اعترافات أحمد المغير «الليلية» .. أين أسلحة رابعة التى تم تهريبها؟

24/08/2016 - 3:45:49

بقلم : ثروت الخرباوى

لم يكن أحمد المغير شخصية معروفة قبل ثورة يناير، حتى إن معظم الإخوان لم يكونوا يعرفونه، ولكن اسمه تردد في الأوساط الإخوانية وأمام الرأي العام بعد محاولة طغمة من شباب الإخوان إفساد اعتصام المثقفين الذي كان منعقدا في مبنى وزارة الثقافة بالزمالك في زمن حكم الإخوان، وقتئذ هجم المغير ومعه عصابة إخوانية إلا أن هجومهم باء بالفشل وتندر الجميع على صفعة نالها المغير من إحدى الفتيات.


أطلق الإعلام على أحمد المغير بعد ثورة يونيه التي أطاحت بالإخوان لقب «غلام خيرت الشاطر» وأحيانا كانوا يقولون عنه «فتى خيرت الشاطر» والملاحظ في اللقبين أن الإعلام قرنه بالشاطر وأعلن عن تبعيته له، والحقيقة أن هذا اللقب كان يتداول بين قيادات الإخوان عن هذا الفتى، ثم تسرب خبر هذا اللقب إلى صحفي ما فاستخدمه ثم أصبح عَلَمَا على شخص، المهم أن الأحداث توالت على مصر ومن ثم على الإخوان بعد ثورة يونيه، ونسي الجميع ذلك الفتى بغزواته، وأخذ الإخوان يبكون وينوحون على واقعة فض احتلال ميدان رابعة «المسلح»، مطلقين عليها كذبا أنها كانت مجزرة ضدهم، والحقيقة أنها كانت مجزرة منهم، إلا أنهم كعهدي بهم يحاولون دائما الظهور بمظهر الضحية ليكتسبوا نصرا تاريخيا مزيفا، وليكتسبوا أيضا تعاطف الغافلين الذين لا يعلمون، بل إنهم في السبعينيات عندما كذبوا على البرية كلها وأظهروا للرأي العام أنهم كانوا ضحية لجمال عبد الناصر الذي كان وفق دعايتهم «يكره الإسلام» استطاعوا أن يضموا لصفوفهم الآلاف من الشباب الغافل الذي وقع تحت تأثير هذه الدعاية، لذلك لا ضير عندهم من تكرار نفس الأمر في زمن الرئيس عبد الفتاح السيسي والادعاء بأن احتلالهم لأحد أكبر ميادين القاهرة كان اعتصاما سلميا وأن الرئيس السيسي أمر بارتكاب مذبحة وقتل الإخوان لأنه كما يقولون في دعايتهم «يكره الإسلام»! وهم ـ كما يخادعون ـ يمثلون الإسلام !.


وعلى حين بغتة خرج فتى الشاطر أحمد المغير ليفضح ما كان مستترا، ويعترف بأن الإخوان كانوا يحملون في رابعة سلاحا يصد جيشا لسنوات! ولكن أحد القيادات أو «بتوع إخوانا فوق» على حد تعبير المغير قام بإخراج تسعين بالمائة من الأسلحة قبل فض الاعتصام في خيانة كبرى! ولم يبقَ وفقا لتصريحات المغير إلا الأسلحة التي كانت مع كتيبة «طيبة مول»! وهي التي قاوم بها الإخوان عملية فض الاعتصام المسلح.


والحقيقة أن اعترافات المغير لم تكن من قبيل «الاعترافات الليلية» وكذلك لم تكن اعترافات رجل أراد أن يعلن للناس الحقيقة ويتوب إلى الله مما فعل هو وإخوانه، ولكنها اعترافات واحد من أطراف صراع داخلي بالجماعة، أو قل هو أحد ذيول هذا الصراع الذي خفي عن معظم الناس، وما خفي كان أعظم.


ولكي نكشف ستر هذا «الأعظم» نصحح أولا بعض المصطلحات، فأحمد المغير ليس هو «فتى خيرت الشاطر» ولكن فتى الشاطر هو محمد كمال، وما أحمد المغير إلا «فتى محمد كمال» أو غلامه الأثير، والمغير أدلى بهذا الاعتراف نيابة عن محمد كمال، ومحمد كمال أوحى به للمغير نيابة عن المسجون خيرت الشاطر، والهدف من هذا الاعتراف هو توجيه ضربة لمحمود عزت، وتحقيق انتصار لمحمد كمال «فتى الشاطر» في صراع يستهدف السيطرة على مقاليد الأمور داخل الجماعة.


