الكنيسة غاضبة.. و«البرلمان» ينتظر نواب أقباط لـ«الحكومة»: أين قانون بناء الكنائس؟!

24/08/2016 - 3:43:28

تقرير: رانيا سالم وسارة حامد

فجرت المُلاحظات التى أبدتها الكنيسة على مشروع «قانون بناء الكنائس»، الذى أعدته الحكومة، أزمة داخل الأوساط المسيحية عامة وفى مجلس النواب خاصة، وبينما يؤكد نواب البرلمان أن القانون لم يصل إلى مجلس النواب حتى الآن لمناقشته، تساءل نواب أقباط أين القانون.. يا حكومة؟!. تحفظات الأقباط على مشروع القانون المقدم فى نسخته الأخيرة تضمنت فى بعضها، رفض امتلاك المحافظ الحق فى الموافقة على البناء، ورفض ربط بناء الكنائس بدراسة عدد السكان.


مشروع القانون أثار أزمة حقيقية بين الحكومة والكنيسة خلال الأسبوع الماضى، ويمتلك البرلمان وحده حل هذا الخلاف وفقا لدستور عام ٢٠١٤ الذى نُص فى المادة ٢٣٥ أن يصدر مجلس النواب فى أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانوناً لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية.


غضبة الكنيسة يقابلها تفهم من نواب البرلمان، فهم يرون أن بيان الكنيسة هو وسيلة للتعبير عن عدم رضاها عن مشروع القانون الحالى، وفى الوقت ذاته استنكار لموقف الحكومة التى انتظرت طوال دورة الانعقاد الحالى دون أن تتقدم بمشروع القانون، ولم يبق من دورة الانعقاد سوى القليل الأمر الذى جعل أحد النواب يصفها بالطالب البليد الذى يذاكر فى الأيام الأخيرة.


ممثلو الكنائس المصرية عقدوا اجتماعاً ضم ممثلى جهات عديدة بالدولة لمناقشة مشروع قانون بناء الكنائس المزمع إصداره، وقد فوجئت الكنيسة بتعديلات غير مقبولة وإضافات غير عملية، لذا أعلنت أنها سوف تسبب خطراً على الوحدة الوطنية المصرية بسبب التعقيدات والمعوقات الذى يحتويها.


«يبدو أن صدور قانون لبناء وترميم الكنائس أصبح أمرا صعبا».. هكذا تقول النائبة سوزى ناشد، مضيفة، فى البداية كان التصور أن الأمر شديد السهولة، حتى أننا نمتلك قانون ١١٩ لسنة ٢٠٠٨ لبناء دور العبادة الموحدة، يمكننا إضافة عليه مادتين وينتهى الأمر دون انتظار تصريح خاص لبناء الكنائس وترميمها.


«ناشد» ترى أن ثقافة المواريث المرتبطة ببناء الكنائس يبدو أنها أعطت انطباعا بأن أمر اصدار قانون ليس بهذه السهولة، فآخر قانون لبناء الكنائس كان ١٦٠ لسنة ١٨٥٦، ومنذ هذا التاريخ نجاهد من أجل إصدار قانون لتنظيم بناء الأقباط ولم يتم إصداره، الأمل فى صدور قانون تجدد مع دستور ٢٠١٤، والمادة ٢٣٥، لكن تحول الأمر إلى ملفات أمنية وموافقات من عدد من الجهات جعلت من الصعوبة اصداره.


وتساءلت «ناشد» أين القانون منذ بداية دورة الانعقاد الحالى؟، ولماذا تأخرت الحكومة فى تقديم المشروع للبرلمان؟، واصفة الحكومة بالطالب «البليد» الذى يذاكر فى اليوم قبل الامتحان على حد تعبيرها.


«ناشد» حددت التحفظات على مشروع القانون المقدم فى نسخته الأخيرة، والذى يتضمن ٨ مواد، قائلة: المادة الخاصة بوصف الكنيسة لم يتم وصفها واكتفت ببناء محاط بسور، مع العلم بأن الكنيسة فى القرى والنجوع قد لا تكون فى حاجة إلى أسوار، فلم تزد مساحتها عن ٦٠ إلى ٨٠ مترا، كما أن مبنى الكنيسة يتضمن عددا من المبانى الخدمية الملحقة بها.


وتابعت بقولها: امتلاك المحافظ الحق فى الموافقة على البناء هو الأمر الثانى، الذى تم التحفظ عليه، والأمر الثالث هو أن يرتبط بناء الكنائس بدراسة عدد السكان، وكأن ليس حق الأقباط الانتشار فى ربوع مصر.


