التحالف الروسى ـ التركى ـ الإيرانى مؤقت أم مستمر ؟ وساطة كازاخستانية وراء المصالحة الروسية ـ التركية

24/08/2016 - 3:08:51

د. نبيل رشوان الخبير فى الشئون الروسية

ثمة تحالفات جديدة تحدث فى المنطقة العربية متمثلة فى حالات استقطاب حول الأزمة السورية، فنحن الآن نجد أن الولايات المتحدة تؤخر قدما وتقدم الأخرى فى تردد واضح حيال اتخاذ موقف حاسم، ونجد أن الاتحاد الأوربى ابتعد بعض الشيء، بل وبصفة عامة تراجع الحديث عن عقد مؤتمر جنيف، وحتى الحديث عن حل سياسى وأصبح الجميع يركز على معركة مدينة حلب العاصمة الاقتصادية لسوريا، والتى تعتبر نقطة تحول مفصلية فى النزاع السورى.


الجديد فى التحالفات أن تركيا وروسيا اللتين ناصبتا بعضهما بعضا العداء إثر إسقاط تركيا لإحدى المقاتلات الروسية تحولتا إلى حليفين يعملان جنباً إلى جنب فى سوريا رغم اختلاف وجهات النظر بينهما فيما يتعلق ببقاء الرئيس السورى بشار الأسد فى السلطة من عدمه، ومن المعروف أن روسيا رغم موقفها المتشدد من تركيا نتيجة إسقاط المقاتلة الروسية، إلا أنها كانت تبحث عن مخرج من هذه الأزمة ووجدت ضالتها فى الرئيس الكازاخستانى نور سلطان نازاربايف الذى قام بدور الوسيط، والذى انتهى بإرسال الرئيس التركى خطاب اعتذار للرئيس الروسى، وقد أشاد الرئيس الروسى بوتين فى لقاء جمعه بالرئيس الكازاخستانى فى مدينة سوتشى الروسية بالجهود التى قام بها للمصالحة بين تركيا وروسيا، ثم جاءت محاولة الانقلاب الأخيرة فى تركيا ليلة ١٥/١٦ يوليو الماضى، وما أعلن عن أن الأجهزة الروسية أبلغت الرئيس أردوجان بتلك المحاولة قبل حدوثها بأسبوع، ورفض روسيا للانقلاب منذ اللحظة الأولى وتكلل الغزل الروسى ـ التركى بزيارة قام بها الرئيس التركى لروسيا فكانت إيذاناً بتطبيع العلاقات والسعى لعودة العلاقات إلى ما كانت عليه قبل إسقاط الطائرة الروسية، وأضيف إليها التعامل بالعملات المحلية فى البلدين، واستغلت روسيا بذلك غضب أردوجان من الولايات المتحدة والغرب الذين اتهمهما بتأييد الانقلاب، بل بتدريب الانقلابيين.


التحالف الروسى ـ الإيرانى الجديد متوقع ويعتبر شيئا عاديا، فروسيا حليف قديم لإيران منذ فرض العقوبات عليها سواء من خلال نظام المقايضات بين البلدين لتفادى العقوبات الدولية المفروضة على إيران أو من خلال بناء المفاعلات النووية أو إمداد إيران بالسلاح، وفيما يتعلق بالأزمة السورية، فالدولتان متفقتان على بقاء الرئيس بشار فى السلطة، ولإيران مقاتلون يقاتلون على الأرض ليس آخرهم حزب الله التابع لإيران وتقدم لهم روسيا الغطاء الجوى من طائراتها الموجودة فى قاعدة حميميم السورية، من هذا المنطلق يعتبر التحالف الروسى الإيرانى منطقيا وطبيعيا بحكم العلاقات الاستراتيجية التى تربط البلدين، أما الجديد فى التحالف الجديد فهو وضع إيران لإحدى قواعدها الجوية فى همدان تحت تصرف القاذفات الروسية الثقيلة من طراو تو ـ ٢٢ إم ٣ لتقوم منها بقصف قواعد الإرهابيين فى سوريا وعلى وجه الخصوص فى منطقة حلب حيث تدور الآن المعركة الفاصلة، مما لاشك فيه أن قرب المسافة بين إيران وسوريا سيوفر الوقود الذى من الممكن أن تحل محله القنابل مما سيجعل القصف أكثر تأثيراً.