والخلاف داخل الإخوان بين فرقتين أصبح حديث المدينة بحيث لا يجوز إنكاره أو إغفاله، فمحمد كمال الذين يدين بالولاء لخيرت الشاطر يسير في طريقه وفقا لتعليمات يتم تهريبها إليه من خيرت الشاطر في سجنه، وخطته تستهدف استمرار الصراع بين الإخوان والدولة لآخر نفس إخواني، فلو هدأت الأمور قد لا يرى الشاطر الشارع مرة أخرى إلى أن يموت، وتكون دعايته التي قال فيها إنه خرج من السجن إلى الحكم مثل سيدنا يوسف قد ارتدت إلى صدره، لأن سيدنا يوسف لم يعد مرة أخرى من الحكم إلى السجن! والشاطر يبحث عن حريته ولو ضاعت في سبيلها آلاف الأرواح، والسبيل الوحيد أمامه هو استمرار الصراع بكافة أشكاله حتى يتم ـ كما يتوهم ـ إسقاط الدولة وخروجه من السجن منتصرا ليقود جيشه أو ميليشياته التي ستعيده إلى كرسي الحكم! والشاطر المسجون له رجله الأثير أو فتاه المدلل محمد كمال الذي تم تصعيده بعد ثورة يناير في غمضة عين ليكون عضوا بمكتب الإرشاد، ومحمد كمال يسعى لتنفيذ خطة الشاطر باستمرار الصراع مع الدولة حاملا لواء الرفض لخطة محمود عزت الرامية للتهدئة، وسبحان الله ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حالٍ إلى حالٍ، إذا بالأخين المتوافقين الشاطر وعزت من أعدى الأعداء، كل طرف يسعى للقضاء على أخيه ولتذهب «الأخوة في الله» إلى قبرها لأنها لم تكن لله في يوم من الأيام وقديما قال من قال: «ما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل».


 ولكن ما هو سبب رؤية محمود عزت التي تستهدف التهدئة والتي يحاربها الشاطر وفتيانه محمد كمال وأحمد المغير؟ رؤية عزت تتفق مع مزاجه النفسي وشخصيته فضلا عن حريته المنقوصة، فهو هارب لم يتم القبض عليه، يختبئ في مكان ما، والشرطة تبحث عنه في كل مكان، وهو يتفنن في الاختباء، ويبالغ في الاختفاء، وإذا استمر الصراع قائما مع الدولة كما يريد الشاطر فإن هذا سيدفع الشرطة إلى البحث عنه بكل السبل والوسائل، كما أن الجماعة أصبحت بعد الضربات الأمنية المتعددة في حالة مزرية، واستمرارها في الصراع سيؤدي إلى  إماتتها لا جدال في ذلك، ومن الأجدى أن تأخذ الجماعة هدنة من الصراع لوقت قد يطول، وخلال هذه الهدنة تستطيع الجماعة إعادة تشكيل مكاتبها الإدارية ولجانها النوعية بشكل مستتر بعيدا عن أعين الجهات الأمنية، كما أن هذا الهدوء سينعكس على الجهات الأمنية التي ستهدأ بدورها، ولن تجد في البحث عنه، ولكن هذا الطريق لا يروق للشاطر ولا لرجاله وميليشياته، ولذلك قام الخلاف الذي ترتب عليه اعترافات المغير «فتى محمد كمال» الذي أراد اتهام محمود عزت ـ دون أن يصرح باسمه ـ بإخراج أسلحة رابعة التي تصد جيشا من الاعتصام قبل فضه بيوم، موجها إليه بذلك اتهاما بالخيانة، ومعلقا دماء الإخوان في رقبته، لأنه وفقا للاعتراف لو ترك الأسلحة لتمكن الإخوان من المقاومة ولتحولوا إلى جيش على غرار جيش المرتزقة السوري المتأسلم، ولذلك فإن هذا الاعتراف يفضح محمود عزت بين الإخوان، وبه يرد الشاطر على ضربة وجهها له محمود عزت ذات يوم لم يعلم أحدٌ عنها شيئاً، ولكن ماهي ضربة عزت للشاطر؟!


نبدأ القصة من أول السطر، وتحديدا بعد خروج الشاطر من السجن بعد ثورة يناير، وقتها كانت حالة الانفلات الأمني على أشدها، فأراد الشاطر الاستفادة من هذا الانفلات، فعهد إلى محمد كمال تشكيل ميليشيات من شباب إخواني يتم انتقاؤه، يتميز بالسمع والطاعة، على أن تكون هذه الميليشيات تابعة بشكل مباشر لخيرت الشاطر وحده دون غيره من قيادات الإخوان أو أقسامها النوعية، وبالفعل اجتهد محمد كمال ومعه «أسامة ياسين» وغيرهما في العمل المكلفين به، وتم اختيار عدد لا بأس به من الشباب الإخواني المفعم بالعاطفة الدينية والذي يدين بالولاء للشاطر ورجاله، وتم تدريبهم على الرياضات القتالية وعلى استخدام الأسلحة المتنوعة وإعداد القنابل اليدوية.


