ما الذى يحتاجه الرئيس السيسى الآن؟!

24/08/2016 - 4:07:05

عبدالقادر شهيب

يقظة عالية.. وتواصل مستمر مع عموم الناس.. واشتباك دائم وفعال مع ما يؤرقهم لإزالته أو التخفيف منه.. هذا هو أكثر ما يحتاجه الرئيس السيسى الآن فى ظل عملية استهداف من قبل قوى وعناصر داخلية وخارجية تريد أن أمكن حرمانه من إتمام فترة رئاسته أو إحباطه وتخفيض قدراته على الإنجاز وإِرباك تفكيره حتى لا يحسن أعماله وأقواله وقراراته واختياراته.. وإن لم يتحقق ذلك قطع الطريق عليه حتى لا يترشح لفترة رئاسة ثانية، وهو ما أفصحت عنه بوضوح مجلة الإيكونوميست فيما كتبته عن مصر وأحوالها، الاقتصادية والسياسية، وتجاهر به أكثر من مجموعة الآن تبحث عن بديل مناسب يخوض غمار انتخابات الرئاسة القادمة فى عام ٢٠١٨.


الرئيس السيسى يحتاج لليقظة العالية لأن ما يحاك ضده ويدبر ويخطط للنيل منه كبير وواسع ومتشعب ولم يعد يقتصر فقط على تلك الجماعة، التى تمت الإطاحة بها من الحكم فى يونيه ٢٠١٣، وإنما يشارك فيه الآن عناصر شتى بعضها يرفض أيديولوجيا أى رئيس له خلفية عسكرية.. وبعضها أزعجه إصرار السيسى على انتهاج سياسة خارجية مستقلة ترفض الإملاءات والوصاية الأجنبية، وتتبنى سياسة داخلية تصر على إقالة الاقتصاد المصرى من عثراته، التى بدأ يتعرض لها منذ الأزمة المالية والاقتصادية العالمية فى عام ٢٠٠٨، والتى تصاعدت بحدة بعد يناير ٢٠١١ وبعضها أيضًا تنفذ أجندة أمريكية وغربية لا تريد السيسى رئيسًا لمصر لأنها ترى فى ذلك ما يعوق تحقيق مصالحها والرامية لفرض هيمنتها على كل منطقتنا من خلال تقسيم دولها الوطنية إلى كيانات قزمية وإغراقها فى مشاكل وأزمات تشغلها وتعطل انطلاقها اقتصاديًا.


والرئيس السيسى يحتاج لتواصل مستمر مع عموم الناس لأن السلاح الأساسى، الذى يستخدمه من يبغون النيل منه هو إبعاده عن الجماهير، خاصة البسطاء منهم وخلق ما يعكر صفو علاقته بهم وعلاقتهم به وإثارة الشكوك منهم تجاههم.. بينما التواصل المستمر له مع عموم الناس يضمن له الاحتفاط بموقعه القريب منهم ويحافظ له على دعمهم وتأييدهم له، والرد على كل محاولة تعكير علاقتهم به من خلال ما يتم ضخه من شائعات وأكاذيب أو ما يتم استثماره من أخطاء تقع فيها السلطة التنفيذية، خاصة أن ثمة تقصيرًا واضحًا من معظم أعضاء السلطة التنفيذية فى التواصل مع الرأى العام المقبول أو المقنع له.


غير أن التواصل المستمر وحده سواء للرئيس أو مساعديه مع عموم الناس لايكفى وحده للحفاظ على ما يربطه بهم من علاقة طيبة.. الأمر صار الآن يحتاج وفورًا لاشتباك أكثر فعالية من كل ما يتم اتخاذه حاليًا من إجراءات مع ما يؤرقهم ويزعجهم ويسبب لهم المتاعب، وفى مقدمته الغلاء الذى خرج عن السيطرة ويلتهم المزيد من دخولهم الحقيقية، بالتالى يسهم فى خفض مستوى معيشة قطاع واسع من المواطنين من أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، ولذلك يجأرون الآن بالشكوى الدائمة التى لا تتوقف.


ويعزز ذلك أن إجراءات الإصلاح الاقتصادى، التى تبنته الحكومة وتؤكد أنها لن تتراجع عنه كلها تسهم فى زيادة الأسعار ومعدل التضخم الذى يرتفع شهريًا الآن.


