حقيقة العلاقة بين الإخوان وتيارات العنف

24/08/2016 - 3:48:06

بقلم : أحمد بان

فى كتابه دعوة المقاومة الإسلامية العالمية، هذا السفر الضخم الذى كتبه السورى عمر عبدالحكيم، أحد أهم منظرى القاعدة والمكنى بأبى مصعب السورى يذكر هذا المثال اللافت.


يقول «فى الأردن صرخ أحد أمراء جماعة التبليغ والدعوة فى المعتقل فى وجه المحقق مندهشا محتجا بقوله، نحن لم نمارس جهادا ولا سياسة ولا واجهناكم ! نحن ندعو إلى الله فى مساجدنا ونصلح الناس وننقذهم من الفساد وعالم الخمارات والجرائم، فقال له المحقق الخبير ضابط الاستخبارات الذى وعى درسه هذه هى المشكلة، أنتم الأتوبيس تحملون الناس من الشارع إلى المسجد، فيأتى الإخوان فيحملونهم من المسجد إلى السياسة، فيأتى المتطرفون فيأخذون غايتهم من الشباب للجهاد والتطرف، نريد قطع كل هذا الطريق من أساسه نريد وقف الأتوبيس وهذا يشرح كل حقيقة المواجهة «هكذا لخص أبو مصعب السورى الصراع من وجهة نظر التيار الجهادى الذى أسس القاعدة.


يعتقد أبو مصعب السورى أن المنهج الجهادى هو المنهج الصحيح الموافق للكتاب والسنة، ويحاول فى كتابه المذكور صناعة وعى أفراده بقراءة التاريخ على طريقته، وكذلك النصوص ومحاولة تطوير فقه جهادى حركى، وقراءة للواقع الذى مرت به تجارب الإسلاميين عموما والتيار الجهادى على وجه الخصوص، وقد أنجز مراجعة أنتجت سيلا من الأفكار المهمة الجديرة بالمناقشة ربما فى مقام آخر، لكن أهم ما انتهى إليه فى كتابه، أن التيار الجهادى مع كل التيارات الأخرى فشل لأنه لم ينجح فى جر الأمة إلى الانحياز له فى المواجهة مع العدو القريب الذى تجسده الأنظمة والعدو البعيد الذى تمثله أمريكا وإسرائيل، لكن ما يعنينا فى هذه السطور هو الإجابة عن سؤال هام


هل اتهام الإخوان بالعنف هو محض دعاية كاذبة من الأنظمة، وأن الجماعة تابت عن العنف منذ بداية السبعينيات بعد وفاة جمال عبدالناصر، وأنها حركة سلمية دعوية لا صلة لها بكل التيارات المتشددة والتكفيرية؟


هل من قبيل الصدفة أن تكون أبرز قيادات العنف فى العالم من أصول إخوانية كأسامة بن لادن، الذى أكد الظواهرى أنه كان إخوانيا قبل سفره إلى أفغانستان، دون أن يذكر أن أهم من وجهوا مسيرة بن لادن فى أفغانستان كان هو الدكتور عبدالله عزام الذى يعد أهم شيوخ الجهاد فى العالم، والذى بقى إخوانيا حتى وفاته وبقيت صلاته بقيادات الإخوان راسخة حتى اغتياله، ألم يكن أيمن الظواهرى إخوانيا قبل أن يكتب كتابه الحصاد المر فى العام ١٩٨٧ على خلفية خلاف فى الوسائل والآليات بينه وبين الجماعة، ألم تظهر أدلة صلاته مع الجماعة بعد اتصالات قيل إنه تبادلها مع محمد مرسى عندما كان رئيسا لمصر، هل كانت مفاوضات عماد عبدالغفور مع جماعات العنف فى سيناء والتى أنتجت هدوءا فى ساحة سيناء طوال فترة حكم مرسى صدفة أيضا، هل كانت صلات خيرت الشاطر بمحمد الظواهرى صدفة؟، هل هى صدفة أيضا أن يكون أبوبكر البغدادى خليفة داعش كبرى حركات العنف المعاصرة إخوانيا أيضا، أدخله عمه إسماعيل البدرى للجماعة فهل خرج منها بالفعل أم بقيت صلات ما بينه وبين الجماعة قد تكشف عنها الأيام القادمة، ولماذا حرص القرضاوى على أن يضع انتماءه السابق فى جملة مفيدة عبر الجزيرة الآن؟ خصوصا إذا أعدنا قراءة العلاقة بين داعش وتركيا هل تكون داعش هى حصان طروادة الذى تختبئ فيه الجماعة لاستعادة الخلافة العثمانية؟


