العلاقات المصرية التركية فى عالم متغير .. ومقترحات خارج الصندوق

24/08/2016 - 2:55:31

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

تمر منطقة الشرق الأوسط ككل بتحولات تتسم بأنها عميقة، وجذرية، وانقلابية مما دفع الخبراء الأجانب فى العلوم السياسية للتكالب على المنطقة ليس بهدف التجسس، ولا بهدف جمع المعلومات وإنما لاستطلاع آراء أهل المنطقة فى كيفية تحليل هذه التحولات، وكيفية دراسة النتائج المترتبة عليها، ومن ثم كيفية الحد من آثارها السلبية فى المستقبل.. ولم يكن حوار الخبراء والسياسيين الاجانب مع اقرانهم من العرب إلا مظهرا من نتائج العولمة التى تتزايد أهميتها فى المرحلة الحالية، ولم يكن ناتجا إلا عن قناعة فكرية مفادها أن ما يحدث فى الشرق الاوسط سيكون له تبعاته فى شمال المتوسط لاسباب عديدة، ومن ثم فقد وجب الاستعداد للمستقبل.


فى هذا الاطار من حيث الاستعداد للمستقبل يتناول هذا المقال موضوعا حيويا اعتقد انه سيشغل أهل مصر للفترة القادمة وهو مستقبل العلاقات المصرية التركية، فبعد محاولة الانقلاب الفاشلة فى تركيا وحركة التطهير التى قام بها اردوغان فى الجيش والشرطة والقضاء والتعليم والاعلام، وهى اكبر حركة تطهير عرفتها البلاد منذ نشأتها عام ١٩٢٣ بعد انهيار الامبراطورية العثمانية واستقلال الاقاليم التابعة لها، وجه الاتحاد الاوروبى والولايات المتحدة الأمريكية أقوى حملة من الانتقادات للحكومة التركية لما شاب التطهير من انتهاكات غير مسبوقة لحقوق الانسان ووضح بالفعل أن اردوغان يمهد الطريق لحكم أقرب إلى نظام الحزب الواحد وهو حزب العدالة والتنمية بما يؤشر نحو اقامة نظام اسلامى فى دولة عشائرية تنطوى على تنوع اثنى ودينى ومذهبى وقومي، وهى شروط متناقضة مع التكوين التركى ومع أى رغبة فى لتحسين العلاقات مع مصر مما اصاب النخبة المصرية بنوع من الاحباط والقلق بعد موجة التفاؤل والسعادة بقيام الانقلاب.


إلا أن تحولات الدولة التركية غيرت الرؤية نحو مستقبل تركيا، فعلى اثر الانتقادات الأمريكية والاوروبية الحادة لتركيا فإذا بأردوغان ينتقل فى حركة بندولية من الاتجاه غربا إلى الاتجاه شرقا ناحية الدب الروسى، كما اتجه نحو إسرائيل فى محاولة منه لزيادة عدد الحلفاء وتقليل عدد الاعداء، كما ذكر رئيس الوزراء التركى بن على يلدريم وأمكن تصفية المشاكل السياسية مع روسيا وإسرائيل وأعيدت علاقات تركيا بإسرائيل وامكن للبرلمان التركى التصديق على اتفاق استئناف العلاقات الدبلوماسية التركية الإسرائيلية.


أما أهم ما قام به اردوغان خلال زيارته لروسيا فتمثل فى تصريحاته التى أدلى بها لقناة روسيا اليوم الناطقة باللغة العربية حول طبيعة الدولة التى يتجه لاقامتها فى تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشل جاء الرد مباشرا وصريحا وسريعا وقاطعا، وهو أن هذه الدولة ليست دينية وإنما ستكون علمانية مدنية تقوم على أسس اجتماعية وسياسية ديمقراطية أى انها دولة تتسع للجميع بلا تمييز لأى سبب كان، هذا الرد يمثل تراجعا عن تصريحاته السابقة حول اهمية اقامة دولة الخلافة الاسلامية بوصفه حفيدا للسلطان العثمانى.


هذا الرد الجديد من اردوغان يؤكد أن الدولة المدنية بما تواجهه من تغيرات فى جوهر الدولة القومية يتطلب أن تكون الدولة مدنية لا دينية، تقوم على الاكفاء من المتخصصين والتكنوقراط فى جميع المجالات وليس رجال الدين ممن لا يعرفون عنها شيئا على الاطلاق، كما اثبتت تجربة الاخوان المسلمين فى حكم مصر.


هذا الرد يهم مصر جدا لانه يعنى تخلى أردوغان عن سياساته السابقة التى كانت تدعم الفكر الدينى فى تركيا مما جعله يفتح الباب على مصراعيه لاحتضان أى حركة ترفع شعارات اسلامية بغض النظر عن محتواها، فاحتضن حركات ارهابية لتحقيق مصالحه الخارجية فى الشرق الاوسط واحتضن جماعة الاخوان المسلمين والتنظيم الدولى بل انه كان المخطط الاول لسياستهما تجاه مصر، مما ادى إلى تدهور علاقات مصر وتركيا إلى اسفل سافلين. ولم يمض وقت طويل حتى جاءت التأكيدات من داخل تركيا وعلى لسان رئيس الوزراء التركى بأن تركيا تود تحسين علاقاتها بمصر، وتصريح آخر أكثر أهمية يؤكد وجود تغييرات حقيقية فى سياسات تركيا تجاه دول الشرق الاوسط، فبالرغم من كل التحفظات التركية ضد الرئيس الاسد فى سوريا فقد أكد رئيس الوزراء التركى أن بلاده مستعدة للعمل مع روسيا وايران والسعودية وباقى دول الخليج من اجل ايجاد حل ترضى عنه كل الاطراف للحرب التى تجرى فى سوريا.