ولكي أضع الحقيقة بجوار الحقيقة لنصل إلى الحقيقة الكبرى أنعش ذاكرتكم بالعرض العسكري لطلبة الأزهر عام ٢٠٠٧، وكان هذا العرض من طلبة الأزهر المنتمين لخيرت الشاطر أكثر من انتمائهم للإخوان، لذلك دخل خيرت الشاطر وقتها في قائمة الاتهام في هذه القضية، وأنعش ذاكرتكم أيضا بأسماء بعض المتهمين في قضية اغتيال النائب العام الشهيد هشام بركات، فأولهم يحيى موسى الهارب لتركيا الذي كان من ضمن طلبة العرض العسكري، ومع يحيى موسى نجد عددا من طلبة العرض العسكري في قائمة الاتهام بقضية الشهيد هشام بركات، كل هؤلاء الطلبة الذين خرجوا من سجونهم تباعا قبل وبعد ثورة يناير انضموا إلى ميليشيات الشاطر التي ارتكبت ما يشيب له الولدان، ومنها  المحاولة الأخيرة لاغتيال الدكتور علي جمعة!.


المهم أن الشاطر في زمن حكم الإخوان أخذ يصدر أوامره بإدخال ميليشياته الخاصة في تدريبات عملية بالمشاركة في حصار المحكمة الدستورية مع ميليشيات حازم أبو اسماعيل، وكذا بالاشتراك معهم في حصار مدينة الانتاج الإعلامي، وصولا إلى ما حدث في أحداث قصر الاتحادية في ديسمبر من عام ٢٠١٢ والتي وقع فيها عدد من النشطاء السياسيين والثوريين المناهضين للإخوان ومنهم المصور الصحفي الحسيني أبو ضيف قتلى برصاص الإخوان، وفي ذات الوقت تم قتل ستة من الإخوان منهم محمد ممدوح الحسيني ابن أحد قيادات الإخوان الكبيرة، وبعد هذه المقتلة العظيمة ثارت ثائرة محمود عزت، وانتقلت ثورته بالتبعية لمحمد بديع، فالشهود من الإخوان شهدوا أمام محمود عزت وبديع بأن الذي ارتكب جريمة القتل الجماعية هذه هم ميليشيات الشاطر، وأنها وجهت ضرباتها بشكل عشوائي، فوقع من وقع قتيلا, أصيب من أصيب، واحتد بديع على اثر ذلك على الشاطر خاصة أنه كان قد طلب منه قبل ذلك تسليم ميليشياته للإخوان بشكل نظامي ورسمي، ولكن الشاطر رفض، وبعد أن تم تقديم العديد من الشكاوى الإخوانية ضد الشاطر وميليشياته التي تتحرك على هواه أصدر المرشد بديع قرارا بتقديم الشاطر لمحاكمة إخوانية، ولمن أراد أن يبحث عن حقيقة هذه المحاكمة فليعد إلى اعترافات إخواني آخر اسمه أحمد الحمراوي لم يهتم أحد بما قاله رغم خطورته، وأظن أن الكل نسي هذا الاعتراف في بلدٍ كل شيء فيه ينسى بعد حين!.


وللتاريخ سأسرد طرفا من هذه المحاكمة التي انعقدت في زمن حكم الإخوان وكان مكانها مقر الجماعة بالمقطم، كانت قائمة الاتهام هي تشكيل ميليشيات عسكرية، ولا تحسن الظن في الجماعة فتعتقد أنها ضد الميليشيات العسكرية، ولكنها حاكمت الشاطر لأنه شكل ميليشيات تابعة له شخصيا ورفض أن يضمها لتشكيلات الجماعة لتستفيد منها وفقا للتسلسل التنظيمي، وترتب على ذلك أن تحركت بشكل فردي قبل أن تتمكن من تدريباتها فوقعت في أخطاء نتج عنها مقتل ستة من الإخوان!.