هل كانت رواية رجل الأمن الأردنى تلخيصا لخطة الإخوان فى التكامل مع كل الجماعات الإسلامية وتبادل الأدوار؟


هل لدى الإخوان موقف صارم ضد العنف؟


يجب أن نفرق بين الإجابات السياسية والإجابات الأصدق والراسخة فى أدبيات الجماعة


البنا يقول سنستخدم القوة حيث لايجدى غيرها


ويقول القوة شعار الإسلام لكنها عندنا لها مراحل تبدأ بقوة الإيمان ثم قوة الوحدة ثم قوة الساعد والسلاح، لذلك لم يكن غريبا أن يشعر أبو مصعب السورى بأن الإخوان فرطوا فى ثوابت الرجل والرعيل الأول من الإخوان، خصوصا أن الرجل كان ينتمى للطليعة المقاتلة الجناح العسكرى للإخوان فى سوريا، والذى ظهر للعلن مؤخرا فى معركة حلب الأخيرة التى سميت باسم إبراهيم اليوسف الذى نفذ مذبحة قتل طلبة الكلية العسكرية فى حلب فى ١٩٧٩


يقول أبو مصعب السورى فى كتابه السابق الإشارة إليه بالقول «الجدير بالذكر هنا أن نقول إن مناهج الإخوان المسلمين وفروعهم من الحركات الإسلامية، قد شهدت انقلابا على كثير من أساسيات المنهج الذى بنى على أفكار مؤسسيه الأوائل كحسن البنا وعبدالقادر عودة وخاصة سيد قطب رحمهم الله تعالى، وازدادت زاوية الانحراف المنهجى انفراجا بسبب التسكع على أبواب السلاطين وتسلم المناصب فى مؤسساتهم العلمانية القائمة على أصول الردة والتشريع من دون الله والولاء للكفرة وأعداء هذه الأمة».


ثم يتناقض الرجل فيكشف خبيئة نفسه بالقول إن ميتران قال سنضرب الإسلام المتشدد بالإسلام المعتدل، ومن ثم يعود فيقول إنه رغم ما يأخذه على الإخوان فإن «الإسلاميين المعتدلين كما يسمونهم ليس لديهم فى النهاية بضاعة إلا الإسلام، فإذا ما أتيح لهم المجال (مساجد مدارس ندوات محاضرات مؤلفات قاعات برلمان تتماس مع المجتمع فليس لديهم بضاعة إلا مشاريع الإسلام والحديث عن تحكيم الشريعة والجهاد من أجل فلسطين، والالتزام والأخلاق الإسلامية وحتى مع وجود أغراض شخصية فقد ساهم ذلك فى توسيع قاعدة الإسلاميين، كما أن الجهاديين المتشددين كما يسمونهم يجدون فى مثل هذه الاستراحات وأجواء الاسترخاء السياسى والأمنى (الذى تحققه الجماعة عبر هذا اللون من العمل بالطبع) مجالا للتمدد سريا، وإعادة تنظيم الصفوف واكتساب قواعد أوسع داخل الهامش العام للصحوة».


