تقرير خطير ورفيع المستوى عن تدهور العلاقات مع أنقرة (٢-٢) استمرار الصراع مع الأكراد ينهى التحالف الاستراتيجى الأمريكى- التركى

24/08/2016 - 2:53:41

بقلم - السيد عبد الفتاح

توقع مركز سياسات الحزبين الأمريكي، فى تقريره الخطير حول الاستعداد للأسوأ مع تركيا، والذى نواصل عرضه، أن استمرار النظام التركى فى صراعه ضد الأكراد وبصفة خاصة مع حزب العمال الكردستاني، يهدد التحالف الاستراتيجى الأمريكى التركي، لأن انخراط تركيا فى حرب داخلية لايجعلها حليفاً استراتيجياً، ويحولها إلى سبب لعدم الاستقرار والاضطراب فى الإقليم، كما حذر المركز من أن استمرار هذا الصراع يسمم العلاقات التركية الأوروبية أكثر، ويهدد استقرار الاتحاد الأوروبي، ويزيد الهوة بين أنقرة وشركائها فى حلف الناتو .


أوضح التقرير أن الرئيس التركى أردوغان يستغل الحرب مع حزب العمال الكردستانى لتوسيع سلطاته، ولتصبح حكومته أكثر قمعاً، بما يجعل الديمقراطية أمراً بعيد المنال. لكن التقرير أكد أن استمرار الصراع يؤسس لانهيار أوسع للنظام السياسى عبر كل الانقسامات فى المجتمع التركي.


يقول التقرير: «إن كُلّاً من القضية الكردية التى تمتلك بمفردها مفاعيل تمزيق المجتمع التركى بعنف على شاكلة ما حدث تسعينيات القرن الماضي، وكذلك أحداث اللحظة الراهنة، تدفع بشركاء تركيا الغربيين إلى اعتبارها ظهيراً ضد عدم الاستقرار الذى يجتاح المنطقة.


مؤكدٌ أن الصراع المستمر سيدفع بتركيا صوب المسار السلطوى الذى تعيشه من قبل. ذلك أن معضلة الديمقراطية التركية تمتد إلى حد بعيد، ولأمد طويل، خلف القضية الكردية. لكنه من المرجح أن القتال سيجعل الحكومة أكثر قمعاً، وستغدو أى إمكانية لعودة حكم ديمقراطى أمراً بعيد المنال.


فيما سبق، ساهم الغضب والخوف الناجمين عن الصراع فى تبرير بعض أخطر حملات «العدالة والتنمية» على حرية التعبير، تلك الحملات التى ساهمت -بشكل مقلق أكثر- فى كسب شرعية من قبل العديد من الناخبين. سيمنح تفاقم القتال فرصاً وأسباباً جديدة لأردوغان لتوسيع سلطته، وللدولة التركية لتدمير ما تشاء من فضاء سياسى مفتوح للمجتمع الكردي.


إن الفجوة بين الرأى العام التركى والكردى واسعة مسبقاً، لكن المسار الحالى قد يدفع الفجوة إلى أشد المستويات حدة. فخلال العام الماضي، تم إضرام النار فى عدد من مكاتب حزب الشعوب الديمقراطى فى عموم تركيا، وانضمت أحزاب معارضة فى الآونة الأخيرة إلى الحكومة فى مسعاها لمقاضاة البرلمانيين الكرد. كل ذلك ساهم فى ترسيخ الانطباع بين الكرد أن التعايش ضمن تركيا بناء على تلك السياسات لم يعد ممكناً بالفعل.


