الكرملين وأزماته الثلاث: النظام القيادة السياسة

24/08/2016 - 3:05:54

بقلم - سفير د. رضا شحاتة

السياسة الخارجية فى روسيا اليوم، فى المفهوم وفى التطبيق أيضاً، ليست مجرد التعبير المادى لتوازنات القوى الخارجية أو التفاعلات بين مظاهر التنافس أو التعاون أو ربما الخصومة والعداء بين اللاعبين الدوليين، والإقليميين، أو حتى بين عناصر «اللادول» تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة) بل هى فى التحليل الأخير الأقرب إلى الواقعية تمثل «مخرجات» الثوابت والمتغيرات فى السياسة الداخلية، أو كما يسمى بلغة الأدب ـ «المعادل الموضوعى» لعلاقات القوى فى الدولة. وروسيا المعاصرة ـ خاصة فى ظل قيادة الرئيس بوتين، ومن قبل ذلك ، الكيان اليوروآسيوى القارى الأعظم فى التاريخ ـ الاتحاد السوفيتى ـ تمثل سياساته وقواه الداخلية وموازينها ، المفتاح والمدخل المباشر لقراءة تطورات سياساته الخارجية على مستوى العالم كله سيما مناطق الأزمات والنقاط الساخنة.


وبعيداً عن الاستطراد النظرى فإن ألف باء فك «شفرة» صراعات القوى فى روسيا اليوم، ومن قبل فى أيام « اللجنة المركزية والمكتب السياسى وحكام الكرملين، هو تحليل ما جرى ويجرى من صراعات القوى بين القيادات التاريخية، وبين الأجهزة الأمنية والسياسية، ومراكز القوى الجديدة، رجال الأعمال، وحكام الأقاليم الاستراتيجية خاصة اليوم والرئيس بوتين يقترب من انتخابات أو لنقل اختبارات برلمانية الشهر القادم، ثم اختبارات رئاسية بعد عامين ٢٠١٨، فى ظل صراعات باتت مكشوفة بين قيادات رافقته سنواته الأولى بل وشاركته الحكم ومارسته فى بعض القرارات الاستراتيجية فى إدارة الدولة (حرب الشيشان الأولى والثانية، والتصدى لإرهاب الدول، والتصدى لسيطرة المال والمواجهة مع الغرب) من قياداته سياسية أمنية وعسكرية شكلت قاعدة الحكم الصلبة مع شعبية متعاظمة له ربما لم تهتز إلا فترة عابرة(٢٠١٢) فى حركة احتجاجية رافقت الانتخابات عندئذ.


ذلك كله ما يدفعنا اليوم لأن نحاول الاقتراب الحذر الكافى ولكن بموضوعية علمية صارمة، ورصانة تاريخية لقراءة التغيرات الانقلابية «الجذرية داخل قوى النخبة» الحاكمة فى قصر الكرملين وأركانها الأمنية والسياسية من داخل هذا الحصن المنيع لصناعة السياسات الداخلية والخارجية عبر التاريخ الطويل سواء فى روسيا القيصرية الإمبراطورية» أم إبان الاتحاد السوفيتى حتى اليوم فى ظل روسيا (بوتين) فى ٢٠١٦، وذلك كله من منطلق أو منظور الصداقة التاريخية، والشراكة الاستراتيجية التى تجمعنا مع القيادة والشعب الروسى عبر عقود طويلة.


النظام السياسى فى روسيا، اعتمد تاريخياً فيما سبق على الحزب بتركيبه الهرمى ـ وقمته المكتب السياسى وهيئة الرئاسة (البريزيديوم) ويعتمد اليوم فى المقام الأول على مصفوفة تشمل القائد ـ بوتين والنخبة (المشاركة) من قيادات أمنية وعسكرية عرفها وعرفته منذ ما قبل سقوط الاتحاد السوفيتى على مستوى أجهزة (الاستخبارات) فى الدول الشرقية والغربية .