«لا نمتلك وقتاً للدراسة» هو ما أكدت عليه النائبة «ناشد»، فالقانون فى حاجة إلى دراسة وافية بالنسبة لمشروع قانون الحكومة، أما مشروع قانون حزب المصريين الأحرار فهو فى حاجة إلى موافقة الطوائف الكنسية عليه، وفى الحالتين هناك حاجة ماسة للوقت لانهاء القانون بالشكل اللائق به، فالأمر ليس الغرض منه إصدار قانون «والسلام» على حد قولها.


«الحكومة نفت»، هو ما كشف عنه النائب عاطف مخاليف وكيل لجنة حقوق الانسان بمجلس النواب، قائلاً: «توجهت بسؤال المستشار مجدى العجاتى وزير الدولة للشئون القانونية ومجلس النواب عن القانون بمواده المختلفة، وأجابنى بما لا يدع مجالاً للشك: بأن الحكومة لم تنته منه، وأنه لا يزال فى مرحلة الإعداد من أجل الحصول على موافقة الطوائف المسيحية الثلاث».


مضيفاً: أن بيان الكنيسة اختص المسودة الأخيرة الخاصة بالقانون، وما ورد به من معوقات من وجهة نظر الكنيسة، وهو أمر يجب النظر إليه من جانبه الإيجابى، لأننا حتى الآن نمتلك جميعاً الحق فى إعادة النظر فى أى من مواد القانون.


وكيل لجنة حقوق الانسان، يرفض ما اسماه «الافتراء على الحكومة»، فهناك ١٤ مسودة للقانون، والحكومة لديها إصرار على ألا يخرج القانون فى صورته النهائية؛ إلا بعد موافقة جميع الأطراف، وفى الوقت ذاته يطالب الحكومة بأن تسعى لإرضا الكنيسة، وخاصة بعد البيان الذى أصدرته وأعربت فيه عن قلقها على الوحدة والوطنية والمواطنة.


مستطرداً أن الحكومة عليها تسهيل اجراءات البناء والموافقة على المُلاحظات التى وضعتها الكنيسة نصب أعينها، وهو بالفعل ما تقوم الحكومة به الآن، والدليل على ذلك أننا لا نزال فى مرحلة المسودات ولم تُعلن عن انتهائها من القانون، وراغبة فى إرضاء الكنيسة، وهو ما لم تنفه الكنيسة؛ بل وذكرته فى بيانها بأن المشاورات مازالت جارية ولم يتم الانتهاء من القانون.


أما النائبة مارجريت عازر وكيل لجنة حقوق الانسان بمجلس النواب، فدافعت فى بيان لها عن موقف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وقالت إن الكنيسة خرجت عن صمتها دون قصد إثارة الرأى العام، فالكنيسة لها الحق فى مراجعة الحكومة بشأن التعديلات والاضافات التى وصفتها بغير المقبولة وغير العملية لقانون بناء وترميم الكنائس.


مضيفة: أن تأخر وتعطيل إصدار القانون سيؤثر على الشعور الوطنى للأقباط تجاه حقوقهم المشروعة، والتى نُص عليها فى دستور ٢٠١٤، وهو القانون الذى ينتظره البرلمان منذ بداية دورة الانعقاد لضمان وجود تشريع يتيح للأقباط ممارسة شعائرهم الدينية.


ودعت وكيل لجنة حقوق الانسان، الحكومة إلى سرعة الانتهاء من المشروع وعرضه على المجلس، لأن بمجرد مناقشته داخل البرلمان سيتم غلق أبواب الأزمات فى المجتمع المصرى، ويقطع الطريق على كل أعداء الوطن لاستغلال القضية لتحقيق مصالحهم الشخصية على حساب وحدة نسيج الوطن.


وشنت «عازر» مزيدا من الهجوم على الحكومة، قائلة: «الحكومة خالفت ما تم الاتفاق عليه مع ممثلى الكنائس المصرية الثلاث، فالحكومة لم تقتض بالدين الاسلامى السمح، فهو أكثر تسامحاً من الحكومة مع الأقباط على حد قولها، فالاسلام لم يمنع بناء الكنائس».


