إعلانه عن زيادات فى أسعار السلع تنفيذاً لشروط الصندوق لمنح قرض لمصر فى ذلك الوقت، الشىء الذى جعل السادات يلغى تلك القرارات فوراً.


كما أن مرسى كان قد أعلن مثل هذه القرارات وقام بإلغائها بعد ساعات متأخرة من الليل، ناهيك عن ترحيل المشاكل والتكاسل فى تطبيق الحلول تمريراً للانتخابات ونفاقاً للجماهير لمداراة الفشل السياسى لهذه الأنظمة. بالطبع فمن المعروف أن سياسة صندوق النقد عند منح أى قروض لأى دولة لا بد من شروط يلتزم بها الجميع ثم تحولت هذه الشروط إلى مسمى آخر وهو خطاب النوايا وهو خطاب يقدم للصندوق تقر فيه الحكومة الالتزام بتنفيذ شروط وسياسات الصندوق على أن يتم متابعة هذه الشروط كل ربع عام وهل تنفذ أم أن هناك تقاعسا يحول دون تكملة أقساط القرض أو اتخاذ الإجراءات الجزائية التى يمكن أن يتخذها الصندوق فى هذه الحالة ولذا فلا يفهم الآن الجدل حول هل هى شروط وبرنامج مفروض من الصندوق أم أنه برنامج وطنى نابع من قرار محلى، حيث إن برنامج الحكومة المقدم إلى البرلمان والذى حازت من خلاله الحكومة على ثقة البرلمان هو برنامج يتوافق ويتطابق مع شروط الصندوق لأنه من المعروف والمعلوم أن الحكومة كانت تعد وتتحاور مع الصندوق قبل برنامجها بشهور. ناهيك عن باقى الالتزامات الأخرى التى لم ترد فى برنامج الحكومة وتخص شروط القرض بين الحكومة والصندوق، والأهم الآن أن القرض قد أصبح الآن فى نطاق التحقق، وبالتالى فبرنامج وفاتورة الإصلاح قد أصبحت فرض عين على الحكومة وعلى النظام أقصد على الشعب حيث إنه هو الذى سيدفع الثمن بصورة أو بأخرى والشعب هنا هم الأغلبية الغالبة من الشعب المصرى الذى بلغت نسبة الفقر فيه أكثر من ٤٠٪، الشعب الذى تآكلت طبقته المتوسطة وسحقت طبقاته الفقيرة.


الشعب الذى يئن من ارتفاع الأسعار هو أيضاً الشعب الذى يعانى أخطاء الحكومات ويدفع ثمن تطلعات أصحاب المصالح من الطبقات العليا.


أى أننا قد أصبح ظهرنا للحائط فإذا لم نبدأ بالحلول العملية والصحيحة للحل فلن تتفاقم المشكلة الاقتصادية ولكن ستكون النتيجة هى البلاء والفشل والفدوضى التى ستصيب الجميع بلا استثناء. نعم قد صارح الرئيس بالأرقام والأرقام التى قالها كثيرة والتى لم يقلها أكثر فالمشكلة لا ولن يستطيع أحد أن يحملها للسيسى ولا لنظامه، فهى نتيجة لتراكمات اقتصادية كانت تسير الطريق الخطأ والسلبى بعيداً عن أى خطة أو خطوة أو قرار صحيح، فهى مشكلة منذ أربعة عقود على الأقل أوصلتنا إلى حالة خطيرة بعيداً عن المزايدات أو المسكنات وهنا لا نقصد بث اليأس والقنوط ولكن نريد المصارحة والمكاشفة والشفافية حتى يعلم الجميع حجم المشكلة ومقدار التضحية التى يجب أن يستعد لها الجميع الكبير قبل الصغير والغنى قبل الفقير، ولأن اقتصادنا يعتمد على النشاط الريعى غير الإنتاجى حيث نعتمد على دخل قناة السويس وعائد العاملين بالخارج والسياحة. وهذه موارد غير مضمونة حيث إنها تتأثر بعوامل خارجة عن القرار وبعيداً عن الإرادة فالقناة بالرغم من توسعتها ولكن نظراً للمشكلة الاقتصادية العالمية منذ ٢٠٠٨ ولانخفاض سعر البترول لم تأت القناة بما كان مأمولاً منها.


والعاملون بالخارج انخفض العائد نتيجة أيضاً لسعر البترول وللمضاربة على الدولار التى يستغلها الإخوان خاصة فى البلاد العربية إضافة لضرب السياحة التى ظهر أنها مقصودة كموقف سياسى ضد السيسى والنظام.


ولذا تضاعف عجز الموازنة حتى وصل إلى أكثر من ٣٠٠ مليار جنيه كما أن مجمل الإيرادات التى لا تتعدى ٦٨٥ مليار جنيه تذهب إلى الأجور وإلى سداد الديون وأقساطها وخدمتها ولا يتبقى غير الثلث للاستثمار الداخلى الذى يشمل كل مناحى الخدمات التى تقدم للمواطن غير القادر.