ما الذى جعل إيران وتركيا رغم اختلاف مواقفهما مما يحدث فى سوريا أن يتحالفا مع روسيا، فيما يتعلق بتركيا فما يعنيها هو الجانب الاقتصادى، فهناك المشروع النووى وهناك خط غاز السيل التركى، بالإضافة لشركات المقاولات التركية والسياحة ومصانع الصناعات الخفيفة التركية وغيرها، أى أننا نتحدث فى عشرات المليارات من الدولارات وهناك طموح للوصول بها إلى مائة مليار فى عام ٢٠٢٠، كما أن تركيا شعرت أنه بانغماسها فى المستنقع السورى سوف يطالها الإرهاب أيضاً، كما أن التدخل الروسى قلب الطاولة عليها وهى التى كانت تأمل فى انتصار الإسلاميين وخلق نظام موالٍ وربما مد الأمور بطولها لتستعيد دورها السابق (الخلافة العثمانية)، بالإضافة لهذا ظهور الأكراد المدعومين من روسيا كقوة فاعلة على الأرض، وهو الأمر الذى أجبر تركيا فى النهاية للتحالف مع روسيا ربما لتجد مدخلا للأكراد يمنع قيام دولة كردية فى سوريا أو حتى حكم ذاتى وهو سيناريو مرعب لتركيا، ولمعرفة أهمية العنصر الكردى فى المعادلة السورية نجد أن الرئيسين الروسى والتركى لم يناقشا هذين الأمرين فى مباحثاتهما باعتبارهما نقطة خلاف فروسيا مصممة على بقاء الأسد، وتركيا العكس، وروسيا تدعم الأكراد فى الحرب وتركيا ترى أن هذا يتنافى مع مصالحها أى أن كل طرف أبقى لنفسه عنصر ضغط على الآخر، ويبدو لى أن الطرفين سيتفقان فى النهاية ويسويان الأمر فى صالح كل طرف على أساس ألا تقوم دولة للأكراد، وأن يبقى بشار، بالإضافة إلى أن تركيا غيرت موقفها جذرياً من الأزمة الأوكرانية وأعلنت على لسان وزير خارجيتها أن أوكرانيا هى المخطئة وهى التى سمحت للغرب باستعدائها على روسيا، وهذه ثمرة جديدة للتحالف الروسى ـ التركى، أى أن تركيا تخلت عن تتار القرم الموالين لها، ومن الممكن أن يكون لتركيا دور فى تهدئة الأوضاع المتوترة فى القرم لصالح روسيا.


هدف روسيا من هذا التحالف هو خلق سياج من دول حليفة وصديقة يمنع عنها وعن دول وسط آسيا الحليفة والمسلمة خطر التطرف، والسعى لأن يكون لها دور فى السياسة الدولية أمام الدور الأمريكى الذى على ما يبدو ما زال يحلم بفكرة العالم أحادى القطب التى سيطرت على واشنطن بعد انتهاء الحرب الباردة، كما أن روسيا تسعى فى الوقت الحالى إلى إحداث تغيير جوهرى على الأرض، متمثلا فى السيطرة على حلب ذات الأهمية الاستراتيجية تحسباً لأى حل سياسى أو مؤتمر تفاوض، فمن يسيطر على حلب ستكون له اليد العليا، بل إننى أقول إن المواجهة أصبحت مفتوحة وهناك حرب بالنيابة تجرى الآن فعندما أعلنت روسيا عن هدنة إنسانية لمدة ٤٨ ساعة بناءً على طلب المبعوث الأممى دى ميستورا، طلبت روسيا من الولايات المتحدة أن تلتزم المعارضة التى يسمونها بالمعتدلة الالتزام بهذه الهدنة، فهل تتحول المواجهة بالنيابة إلى المباشرة؟


وفى محاولة للضغط على روسيا جرت عملية تسخين للجبهة الأوكرانية عن طريق إرسال بعض المخربين إلى شبه جزيرة القرم، لتقوم روسيا بقطع الطريق على تلك المحاولة وتقوم أوكرانيا بحشد قواتها على الحدود مع روسيا فى القرم، فيما يفسره البعض بأنه محاولة لاستنزاف روسيا لكن ضم إيران بهذا المستوى من التحالف (انطلاق الطائرات من أراضيها) خفف الضغط على روسيا إلى حد ما وجعل ضرباتها فى روسيا أكثر فاعلية.