يكشف الرجل عن أمر لا يعلمه سوى الإخوان وأجهزة الأمن، والذى يلخصه ربما الحوار بين شيخ التبليغ ورجل الأمن منذ وقت مبكر اختار الإخوان سبيل التقية السياسية والازدواجية والخطاب المعلن للعالم والخطاب الخاص للقواعد .


لذا لم تجد الجماعة بأسا فى توزيع الأدوار يؤسس البنا النظام الخاص فى نهاية الثلاثينيّات، ويضع على رأسه السندى الذى ينفذ إشارات المرشد بالقتل فيصدر المرشد بيانا سياسيا يتبرأ فيه من فعله بل ويكفره ويقول ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين، فى الفقه الحركى الشفهى الذى تبادله البنا مع خلصائه وأودعه صدورهم تأسست قواعد التعامل مع الطيف الإسلامى المتنوع بين سلفيين وجهاديين ومتصوفة وغيرهم، لذا كان البنا حريصا على أن تكون جماعته مظلة واسعة تستوعب جهد كل هؤلاء ما دام يصب فى صالح مشروعه.


تذكروا معى كيف تشكلت الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح فى مايو ٢٠١٢ عندما تهيأ الإخوان لاستلام الحكم، معتقدين أن اللحظة حانت لخلع الملابس التنكرية لتياراتهم والظهور فى صف واحد بملابس واحدة، وهو ذات الدافع الذى يجعلهم الآن يستعيدون ملابسهم وتمايزهم عن الإخوان باعتبار أن الجماعة أصبحت فى مرمى نيران النظام، وبدا أنها تنهزم بحسم وبالتالى لاغرابة أن نجد محمد حسان يتحدث الآن عن تعنت الإخوان وتسببهم فى عدم حقن الدماء فى رابعة، وستتوالى التباينات من أجل إعادة التموضع لتلك القوى، وقد سبق حزب النور مبكرا بالخروج من عباءة الجماعة لخبرة سابقة بالجماعة وإدراك للمآل.


عندما نجد أن كل رموز العمل الجهادى فى العالم على مستوى التنظير إخوان كسيد قطب وعبدالله عزام وفتحى يكن، ثم نجد قيادات الجهاد والعنف فى المشهد مثل بن لادن والظواهرى والبغدادى وأبو مصعب السورى لهم ماضٍ إخوانى لم ينكروه هل يبقى هناك شك فى أن الجماعة ترعى عبر خطة محكمة جسد حركى ضخم، يتمظهر فى كيانات سلفية أو جهادية أو حتى تبليغ له منحى صوفى تماما كالأوانى المستطرقة تؤدى بعضها إلى بعض.


ألا يعد ظهور حركات عنف مثل العقاب الثورى وكتائب المقاومة الشعبية وضنك وولع وأخيرا حسم التى أقدمت على محاولة اغتيال مفتى مصر السابق الشيخ على جمعة دليلا على حضور المكون الجهادى داخل جسد الجماعة، فضلا عن الكيانات الأخرى التى تتعاون معها الجماعة وتحرص على إخفاء علاقتها بها.


المشروع واحد الخلافة التى ستسلك لها الجماعة كل طريق، سياسيا كان عبر البرلمانات أو بالبندقية والمفخخات عبر داعش والقاعدة، أو بتوسيع قواعد المؤمنين بها من جمهور السلفيين الذى يتهم بالإرجاء من قبل الإخوان والجهاديين فى خطط إشغال يبدو متفقا عليها، حيث يتهم الكل ليشغل التمايز بينهم عقول خصومهم فلا يلتفتون إلى أنهم فى النهاية أصحاب حلم واحد، الصلات بينهم سرية والتنسيق بينهم يحرص على أن يبقى كذلك مخاتلا يتأبى على الرصد والحصار، الإسلاميون فى النهاية وسائلهم متنوعة لكن حلمهم يبقى واحدا الخلافة، وإن كان الخليفة أبو بكر البغدادى حتى تتهيأ الأوضاع للخليفة أردوغان الذى تغزل الجماعة له الآن خلعة السلطان .