كما أن غياب الإنتاج الحقيقى زراعياً وصناعياً جعل الميزان التجارى يصاب بخلل جسيم نظراً لارتفاع الواردات المهمة والاستهلاكية والغذائية الشىء الذى فاقم من مشكلة الدولار فهى نتيجة وليست سبباً وفى هذا الإطار يصبح من الطبيعى أن تصل الديون الداخلية لما يقرب من ٣ تريليونات جنيه والخارجية إلى ٥٥ مليار دولار إضافة إلى ٢٥ مليار دولار لمشروع الضبعة و ٣٠ مليار دولار مطلوبة الآن للبداية فى تنفيذ برنامج الإصلاح منها ١٢ ملياراً قرض الصندوق. إذن لا جدال فى خطورة الأمر ولا مناص من تحمل الفاتورة وتجرع الدواء المر، فكيف نوازن هذه المعادلة.. وكيف نصل إلى عدالة توزيع الأعباء بين الجميع كل حسب قدرته ونظراً لاحتياجه نتحدث عن الدعم منذ عقود ونعاير الفقراء بأن الدعم هو سبب المشاكل وأنه لم يصل إلى مستحقيه، فهل هذه مشكلة الفقير الذى يستحق الدعم ومن قال لكم إننا لا نريد الدعم لغير مستحقيه؟ ولماذا يحوز الأغنياء والقادرون وأصحاب الدخول على هذا الدعم؟ فالدعم ليس هو الخبز والموارد التموينية فقط فهى أقل أرقام الدعم ولكنه الغاز المدعم للمصانع الكبيرة التى تبيع بأسعار خيالية إنه البنزين الذى يستعمل المليارديرات من رجال الأعمال ضريبة الأعمال المضافة أياً كانت نسبتها فهى ستكون كارثة على الفقراء ولن يتأثر بها وبأضعافها الأغنياء بل لن تحصل سوى من الفقراء فلماذا لاتكون هناك ضرائب تصاعدية على القادرين الذين لا يساهمون فى الضرائب مثل الفقراء نظراً للإعفاءات تحت شعار تشجيع الاستثمار.


هل نعلم أن جملة الضرائب المهنية “أطباء - محامون - مدرسون - إلخ” هى نصف مليار من حصيلة أكثر من ٣٠٠ مليار؟ فكيف يدفع هؤلاء الثمن؟ وهل دور الحكومة هو تذكير الشعب بما تدفعه لهم كما قال رئيس الوزراء؟ وهل هى تدفع من جيوب الحكومة أم هى أموال الشعب؟ وإذا كان الشعب هو الذى سيدفع ويعانى فماذا ستقدم الحكومة؟ السيسى تبرع بنصف راتبه وممتلكاته فماذا سيتحمل الوزراء والمحافظون أم أنهم يطالبون بزيادة راتبهم وتأمين معاشهم؟ فلماذا لا تخفض مرتبات الوزراء ومن على شاكلتهم مثل كل الدول التى مرت بظروفنا؟ وأين التقشف المطلوب للحكومة حتى نعطى المثل للفقراء وحتى يشعر المحتاج أن التضحية ليست مقصورة عليه بل الجميع، فلماذا الأبهة والسيارات والفشخرة والسفريات والبدلات هنا نقول نعم لا بد من الإصلاح ولكن هل الحكومة قادرة على تنفيذ هذا الإصلاح؟ وهل لديها رؤية؟ وهل ستكون هناك صعوبات وما هى؟ وما هى خطة الحكومة لزيادة الإيرادات وتقليل المصروفات تفصيلاً وبخطة زمنية؟ وعلى حساب من هذه الزيادة وذلك التقليل؟ وما هى الخطة السياسية للحكومة حتى يشعر المواطن بخطورة الموقف ويستقبل دفع الثمن؟ هل هى اجتماعات رئيس الوزراء مع الصحافة والإعلام؟ وأن الأحزاب والوزارات فى توضيح الأمر ليس عن طريق التبرير الذى فقد صفاته ولكن عن طريق التوضيح وضرب المثل بالدفع والمشاركة من الكبراء حتى يشارك الفقير أو يحيد وهذا أضعف الإيمان ما هى خطة الحكومة لتشغيل وتفعيل الجهاز الإدارى حتى يقدم الخدمات للمواطن وحتى لا يكون الدفع والمساهمة والمشاركة بدون أن يشعر المواطن بالخدمة أو بالنظام. فلا نظافة فى الشارع ولا إصلاح للطرق ولا علاج ولا تعليم. والأهم لا خدمة تقدم من هذا الجهاز حتى يحدث التوازن الذى يشعر المواطن ببداية الإصلاح وتحسن الأحوال لا حل بغير المساواة فى دفع الثمن ولا إصلاح بدون عدالة اجتماعية ولا وطن بدون عدل وحرية وحتى تكون مصر بحق لكل المصريين.