يتعرّض الكرد للعنف القابع على مجتمعاتهم من قبل الجيش التركي، وهم يتابعون مسلك أبناء جلدتهم صوب الاستقلال فى العراق وسوريا، فإنهم لم يكونوا على استعداد لقبول حل أدنى من بلوغ الحكم الذاتي. فى الواقع، أن أعداداً من السكان الكرد فى تركيا قَدِموا فيما سبق إلى سوريا وقاتل أفرادٌ منهم بأنفسهم فى سوريا. كما شوْهِدَت نزعة التطرف لدى الجيل الشاب، الأمر الذى يزودنا بمؤشر عن واقع خطير للغاية. أن جيلاً جديداً يرفض بعنف التعاون مع الدولة، ما يشكل بصورة كبيرة عاملا لعدم الاستقرار. أكثر من ذلك، فإنه وكما حدث فى حرب المدن خلال الأشهر العشرة الماضية، فإن من المرجح أن أفعال أولئك الشباب السائرين نحو التطرف ستحثّ الدولة التركية على ردود أفعال عنيفة. إن رؤية الشباب الكرد للأحداث المجاورة فى سوريا، ليس فقط مَن ألهمتهم الأحداث منهم، بل من تعلموا جيداً تقنيات القتال هناك، سيرفع من حدة المخاوف التركية ويقلل من المساحة المطلوبة لاتخاذ قرارات أكثر واقعية.


إن ما يثير القلق هو أن حالة الاستقطاب بين الدولة والكرد تهدد بالتأثير على العديد من الانقسامات الأخرى داخل المجتمع التركى –تلك الانقسامات الملتهبة من قبل بفعل حكم «العدالة والتنمية» المسبِّب للخلاف. على مدار العقد الماضي، أحسَّ علمانيو تركيا وعلويوها والكثير من النساء بالغربة على نحو متزايد بفعل حكومة حزب العدالة والتنمية. نشهد الانقلاب السريع لمواقف «العدالة والتنمية» حيال الكرد - من شريكٍ مفاوض إلى عدو- إلى جانب محاولات لنزع الشرعية عن «الشعوب الديمقراطي» كلّيةً، معارضو حكم أردوغان يخلصون بسهولة إلى أن موقفهم داخل البلاد محفوف بالمخاطر. ذلك أن أردوغان استخدم بالفعل الصراع مع «الكردستاني» ذريعةً لتقليص فرص المعارضة السياسية السلمية، ليس فقط فى مواجهة الكرد، بل مع الأكاديميين والصحفيين العاملين فى شتى المجالات. إذا ما استمرت هذه العملية، فإنها ستواجه خطر عسكرة تمزقات أخرى داخل المجتمع التركي، إنه اتجاه مثير للقلق لاسيما أن بعض تلك التمزقات محددة من قبل ضمن المجتمع العَلوي. بهذا المعنى، فإن القومية الكردية، وبعد أن كانت عاملاً يغذّى حالة العنف والاستقطاب السياسى عموماً كما وقع سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فإن الصراع الكردى اليوم يؤسس لانهيار أوسع للنظام السياسى عبر كل الانقسامات فى المجتمع التركي.


من الممكن أن يحدث انهيار مماثل بسرعة أكبر بسبب الركود الاقتصادى المحتمل كنتيجة لاستمرار القتال. التكلفة الاقتصادية التى تكبدتها تركيا بسبب الصراع الكردى فى تسعينات القرن الماضى دفعت الكثيرين لتصنيف تلك الفترة بـ»عقد الخسارة» لتركيا. وتخاطر تركيا الآن بخسارة المكاسب الاقتصادية الكبيرة التى حققتها حلال العقود التى مضت، والتى يعود الكثير منها إلى المستثمرين الأجانب، والتى من الممكن أن تتلاشى وتتبخر سريعاً بسبب الحملات العسكرية طويلة الأمد ضد التمرد. إذا لم يرعب وينزعج المستثمرون الأجانب بشكل خاص من سلطوية أردوغان نفسه، فإن العنف وخطره فى حال انتقاله إلى غرب تركيا، سيكون سبباً كافياً للإصابة بالرعب والانزعاج.