وحتى لو أقسمت الحكومة على أن إجراءتها لن تلحق أذى بأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة لن يصدقها أحد، لأن الواقع مختلف عما يقوله ويعلنه المسئولون والوزراء.. كما أن الدولة جربت وسائل شتى للتخفيف من آثار التضخم واحتواء آثار ارتفاع الأسعار على أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، لكن هذه الوسائل لن تنجح فى السيطرة على معدل التضخم ولم تحل دون ارتفاع الأسعار شهرًا بعد آخر الآن منذ بداية العام الحالى.. ولذلك يجدر على الرئيس السيسى أن يوجه الحكومة للبحث عن وسائل أخرى غير توفير كميات من السلع الغذائية فى فروع المجمعات التعاونية أو منافذ القوات المسلحة أو تلك المنافذ، التى تقيمها وزراتا التموين والزراعة.. أو بالأصح المواجهة مع الأسباب الرئيسية لهذا التضخم والغلاء، والتى تكمن فى الارتفاع غير المبرر وغير المقبول لهامش الربح فى كل السلع المتداولة بالأسواق وليس السلع الغذائية وحدها والناجم عن خضوع أسواقنا لاحتكار واسع.. حيث يحتكر إنتاج وتجارة واستيراد سلع عديدة مهمة عدد محدد من المحتكرين، يتحكمون فى تحديد الهامش الكبير للربح، وبالتالى الأسعار التى يبعونها للمستهلكين.. وما لم نطهر أسواقنا من هذا الاحتكار لن نسيطر على هذا الغلاء الفاحش والارتفاع الذى لا يتوقف فى الأسعار.


وهكذا.. الرئيس السيسى يحتاج الآن بشكل أساسى.. اليقطة العالية.. والتواصل المستمر مع عموم الناس.. والاشتباك الدائم والفعال مع ما يؤرقهم ويزعجهم.. ولكن حتى يتحقق له ذلك فإنه يحتاج لأمور أخرى سوف تساعده أو تيسر له تحقيق ما يحتاجه أساسيًا.


ولعل أهم هذه الأمور الأخرى، التى يحتاجها الرئيس السيسى الآن هو سرعة اتخاذ السلطة التنفيذية بكل أعضائها القرارات الضرورية اللازمة، خاصة تلك القرارات التى تفرضها ظروف طارئة أو أوضاع مستجدة أو أحداث وتطورات جديدة.. وربما هنا صار الأمر يقتضى مراجعة لكل أعضاء هذه السلطة التنفيذية بشكل كامل لايستثنى أحدا، وذلك للتخلص من هؤلاء الذين صاروا لايلقون قبولا لدى الرأى العام أو الذين أغضبوه وأثاروا شكوكه، والذين باتوا عبئًا على السلطة التنفيذية وعلى الرئيس ذاته.. وهنا يصبح ضروريا أن تكون اختيارات أى مسئولين جدد أو وزراء أو محافظين أو رؤساء شركات وهيئات ومؤسسات، أكثر صرامة، خاصة توفر معايير القدرة على التواصل مع عموم الناس والتفاعل مع الرأى العام والإدارة السياسية وليست الفنية أو الإدارية فقط .


كما يتعين عدم تأجيل المواجهة مع العديد من القضايا المثارة بأسلوب ومنهج سياسى وليس بيروقراطيًا يراعى ما تتعرض له البلاد من مخططات تستهدف النيل من استقرارها وتماسكها الوطنى.. ربما كانت بعض القضايا تحتاج لنقاش أو حوار مجتمعى للتوصل إلى توافق فى الرؤى والمواقف.. غير أن إطالة النقاش دون الوصول إلى هذا التوافق لايفيد ويلحق الكثير من الأضرار.. ويزيد الشكوك المجتمعية، ويمنح المتربصين ثغرات جاهزة نضعها نحن للنفاذ منها للإضرار بهذا التماسك الوطنى.. والنموذج الصارخ هنا والمثار الآن هو ما يتعلق بمشروع قانون بناء الكنائس الذى كادت الدورة البرلمانية أن تنقضي دون عرضه على البرلمان، رغم أن الدستور يلزمنا بإقراره وإصداره فى أول دورة برلمانية .