فى غضون ذلك، قال النائب أسامة العبد رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، سيُناقش البرلمان قانون بناء وترميم الكنائس بفلسفة «نظرة الأخ لأخيه»، مضيفاً: أنه حتى الآن لم يتقدم مشروع القانون إلى المجلس، وبالتالى لم تتم مناقشته، والمشروع الوحيد المقدم للقانون هو مشروع حزب «المصريين الأحرار»، ولكن لم يتم وضعه على جدول أعمال الجلسات أو اللجان المختصة.


ويوضح «العبد» هذه الفلسفة، قائلاً: «الاسلام يمنح حرية العقيدة، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم اعتبر الأقباط إخوة لنا، ولا يعقل ألا يتم تخصيص أماكن لممارسة شعائرهم الدينية»، موجهاً رسالة طمأنة للأقباط بأن تشريع قانون يمنح الحق لبناء الكنائس وترميمها واجب وطنى على كل نائب داخل هذا المجلس.


وتابع: دراسة مشروع القانون ستتم من لجنة مكونة من عدد من اللجان المختصة على رأسها اللجنة الدينية والتشريعية والدستورية والتنمية المحلية، على أن تجمع كافة الآراء والنقاط التى تمت مناقشتها أو أثارت جدلاً ليتم بعدها عرض القانون على الجلسات العامة لأخذ التصويت.


رئيس اللجنة الدينية التمس العذر للكنيسة، قائلا: علينا أن نعطى إخواننا الأقباط جرعة من الهدوء، ليعلنوا عما أثير غضبهم، فالأقباط والكنيسة المصرية وقفت مع إرادة الشعب فى ٣٠ يونيه، وكان لها عدد من المواقف والتصرفات القيمة التى قضت بها على تصاعد الفتن داخل الوطن.


فى ذات السياق، قال كمال زاخر، عضو التيار العلمانى القبطى، إن التعتيم وغياب الشفافية تسببا فى تفاقم أزمة قانون إصدار بناء الكنائس الموحد؛ لكن الوقت الراهن لن يسمح بمحاسبة المقصرين سواء من جانب الكنيسة أو الدولة.


موضحا أن البديل الموضوعى والحل الأمثل لإصدار القانون هو أن ينص على تشكيل لجنة فى كل محافظة مكونة من ممثل عن كل طائفة ومندوب عن وزارة الإسكان ورؤساء الأحياء، لمناقشة الطلبات المقدمة لبناء الكنائس عن كل منطقة وفقا لشروط منصوص عليها مسبقا والبت فيها، ومن ثم يرجع الأمر برمته إلى المحافظين للتصديق عليها، وبذلك يخرج تطبيق القانون من الحيز الشخصى المحكوم بقرار من المحافظ إلى إطار من معايير وقواعد قانونية محددة سلفا.


«زاخر» لفت إلى أن الأقباط ربما يلجأون إلى المحكمة الدستورية للطعن على مشروع قانون بناء الكنائس فى حال إقراره على نصوصه المطروحة حاليا، خاصة أن مصر دولة يحكمها دستور وموقعة على اتفاقيات دولية ووثائق أممية لن تخالف تطبيقها خلال سن القوانين وإلا سيطعن عليها بوصفها قوانين معيبة.


«تنسيقية المواطنة» بدورها أصدرت بيانا وصفت فيه عرقلة تشريع قانون بناء الكنائس بمحاولة إجهاض الحراك الوطنى للقوى المدنية الرافضة للالتفاف على مدنية الدولة الذى تجلى فى رفض مشروع القانون الذى أعدته الحكومة لتقديمه لمجلس النواب لتنظيم بناء الكنائس، بعد أن تبين كارثيته وهدمه لمبدأ وحق حرية العبادة.


وأضافت أن هناك دعوة لجولة مباحثات ضاغطة على ممثلى الكنائس لتمرير هذا المشروع بصياغات مراوغة لتبقى على القيود الواردة فيه التى تنتهى إلى إعادة إنتاج الأزمة، ومُحاصرة حق الصلاة للأقباط بالمخالفة لما جاء بالمواثيق الدولية والأممية التى قبلتها ووقعتها مصر. مطالبة بحوار مفتوح تشارك فيه القوى الوطنية حتى نجنب الوطن الدخول فى أزمات تهدد وحدته وسلامته.


بينما قال الدكتور مينا مجدى، المنسق العام لاتحاد شباب «ماسبيرو»، إن تعنت الدولة كانت سببا فى تقديم مقترح قانون معيب، متوقعاً تصعيداً قانونياً ووقفات احتجاجية، وعقد مؤتمرات فى حال موافقة البرلمان على مشروع القانون، الذى سوف يقدم من الحكومة بالمُلاحظات السابقة.