الصراع الإقليمي


استمرارية الصراع الكردى – التركى لأجل غير مسمى لا يمكن أن تنجم من فراغ. بل نرى فى نفس الوقت أن الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى يتطلعون إلى تركيا باعتبارها شريكا حاسما ومهماً فى هزيمة تنظيم داعش وإعادة بعض ملامح النظام المستقر إلى سوريا والعراق، لكن من الممكن أن يحول الصراع الكردى تركيا إلى زعزعة الاستقرار والأمن، بل إلى الاضطراب الإقليمى أيضاً، ومن المرجح أن يؤدى التصعيد من القتال بين الكرد والأتراك إلى زيادة الهوة بين أنقرة وشركائها فى حلف الناتو. ففى حين تسعى الولايات المتحدة لمساعدة حزب الاتحاد الديمقراطى فى حربه ضد»داعش»، وتنظر إلى الحزب كمشارك مهم وضرورى فى أى حل نهائى للحرب الأهلية السورية، ستستمر تركيا بمعاملة والنظر إلى الحزب كخطر طالما هى منخرطة فى حرب ضد حزب العمال الكردستاني. الأمر الأكثر مباشرة هو أنه سيعرقل حملة واشنطن العسكرية ضد «داعش»التى تشمل حالياً جنوداً أمريكيين من القوات الخاصة، يقاتلون إلى جانب مقاتلى حزب الاتحاد الديمقراطى على الأرض فى سوريا، فى حين يتم تأمين الدعم الجوى من قاعدة إنجرليك جنوب تركيا.


أدت محاولة الحفاظ على هذا التوازن الدقيق إلى توتر العلاقات مع تركيا ، فالدولة التركية متورطة فى حرب داخلية، لذلك لايمكن أن تكون حليفا مؤثرا إقليميا للولايات المتحدة، فى منطقة يعتبر فيها الحلفاء المؤثرون ضرورة. إذا ما انهمك الجيش التركى فى حرب داخل حدود البلاد، فلن يمكنه مساعدة»الناتو» فى مهماته.


وربما هنالك أمر يقلق أكثر من التوترات المفروضة على العلاقات الأمريكية – التركية، وهو أن صراعا طويل الأمد ضد الدولة التركية قد يدفع حزب العمال إلى التحول للعمل مع موسكو وطهران كشركاء، ما يعطى البلدين فرصة استراتيجية خطيرة للتطفل داخل حدود الناتو. الآن وفى ظل التوتر المتزايد ضمن حدود تركيا، وبين أنقرة وحلفائها فى الناتو، موسكو تواقة لإيجاد سُبل لاستثمار وتوسيع الخلافات والتوترات بينهم. لذلك زودت حزب الاتحاد الديمقراطى بالمساعدة العسكرية والدبلوماسية فى سوريا، ورحبت بممثلى حزب الشعوب الديمقراطى عندما سافروا إلى موسكو. فى الآونة الأخيرة، اتهم الرئيس التركى أردوغان بشكل مباشر، روسيا بتسليح حزب العمال، فى حين أنه لم يكن هنالك أدلة مباشرة تؤكد تورط موسكو فى هذا.


فى حين يعتقد البعض أن الدعم الروسى لحزب العمال سيجلب تركيا وباقى دول الناتو إلى توافق أكبر، ربما تكون النتيجة العكس تماماً بسبب طرق الرد المختلفة جداً التى يمكن أن تنتهجها تركيا وحلفاؤها فى تعاملهم مع الخطر. من جانب آخر، كانت إيران أيضاً على استعداد مسبق للاستفادة من الصراع الكردى – التركى لتعزيز نفوذها وهيبتها الإقليمية. عندما بدت تركيا راغبة ومقتنعة بإفساح المجال لـ»داعش»بالتوسع ليكون كجدار فى وجه حزب الاتحاد الديمقراطي، تحمست إيران لتوفير الدعم للكرد فى العراق وسوريا، مقدمة نفسها كحليف مهم يمكن الاعتماد عليه فى أوقات الحاجة. فى بدايات عام ٢٠١٢، حذّر إدريس نعيم ساهين، وزير الداخلية التركى حينها قائلاً «منظمة حزب العمال الكردستانى الإرهابية تستخدم إيران كملاذ للإقامة، التنقل، التدريب، العناية الطبية، التجنيد، التمويل ونشر البروباجاندا الإعلامية».