ترى كيف نفسر ما يحدث من تحولات استراتيجية فى الخليج والشام؟ فتركيا اتجهت شرقا بالرغم من العداء التاريخى بين روسيا وتركيا، وروسيا قبلت التحول التركى والتقطت الفرصة ودعمت اردوغان خلال الانقلاب، كما أن تركيا مستعدة للتحرك فى سوريا بمشاركة السعودية والخليج وايران، ولا ينبغى أن ننسى أن هناك مناورات عسكرية جوية فى صحراء نيفادا الأمريكية تجرى بين الولايات المتحدة وباكستان والامارات العربية المتحدة وإسرائيل مع العلم انه لا توجد علاقات دبلوماسية بين إسرائيل من جهة وباكستان والامارات من ناحية أخرى، وقبل ذلك لقاءات انور عشقى من المخابرات السعودية سابقا مع باحثين ومفكرين إسرائيليين على الاراضى الأمريكية.


التفسير بسيط للغاية وهو أن البيئة تقود الاقتصاد، والاقتصاد يقود السياسة فى الشرق الاوسط، فالمعادلة الاستراتيجية فى الشرق الاوسط اصبحت تقوم على تناول ثوابت البيئة بمفهومها الواسع الذى يشمل ما تملكه دول الاقليم من موارد طبيعية وما تحتاجه هذه الدول من تعاون حتمى بشأن قضايا جديدة عليها مثل الغاز والنفط والمياه بل والاحتباس الحرارى ونمط الصناعات المطلوب حفاظا على معادلة الطبيعة لمكونات الغلاف الجوى.


كذلك كان للاكتشافات الغازية فى المنطقة أهميتها فى تحقيق هذه المعادلة الجديدة للقوة، فاذا كانت تركيا ترغب فى الحفاظ على مركزها الذى تسعى اليه جاهدة كمركز لتوزيع الغاز الروسى إلى الاتحاد الاوروبى ودول الشمال عبر خط الانابيب الذى يربطها بهذه الدول، إلا أن مصر بما تم فيها من اكتشافات فى البحر المتوسط قد غيرت من أهمية الموقع لتركيا على خريطة الغاز العالمية، فالاكتشافات على الشواطئ المصرية والمنطقة الاقتصادية القبرصية وكذلك المنطقة البحرية التى تدعى إسرائيل ملكيتها بالكامل فهذه الاكتشافات تتطلب التعاون إلى اقصى قدر ممكن، فالغاز لا يصدر إلا سائلا وعملية تسييله لن تتم فى إسرائيل أو قبرص لعدم وجود بنية تحتية واماكن لاقامة مصانع للاسالة خاصة أن الاكتشافات تفيض عن احتياجات هذه الدول مما يستدعى اسالة كميات كبيرة من الغاز الطبيعى للتصدير ومصر هى الدولة النموذجية الصالحة لاسالة الغاز فى مصانعها ثم تصديره من مختلف الموانئ المصرية واستفادة من خط الانابيب الممتد من السويس لإسرائيل والاردن ولبنان وكذا الخط الممتد إلى مطروح والعلمين غربا.


ولكن النقطة المحورية هنا أن مصر غيرت خريطة توزيع الغاز فى الاقليم بما يقلل من أهمية المركز القطرى والمركز الايرانى بالنسبة لاسواق آسيا الوسطى وهو ما يتطلب تعاونا مصريا روسيا إسرائيليا فى المستقبل.


إذن الشرق الاوسط مؤهل لتحولات استراتيجية هامة تقوم على التعاون وليس الصراع خاصة أن الخلافات السياسية القائمة هى خلافات تأتى فى مرحلة تالية للموضوعات البيئية والاقتصادية على سلم اولويات هذه الدول ويمكن تأجيلها لبعض الوقت على غرار ما اجلت تركيا خلافاتها السياسية مع إسرائيل وروسيا. وفى قلب هذه التحولات الجديدة المتوقعة تحتل مصر مكانة هامة شريطة استغلال الفرصة وتأجيل أى خلافات سياسية مقابل التزامات على تركيا وايران ومقابل تفاهمات واضحة مع السعودية ودول الخليج بشأن الدور الايرانى، وما يشجع مصر على ذلك ثلاثة عوامل هامة هى:


الاول: الحاجة الملحة لكل من مصر وروسيا لاعادة تفعيل العلاقات النشطة بين الدولتين.


الثانى: حاجة مصر للعب دور حاسم فى حل الازمة السورية بما يحفظ لها وحدة اراضيها.


والثالث: أن دول الخليج ذاتها وعلى رأسها السعودية والامارات بدأت فى تغيير البوصلة فى اتجاه اسرئيل وشهدت العلاقات بينهم تحولات هامة.


ويدعم هذه المصالح المصرية الهامة أن هذه التحولات يمكن أن تمتد إلى مناطق ومشكلات تبدو بعيدة عن مصر على غرار المشكلة القبرصية المزمنة وعلى غرار مشكلة سد النهضة ايضا.


إننا ندخل مرحلة جديدة من العلاقات الدولية تستند إلى المدرسة الواقعية الحديثة التى أصلت لها واشنطون بالرد التقليدى لمادلين أولبرايت على الانتقادات العربية لسياسة الكيل بميزانين أنها تسعى لتحقيق المصالح الأمريكية مع تغيير وحيد هو الاستجابة لمتغيرات العصر ومعادلته الاستراتيجية الجديدة: البيئة بمفهومها الواسع تقود المصالح الاقتصادية، والمصالح الاقتصادية تقود المصالح السياسية التى يمكن تأجيلها ولو مؤقتا.