هذا النظام السياسى ـ كما تقرأ تفاعلاته الداخلية اليوم تواجهه تحديات غير قليلة أولها كما هو واضح فى عدة أزمات مركبة (أزمة النظام ، وأزمة القيادة، وأزمة السياسات)، وكلها بحاجة إلى تجديد وتغييرات ربما جذرية تضرب فى عمق النظام (وهذه أولى دلالات خطوات الرئيس بوتين الأخيرة فى تجديد شباب النظام بالتمهيد لعملية «انتقال سياسية» كبرى من جيل مشارك له فى الحكم إلى جيل جديد منفذ لرؤيته السياسية فى الداخل والخارج وخطورة هذا التحدى أن استقرار النظام واستدامته مرهون بنجاح عملية الانتقال السياسى مع عملية التجديد والتغيير انتقالا سلساً دون صدامات أو مواجهات تهز دعائم النظام والحكم وذلك هو التحدى الأول، أما التحدى الثانى الذى لا يقل خطورة وإن لم يتوقف التصدى له على الإرادة المنفردة لقيادة الرئيس بوتين، لارتباطه بالضائقة الاقتصادية التى تكاد تصل إلى حد الأزمة فهو تشديد العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا (بعد قرار التدخل العسكرى فى أوكرانيا ٢٠١٤ وضم شبه جزيرة القرم والذى أخل فى نظر الغرب ـ بموازين القوى بين روسيا والعالم الغربى وطرح سابقة دولية تكرس التدخل العسكرى لدعاوى تاريخية تغطى أهدافاً استراتيجية لاجدال فيها (مواجهة الناتو والتوسع شرقاً ، ثم تأكيد حق الدخول المفتوح للبحر الأسود والبحر المتوسط)، هذه الضائقة ـ الأزمة الاقتصادية تتفاقم وتتسع آثارها مع استمرار تدنى أسعار النفط وتناقص عوائده فى الوقت الذى تحتاج فيه قطاعات واسعة من البنية الأساسية فى روسيا إلى التحديث والتجديد والتطويرـ وفى ذلك يكمن التحدى الثالث لتجديد البنية العليا للقيادات والبنية التحتيةالصناعية والتكنولوجية فى آن واحد.


وربما كان خريف ٢٠١٥ نذيراً بأن الوقت قد حان لتحقيق انتصارات عسكرية فى ميادين خارجية حيوية للاستراتيجية الروسية العالمية والإقليمية معاً، وكان المسرح لتطبيق هذه الاستراتيجية هو الحرب الدائرة فى سوريا حيث اتخذت القيادة العسكرية والسياسية والأمنية الروسية فى هذا التاريخ قرارها بالدخول العسكرى المباشر لتحقيق نصر عسكرى عاجل وحاسم (آخر مظاهره اليوم معركة المصير فى حلب) بل والإقدام على خطوة أشد خطورة فى توسيع الرقعة الاستراتيجية الإقليمية لروسيا على صعيد الشرق الأوسط وهو إقلاع الطائرات الروسية من قواعد عسكرية داخل إيران تقصف قواعد ومواقع للمعارضة (من تسميهم روسيا بالإرهابيين) بدلاً من انطلاقها من قواعد جنوب روسيا ومن ثم يمكن القول أن المعركة فى سوريا اليوم ليست معركة النظام فى سوريا فحسب بل هى وبامتياز معركة القيادة فى روسيا، وإلا فإن البديل عن النصر المحقق فى سوريا هو خسارة بل وانهيار قاعدة «الدعم السياسى» الداخلى، وتفجير صراعات كامنة ودفينة تطفو اليوم على السطح فى أكثر الأوقات دقة وحرجاً مثل الانتخابات البرلمانية مباشرة سبتمبر ٢٠١٦.


ومكمن الأزمة الحقيقى هو ذلك التأرجح بين اللاسلم واللا حرب فى أوكرانيا وبين اللانصر واللاهزيمة فى سوريا أى التأرجح ما بين الاستمرار دون نتيجة مؤكدة فى الخيار العسكرى فى الأزمة السورية وما بين استكشاف البديل السياسى فى الأزمة الأوكرانية بجدية حقيقته، وهو الخيار السياسى ـ تكثيف العمل الإقليمى والدولى لبلورة صيغة الحل والتسوية السياسية والاستقرار على أى من الخيارين ـ العسكرى أو السياسى الذى بات هو مناط حل أزمة القيادة بل استمرارية الدعم الداخلى للسياسات الخارجية.