لا أريد هنا أن أغفل وجود القواعد الأمريكية فى البحرين والسعودية وقطر وغيرها من دول الخليج، ومع وجود التحالف الروسى ـ الإيرانى ـ التركى فى الشمال جعل خطوط التماس قريبة جدا، بل من الممكن أن يرى الطيارون الروس المنطلقين من همدان القواعد الأمريكية بالعين المجردة، وهو ما يفسر على أن القوى الكبرى تخوض معركة مصير فى الشرق الأوسط المريض والمتداعى.


ماذا عن الحلفاء الفكة والممولين للحرب فى سوريا، والذين أخرجوا الجن من القنينة ولا يستطيعون إعادته، فى البداية المملكة العربية السعودية التى لا يفهم الكثيرون موقفها، وإن كان الهدف المعلن هو الحد من النفوذ الإيرانى فى المنطقة من خلال القضاء على نظام بشار الأسد وحزب الله الموالين لإيران وكانت تدعمها فى ذلك الولايات المتحدة عندما كان الحصار ما زال مفروضاً على إيران، لكن بعد توقيع إيران الاتفاق مع دول ٥ + ١ وتعهد إيران سراً بعدم حتى ذكر إسرائيل فى أدبياتها التهديدية لم يعد الحماس الأمريكى للقضاء على الأسد كما كان وهو ما فسر ميوعة الموقف الأمريكى من الأسد فى الفترة الأخيرة، بينما شخصنت المملكة العربية السعودية الأزمة فى سوريا لدرجة أنها وعلى لسان وزير خارجيتها أعلنت عن تقديم رشوة لروسيا بأن السعودية ستساعد روسيا لتتبوأ مكانة كبيرة فى العالم العربى إذا تخلت عن الأسد، بل إنها ذهبت لأبعد من ذلك للضغط على روسيا عندما أعلنت عن زيادة إنتاجها من النفط مع نهاية أغسطس للتأثير على أسعار النفط، مما أثار حفيظة روسيا التى ما زالت تتذكر دور السعودية فى انهيار الاتحاد السوفييتى عندما زادت من إنتاجها النفطى مما أدى إلى انهيار أسعار النفط وهو ما كان له تأثير كبير على الاقتصاد السوفييتى المتهالك مما عجل بانهيار الدولة السوفيتية، كان الرد الروسى عنيفاً بالتحالف مع إيران عدو السعودية اللدود فى المنطقة، بل أغرت تركيا الحليف السعودى الذى سار مع السعودية منذ بداية الازمة السورية، ووجهت ضربة مؤلمة عندما اعترف القائم بأعمال السفير الروسى فى اليمن بالمجلس الرئاسى الحاكم فى صنعاء برئاسة على عبد الله صالح والحوثيين، ورغم نفى القائم بأعمال السفير وإعلانه بأن تصريحه فسر على غير ما يحمل من معنى إلا أنها كانت قرصة أذن مؤلمة، قد تدفع السعودية لإعادة النظر فى موقفها.


فيما يتعلق بمصر فنحن تربطنا بالسعودية علاقات قوية، وأخذتنا العاطفة أكثر من البراجماتية فى هذه الأزمة، وتبنينا الموقف السعودى مما أثر سلباً على علاقتنا بروسيا، التى ما زالت ملفات كثيرة تعتمد بيننا وبينها على مواقفنا السياسية الداعمة لها فى المنطقة، مع إدراك أن الولايات المتحدة فى طريقها لترك المنطقة وسينصب جل اهتمامها على منطقة جنوب شرق آسيا حيث الصين القوة الصاعدة والمؤهلة لأن تحل محل الولايات المتحدة كقوة عظمى أولى خلال الخمسين سنة القادمة، كانت روسيا بعد اعادة الدفء إلى العلاقات مع مصر أكبر الدول العربية وأكثرها تأثيراً تطمع فى دعم سياسى مصرى لإعادة روسيا إلى الساحة الدولية كقوة مؤثرة، إلا أن مصر رأت مصلحتها فى التحالف مع السعودية، وهذا من حق مصر، لكن السياسة تعتمد فى الأساس على المصالح المتبادلة.