ولعل هذا يوضح أهمية أن نتخلى عن أسلوبنا البيروقراطى غير السياسى فى التصدى للكثير من القضايا المجتمعية.. وإذا حدث ذلك سوف نكون مستعدين لمواجهة حقيقية وصادقة مع مشاكلنا التى تخلقها لنا بيروقراطيتنا، التى نعانى منها منذ أمد يعير.. فهذه البيروقراطية لاتعطل فقط الاستثمار، سواء الوطنى أو الأجنبى، ولا تسهم فى خلق مناخ يشجع على شيوع وانتشار الفساد، ولكنها أخطر من هذا تهدد التماسك الوطنى وتخلق صدامات وصراعات مجتمعية وتعكر صفو الوحدة الوطنية .


وهنا يصير ضروريًا ومهمًا للرئيس السيسى أن يوسع دائرة من يسمح لهم حتى لايستأثر أعضاء السلطة التنفيذية وحدهم بالحديث الغالب مع الرئيس.. فمن ينضم للسلطة التنفيذية - بمرور الوقت باستثناء عدد محدود يقبل بمقتضيات البيروقراطية ويتصرف كما تمليه عليه هذه المقتضيات حتى وأن كان قبل أن يدخل دائرة السلطة التنفيذية كان من دعاة التخلص هذه البيروقراطية .


فهذا سوف يوفر للرئيس أن يستمع لآراء واقتراحات ورؤى مختلفة وجديدة.. وبمنحه اختيارات عديدة وبدائل مختلفة إذا خضعت للدراسة سوف توسع دائرة الاختيار أمامه فيما يتخذه من قرارات أو ما يقوم به من توجيهات لأعضاء الحكومة، والأهم سوف تتيح له إمكانيات أوسع فى تقييم أعمال هؤلاء المسئولين والحكم الصحيح عليهم واتخاذ القرار بشاء بشأنهم أو بشأن استمرارهم من عدمه فى موقعه .


وحتى يوسع الرئيس دائرة من يسمع لهم فإن ذلك قد يقتضى تنظيمًا لمؤسسة الرئاسة يمكنه من ذلك دون أن يستهلك ذلك وقته الحافل بالتأكيد بالكثير من البحث والدراسة والنقاش للقرارات والتوصيات والمتابعة لتنفيذ الأعمال والتقييم لما تم تنفيذه.. فليس ضروريا بالطبع أن يستمع الرئيس بشكل مباشر لجميع من يستمع إليهم، ولكن الأمر يمكن أن يتم بشكل غير مباشر من خلال قناة تتسم بالأمانة الشديدة.. وهنا قد يكون مفيدا أن يخصص من يشرف على ذلك الأمر، وأن يتم دعم المكتب الإعلامى فى مؤسسة الرئاسة .


ويبقى أخيرًا أن الرئيس يحتاج لموازنة دقيقة ومحسوبة يتم الالتزام بها دومًا فى مخاطبة الرأى العام، بين العرض الأمين والصادق بشفافية لمشاكلنا، خاصة مشاكلنا الاقتصادية دون تهوين ومابين الحفاظ على الأمل في المستقبل، أو الأمل فى الخلاص من هذه المشاكل التى تؤرق جموع المصريين، فالمكاشفة تقتضى عدم إخفاء أية مشاكل أو صعوبات عن الشعب لنضمن تفهمه وقبوله لأية إجراءات صعبة لمواجتهتها، لكن الحفاظ على الأمل فى المستقبل يقتضى أيضا عدم التهويل من هذه المشاكل والأزمات أو عدم تنبيه الناس إلى أنها مشكلات قابلة للحل، وسوف تحل من خلال الجهد والعمل، والأهم بالإصرار على مواجهتها .


وهكذا..


الرئيس السيسى يحتاج ألا يقاتل وحده من أجل إنقاذ هذا الوطن وإنما أن يقاتل كــــل المصريين معه.. وحتى يتحقق ذلك يجب أن يهيئهم لهذا القتال بالتواصل الدائم معهم والتخفيف من حدة مايتعرضون له من مصاعب ويعانونه من أزمات، مع اليقظة لما يدبره و يخطط له المتربصون.