ـ على أنه كلما ازدادت وطأة العقوبات الاقتصادية وتآكل العوائد النفطية، واستمرت طاحونة الحرب بلا توقف، وتعثر الحل السياسى، اتسع بالتالى نطاق الصراعات الأمنية بين قيادات الكرملين والأجهزة العسكرية وبين انساق النخبة السياسية العليا، وهو مايكاد يفجر الأزمات الثلاث معاً وفى توقيت متقارب، أزمة النظام وأزمة القيادة، وأزمة السياسات.


بيد أن الصورة الكلية لم تصل بعد إلى هذه الدرجة من القتامة، فبرغم هذه الصعوبات والتحديات الهائلة، لم تزل ثمة آفاق سياسية ومساحات كافية للمناورة فى الداخل والخارج فثمة عدة سبل أو طرق للخروج أو لاستراتيجية الخروج كما يقال أولها أن مفتاح حل الضائقة الاقتصادية هو تحسين الأوضاع المالية والمعيشية من خلال سياسة تستهدف رفع العقوبات الاقتصادية شديدة الوطأة، وذلك من خلال التوصل لاستراتيجية تقوم على التوافق أو المواءمة) السياسية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوربى فى الأزمة الأوكرانية.


وثانيهما تطبيق نفس الاستراتيجية (التوافقية) فى الأزمة السورية، بدفع عجلة «التسوية السياسية» للأوضاع المتدهورة سياسيا وأمنياً وإنسانياً فى سوريا.


ومن الواضح للمحللين المتخصصين فى الشأن الروسى الارتباط ـ حتى ولو كان ارتباطاً غير مباشر بين الأزمتين فى أوكرانيا، والأزمة السورية، ويكفى أن تشير إلى أن روسيا فى الأيام الأخيرة حشدت ٥٠ألف جندى على الحدود الأوكرانية الروسية بهدف «تسخين الجبهة الأوكرانية وممارسة سياسة (حافة الهاوية) والقصد منها تذكير الغرب بخطورة الأزمة فى أوكرانيا بعد أن كانت قد دخلت مرحلة الجمود (أو التجميد) وأن روسيا تستطيع إشعالها من جديد إذا ما تضررت مصالحها الاستراتيجية (ليس فى أوكرانيا وشرق (أوروبا فحسب) بل فى الشرق الأوسط وشرقى المتوسط إذا ما حدث أى إضرار أو انتكاس للمصالح الاستراتيجية الروسية فى سوريا سواء بقى نظام بشار الأسد أو رحل هذا النظام ولو بعد حين.


ربما كان هذان الطريقان القائمان على الاستقرار على الخيار السياسى الاستراتيجى فى كلتا الأزمتين ـ أوكرانيا وسوريا، هما الطريق الآمن لخروج روسيا من إشكالياتها الثلاث النظام والقيادة والسياسة الخارجية.


الرئيس بوتين فى الثانى عشر من أغسطس الجارى إذا كان قد اتخذ قراراً اعتبره معظم المحللين (انقلاباً) فى قصر الكرملين وكاشفاً عن صراعات قديمة دفينة بين قادة النخبة فهو حركة سياسية لها دلالاتها الواضحة فى تغيير موازين القوى فى النظام بين جيل النخبة المشارك له فى الحكم، وبين جيل جديد يعهد إليه (بوتين) بتنفيذ سياساته فى الداخل والخارج موقناً أن الجيل الجديد لا يفتقر إلى القدرات والخبرات لإدارة أمور الدولة وإن احتاج للتطعيم برؤية جديدة يطرحها الرئيس بوتين بعد أن يكون قد تخفف من أعباء (الدائرة الضيقة القديمة) القائمة على علاقات الصداقة بين رفاق الماضى وشركاء الحكم وهكذا التحولات الجذرية فى تاريخ روسيا منذ عهد ستالين وإلى اليوم لا تأتى إلا مع نخبة جديدة كما حدث (مع خروشوف) فى الخمسينات الأولى ، وكما حدث من بعده مع (بريجنيف) فى أوائل الستينات ومن بعده (اندروبوف) فى أواخر السبعينات حتى أتى (جورباتشوف) ونخبته الجديدة أواخر الثمانينات ليسدل الستار على العهد السوفيتى بالكامل، بل إن روسيا (القوية) (الموحدة) ـ وبالمناسبة هذا هو الاسم الذى يطلقه بوتين على حزبه السياسى (روسيا الموحدة) لم تظهر على الساحة الدولية إلا مع تولى بوتين ونخبته الحاكمة الجديدة عندئذ منذ أكثر من خمسة عشر عاماً (٢٠٠٠ – ٢٠١٦) حتى اليوم.