السؤال الهام هل يستمر التحالف؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول إن هناك الكثير من الأسباب لاستمرار هذا التحالف، وهناك أسباب كثيرة أيضاً لعدم استمراره. فيما يتعلق بتركيا فهى أولاً دولة فى حلف الناتو، وليس هناك أى احتمال فى المستقبل المنظور لأن تتخلى عن هذا الوضع، أو حتى حلف الناتو ينوى التخلى عن عضوية تركيا فى الحلف بموقعها الجغرافى الفريد القريب من روسيا، والجميع يعرف أنه عندما فكر خروشوف أثناء أزمة الكاريبى نصب صواريخ نووية فى كوبا لم تجد الولايات المتحدة أفضل من تركيا لنصب صواريخ مماثلة، وانتهت الأزمة بمقايضة سحب الصواريح من كوبا مقابل سحب الصواريخ من تركيا، لكن سيجمع تركيا بروسيا الشراكة التجارية والاقتصادية وخطوط الغاز، فمصادر الطاقة والسياحة من روسيا، والخضروات والفواكه والصناعات الخفيفة من تركيا والطموح للوصول لرقم المائة مليار دولار تبادل تجارى فى ٢٠٢٠ هدف قائم، أما السياسة فلم يتطرق إليها الرئيسان الروسى والتركى بقوة فى لقائهما الأخير، فى محاولة لتجنب نقاط الخلاف (بقاء الأسد والأكراد). لكن روسيا ستسعى بقوة لاستغلال الخلاف الحالى بين تركيا والغرب لأقصى درجة، لأنها تدرك أن مجرد غمزة من عين الاتحاد الأوربى سيجعل تركيا تتخلى عن أى شيء من أجل الانضمام لمنظومة الاتحاد الأوربى وهذا وارد بعد انسلاخ بريطانيا ومن أجل الحد من جنوح حليف قديم مثل تركيا ثقافياً تدرك روسيا تأثير تركيا على دول وسط آسيا (توركستان) وتتار القرم وتتارستان ومسلمى روسيا بصفة عامة، ومن مصلحتها بقاء العلاقات الاقتصادية والثقافية مع تركيا على درجة عالية من المتانة، ألم أقل لكم إن فرص بقاء التحالف وفضه متساوية، والأسباب كثيرة لو عددناها لن يكفى مقال، ومن أسباب فض التحالف أيضاً فى المستقبل عندما يتطرق الجانبان لمصير الرئيس الأسد، وكما قلت تسعى روسيا للاستفادة القصوى من ظروف العلاقات المتدهورة بين روسيا والغرب وتسعى الآن لاستخدام قاعدة انجرليك ..... تصوروا الأثر المعنوى لمثل هذا الاستخدام على الغرب....


فيما يتعلق بالتحالف مع إيران المدهش أن عوامل فضه أكثر من عوامل بقائه، فبعد الأزمة ستبقى إيران منافسا لروسيا فى سوق الغاز الدولية وإذا استمر الحصار الغربى على روسيا، ستكون إيران البراجماتية بديلا لروسيا وربما يكون ممر العبور تركيا رغم قيام الأخيرة بنفس الدور لروسيا، تركيا البراجماتية والتى لا يعنيها سوى الحصول على ثمن الترانزيت، وإيران رغم بناء روسيا لمفاعلاتها النووية إلا أنها تمتلك الكوادر المؤهلة وتنتج وقودها النووى ومن غير المستبعد أعدت مدافن للنفايات، وهى أصبحت قوة إقليمية قائمة يحسب حسابها ولو انتصرت إرادتها فى سوريا واليمن سيكون على العالم التعامل معها وخطب ودها كقوة مؤثرة لن تتوقف علاقاتها على روسيا فقط.


فى كل الأحوال من المبكر تقييم التحالفات الجديدة فى الوقت الحالى المتأزم، ولننتظر انتهاء الأزمة السورية وما رصدناه هو فقط مجرد رؤية وتوقع، وفيما يتعلق بمصر أقول يجب أن يكون لنا مواقف أكثر وضوحاً فيما يتعلق بأزمات المنطقة، فنحن كان لنا اليد الطولى فى أى نزاع بالمنطقة العربية بصرف النظر عن نوعية الموقف ولمن ينحاز ويقف إلى جانب من، وأتصور أن وضوح الموقف المصرى بلا شك سيكون له دور.