كانت المحاكمة في شهر يناير من عام ٢٠١٣ وكانت حالة البلاد متوترة على أشد ما يكون التوتر، إلا أن التوتر الذي كانت تعيش فيه الجماعة كان أكبر من احتمالها، وفي ظل هذا الجو المتوتر انعقدت محاكمة الشاطر إخوانيا في محاكمة رأس جلستها محمد بديع وضمت في عضويتها محمود عزت ورشاد البيومي وجمعة أمين، وفوجئ الجميع بعدة مئات من شباب الجماعة يحيطون بمقر الجماعة وظلوا يهتفون للشاطر حبيب الله وكأنهم يشجعون مباراة كروية، كان المشهد غريبا لم يعلم أحد من عموم الناس سببه، إلا أننا اعتقدنا أنهم تجمعوا بهذا الشكل ليردوا على غضب الرأي العام على الإخوان، والحقيقة أنهم كانوا يُرهبون المحكمة التي تحاكم الشاطر، وإزاء هذه الأعداد المؤيدة للشاطر انتهت المحاكمة بالاكتفاء بتوجيه اللوم للشاطر وتوجيه الرجاء ـ لا الأمر ـ له بضرورة الإسراع بتسليم ميليشياته للإخوان، فوافق على أن يتولى محمد كمال إدارتهم وتوجيههم، فوافقت المحكمة وانتهى الأمر.


من هذه اللحظة نشأ الخلاف بين الشاطر وعزت، فعزت كان متشددا ضد الشاطر أثناء المحاكمة، لكن بديع والبيومي كانا من أكثر الناس توددا له، وكان أن امتد الخلاف حتى طال محمد كمال رجل الشاطر، وزاد الخلاف حين توجهت سرية من سرايا تلك الميليشيات إلى اعتصام المثقفين في الزمالك تحت إشراف محمد كمال وبقيادة المغير، وكان عزت رافضا لهذا التوجه حتى لا يستفز الرأي العام، ولكن قرار محمد كمال كانت له الغلبة على قرار عزت، وكانت النتيجة أن حدثت فضيحة كبيرة لتلك السرية حين أخذت صفعة مدوية على قفا المغير من إحدى الفتيات.


ودارت الأيام، وانتهى زمن الإخوان، وحدثت أشياء تحتاج إلى مجلدات للتأريخ لها، إلا أن صفعة المغير على قفاه لن ينساها أحد، واعتصام رابعة المسلح لن يغير حقيقته أحد، وبعد سنوات من سقوط الإخوان عادت خلافات الإخوان للحياة مرة أخرى، فالشاطر كما قلنا في البداية يريدها حربا لا تنتهي، ومحمود عزت يريد هدنة يختبئ فيها ويخفي فيها تحركات الإخوان من أجل إعادة تشكيل المكاتب الإدارية واللجان النوعية على مهل، والخلاف يحتدم حتى اضطر كبار الإخوان في العالم إلى التحكيم بينهما، فدخل في خط التحكيم يوسف القرضاوي، ومحمد أحمد الراشد الإخواني العراقي الذي يعيش في لندن، وانتهى التحكيم بوجوب أن يقدم محمود عزت ومحمد كمال ورجالهم استقالاتهم من مناصبهم الإدارية بالجماعة، وليتقدم صفٌ جديد من شباب الإخوان لقيادة جماعتهم بعيدا عن القدامى، فوافق محمد كمال وأصدر بيانا أعلن فيه استقالته وقبوله للتحكيم، وطلب من عزت فعل نفس الشيء، إلا أن عزت رفض، وأصدر بيانا قال فيه إنه صاحب القرار في الجماعة والقائم بأعمال المرشد، فحاول المحكمان القرضاوي وراشد الدخول في الخط من جديد، وظلت الوساطة فترة، إلا أنها فشلت، فما كان من الشاطر إلا أن أوحى لفتاه محمد كمال أن يوحي لغلامه أحمد المغير أن يدلي بهذا الاعتراف ليتهم عزت بالخيانة وبالمسئولية عن الدماء، وبإنهاء القدرات التسليحية لجيش الجماعة المرتقب، ولكن اعتراف المغير يقودنا إلى سؤال أهم هو: أين ذهبت الأسلحة التي كانت في رابعة والتي قام محمود عزت ورجاله بالأمر بتهريبها خارج الميدان؟ وهل سيرد محمود عزت ورجاله على اعترافات المغير فيخرج علينا أحدهم باعتراف يدلنا على من قتل أسماء البلتاجي؟ وبالمرة من ذا الذي قتل عمار ابن المرشد محمد بديع؟ ولماذا كان هذا القتل؟ وهل تم عشوائيا أم أنه كان مدبرا لسبب ما؟ هذه الأسئلة كلها تحتاج إلى تحقيق استقصائي، فمن سيتحفنا بهذا التحقيق؟