فليس من المبالغة القول اليوم أن تحولات قد تكون جذرية تنتظر روسيا بعد هذا (التغير الانقلابى) الذى يحمل معه من الفرص المتاحة أمام روسيا مثلما يحمل من التحديات وربما المخاطر، إذ أن التغيرات تناولت هياكل القيادة العليا وهياكل الأمن القومى ـ جهاز الأمن الفيدرالى، الأمن الداخلى والاستخبارات الخارجية الـ (كى ـ جى ـ بى ) ثم جهاز الحراسة الخاصة للرئيس المسئول مباشرة عن أمنه وحياته، ثم مناصب حكام الأقاليم بعد حملة مكافحة الفساد الواسعة ـ بالإطاحة بأحد كبار حكام الأقاليم (كيروف) وإقالة رئيس الجمارك الفيدرالية، والسيطرة على الأقاليم الاستراتيجية فى روسيا (كالنينجراد ـ الشيشان ـ ياروسلافل) ومناطق شمال القوقاز ( داغستان وتتارستان / ومناطق الفولجا والأورال بل وحتى منطقة شبه جزيرة القرم لما تحتويه من قاعدة بحرية استراتيجية روسية فى مينا (سفاستبول) المطلة على البحر الأسود، المدخل إلى مضايق الدردنيل والبوسفور(المحاذية لتركيا) والى شرقى البحر المتوسط، حيث نشاهد أوسع بل وأخطر نشاط للبحرية الروسية منذ سنوات طويلة للإطلال والمراقبة والرصد ليس للأسطول الأمريكى السادس فحسب، بل لرصد التطورات فى تركيا (خاصة بعد الانقلاب الفاشل الأخير وبعد المصالحة مع (أوردوغان) بل ومراقبة الأوضاع عن قرب داخل سوريا وحولها فى إسرائيل والعراق والاقتراب من مسارح الشرق الأوسط كلها بدولة العربية لاسيما مصر أكبر الدول العربية وأكثر استهدافاً من قوى الإرهاب ودوله غير العربية، خاصة إيران وإسرائيل.


أقدم الرئيس (بوتين) عبر خطواته تلك فى تغيرات الكرملين (الانقلابية) فأقال رئيس جهازه الرئاسى (سرجى إيفانوف) (كما تقول فى المصطلح المصرى ديوان الرئيس حليفه (ودفعته فى جهاز الاستخبارات منذ أيام الشباب الأولى كضابطين فى جهاز الاستخبارات السوفيتى (بوتين فى ألمانيا الشرقية) و(سيرجى ايفانوف) ـ الحليف المقال ـ فى بريطانيا ثم فى فنلندا) فاذا بالرئيس بوتين من منطلق حسم صراعات القوى بين تيارات محافظة متشددة وبين تيارات تسعى لفتح آفاق المستقبل السياسى ـ يقيل مستشاره الأول الذى يحتل قمة السلم السياسى فى قصر الكرملين ويبلغ فى نفوذه المرتبة التالية بعد الرئيس نفسه (كانت تجمعهما معاً ما يسمى (بمجموعة لننجراد مع آخرين استمروا فى حكم روسيا فى الأجهزة والقيادات العليا عشرات السنين.


ودون الدخول فى متاهات التفسيرات والتأويلات المتضاربة من خبراء ما يعرف (بعلم الكرملين) (الكرملينولوجيا) فقراءتنا أن الرئيس بوتين أقدم على خطوة جراحية مثل هذه أنقذ فيها فى تقديرى استقرار النظام وحيويته واستدامته بالدفع بجيل جديد يجمع بين الرؤية (البوتينية ) وبين الخبرات الإدارية والفنية (من داخل المطبخ) الرئاسى نفسه ومن صفوف الأجهزة الأمنية (الموالية) بالتأكيد.


لكن روسيا ـ بعد عام ٢٠١٤ لا شك كانت قد انخرطت فى مواجهات خارجية وعسكرية ساخنة بلجوئها «للخيار العسكرى» فى منطقتين حساستين للمعسكر الغربى (لأوكرانيا وشرق أوربا) وسوريا (فى الشرق الأوسط ) وتأثيره على مستقبل المنطقة وموازين القوى بين المصالح الغربية والروسية.


إن قرار روسيا بتعميق وجودها السياسى والعسكرى فى سوريا لم يكن بهدف الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية فحسب بل للرد بحسم على محاولة الناتو والولايات المتحدة احتواء أو حصار روسيا باختراق شرق أوربا وأوكرانيا تحديداً مما يهدد عملية الأمن القومى الروسى ويتجاوز كل الخطوط الحمراء أمام توازن القوى العالمية وذلك بالدخول مباشرة كطرف أصيل فى الحرب الدائرة داخل سوريا وعلى حدودها لصالح نظام الأسد بالطبع ولكن لصالح الوجود الاستراتيجى الإقليمى لروسيا برياً وبحرياً فى الشرق الأوسط والخليج وشرقى المتوسط ـ قلب المصالح الأمريكية والغربية .


لاشك أن روسيا خلال العامين الماضيين تحملت سياسيا واقتصاديا تكلفة عالية بسبب التدخل العسكرى فى أوكرانيا وكثيرا ما قارن المؤرخون بين التدخل العسكرى السوفيتى فى أفغانستان وانهيار الاتحاد السوفيتى وبين تدخله الحالى فى سوريا ومستقبل النظام فى روسيا، لكن السياق الزمنى اختلف ورؤية القيادة الروسية وحساباتها اختلفت وأهدافها اختلفت بالضرورة، لكن الاستراتيجية العليا لروسيا ومصالحها القومية بقيت ولم تتغير.


ويبدو لى أن ثمة فارقا ضخما أن تستند الشرعية لأى نظام على قاعدته السياسية (الانتخابية) وبين أن تعتمد على خياراته أو انتصاراته العسكرية، (فحتى الرئيس الأمريكى بوش الأب بعد الانتصار فى حرب تحرير الكويت ١٩٩٢، لم تجر إعادة انتخابه لولاية جديدة وليس ثمة شك أيضاً أن تزامن وتلازم الأزمات الثلاث، أزمة النظام التى تحتاج وبإلحاح إلى تجديد وتحديث فى هياكله وبنيته الأساسية سياسياً واقتصادياً ـ ثم أزمة القيادة ـ التى باتت بحاجة إلى تجديد الدماء والرؤية (وهو ما حاول الرئيس بوتين بقراراته الجذرية الأخيرة أن يعمله ثم أزمة السياسات (أزمات التدخل العسكرى والخارجى) وهى أزمة لم تزل تمثل تحدياً لم يحسمه بعد الرئيس بوتين وإن كان واضحاً أنه قد خطا الخطوة الأولى على نفس الطريق.


قراءة المحللين للتغيرات الأخيرة فى قيادات الكرملين بإقالة (سيرجى إيفانوف) أقوى المنافسين (كانوا من المرشحين لخلافة بوتين كما كان المسئول الأول عن جهاز الأمن الداخلى (الذى يحتوى على رئيس جهاز الأمن الفيدرالى (الكسندر بورتنيكوف)، ثم مستشارا الأمن القومى نيكولاى بانزوشيف، وأخيراً رئيس الوزراء السابق فرادكوف الرئيس الحالى لجهاز الاستخبارات، وهى كلها أجهزة تواجه جهازاً منافساً لها ـ كما سبق القول ـ هو جهاز الحراسة الشخصية الخاصة لتأمين حياة الرئيس بوتين ـ قراءة المحللين من الخطوة على انها كاشفة أن الصراع الحالى تجاوز صراعات الأجهزة ـ أو صراع الشخصيات بل هو صراع حول خيارات روسيا العسكرية والسياسية للخروج من عنق الزجاجة سياسياً واقتصادياً ثم الانطلاق بروسيا برؤية جديدة يقودها جيل جديد من أنصار السياسة البوتينية فى سنواتها القادمة دون تفريط فى مصالح روسيا القومية، ودون (إفراط) فى التشدد والخيارات العسكرية ما دامت الآفاق السياسية لم تزل مفتوحة لم تستكشف ولم تستهلك بعد.


ولعل قيادة بوتين التاريخية منذ عام ٢٠٠٠ حتى اليوم تجعل منه الحكم الرشيد فى حكمه، الصلب فى قيادته، المرن فى سياساته الداخلية والخارجية لتتخطى بروسيا أزماتها الثلاث وتحدياتها الكبرى على الصعيد العالمى والإقليمى.