أضف إلى ذلك، يتم تنفيذ عمليات نقل بعض الأسلحة من هناك. لا تولى إيران اهتماماً كبيراً للتدابير الأمنية فى المناطق الحدودية.كما وقد يؤدى مزيد من القتال إلى تقوية إيران ويحولها إلى راع لحزب العمال. طالما الصراع فى العراق وسوريا مستمر فيما يخص جزئية تدخل القوى الخارجية لتأمين المصالح الجيوسياسية، وعلى هذا فإن تركيا ضعيفة وغير مستقرة قد يؤدى إلى توسع الصراع الإقليمى فى منطقة الأناضول أيضاً.


من المفارقات فى هذا الصدد، حين يغذى أعداء الولايات المتحدة الصراع داخل تركيا، إلا أن من المرجح تماماً أن العديد من مواطنى تركيا يلومون واشنطن بدلاً عن أولئك. حيث يسردون روايات تفيد بأن دعم واشنطن المفترض لإرهاب حزب العمال كان ولفترة طويلة سبباً أساسياً لنظريات المؤامرة المنتشرة على نطاق واسع فى تركيا. طالما لدى تركيا تخوف حول سلامة أراضيها، أو اعتبار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبصورة غير معقولة، كخطر، لن تكون تركيا قادرة على مساعدة واشنطن فى تأمين السلام والاستقرار فى المنطقة.


مستقبل الاتحاد الأوروبى


فى حين بات احتمال عضوية تركيا فى الاتحاد الأوروبى أمراً مستبعدا من طاولة المحادثات لفترة زمنية معينة، إلا أن استمرار الصراع الكردى – التركى سيسمم العلاقات التركية – الأوروبية أكثر، وسيزيد العداوة بين الطرفين وسيمنع التعاون البراجماتى فى القضايا المهمة الأخرى. أثارت الانتهاكات التركية للحقوق الكردية تاريخياً ومؤخراً أيضاً، انتقادات الاتحاد الأوروبى ضدها تركيا بدورها ألهمت الهجمات التركية الغاضبة والمنتظمة على النفاق الأوروبي. ويبدو أنه فى بيئة كهذه، من الصعب جداً بالنسبة لأنقرة وبروكسل التعاون فى قضايا مهمة تؤثر على كامل القارة من دعم اللاجئين واعتراض ومنع مقاتلي»داعش».


ربما، وعلى نحو أكثر إثارة، إذا تدهور استقرار تركيا، ستكافح الدولة التركية كى تستطيع إدارة العدد الهائل من اللاجئين السوريين الذى يعيشون فيها حالياً. ما قد يؤدى إلى تدفق كبير للاجئين الباحثين عن مأوى إلى دول الاتحاد الأوروبي، حينها ربما يضاف إليهم موجة من اللاجئين الأتراك سيهربون من تركيا نفسها، ما قد يشكل أزمة أكبر من التى حصلت عام ٢٠١٥. وعلى هذا فإن استمرار الصراع فى تركيا قد يهدد استقرار الاتحاد الأوروبى ككل.


فى الوضع الحالي، يبدو مرجحاً جداً أن النزاع يتجه نحو التصعيد، ومن المحتمل أن يصل لمستوى عنفى يشابه فترة التسعينات. خلال تلك الفترة، تحولت معركة الحكومة التركية ضد حزب العمال إلى حرب شوارع كاملة الأركان التهمت جنوب شرق البلاد. بالإضافة إلى تكلفتها الإنسانية، أدى الصراع إلى تسوية ديمقراطية تركيا، التطور الاقتصادي، الصورة الدولية، بطرق متعددة وهو الأمر الذى أعاد تركيا عقداً للوراء. كما أدى استخدام الحكومة للعقاب الجماعى والإعدام خارج نطاق القضاء إلى تآكل سيادة القانون، مشكلاً حالة من العداوة العميقة داخل المجتمع الكردي، وقاد الناس إلى الهجرة على شكل موجات من المناطق الكردية إلى غرب البلاد.أدى القتال إلى غرس فكرة دائمة فى عقول الأتراك تحولت إلى قناعة ثابتة بأن البلاد واقعة تحت خطر دائم، ما نتج عنه نوع من جنون العظمة القومية لاتزال موجودة فى السياسات التركية حتى اليوم. الآن، يغذى جنون العظمة هذا عودة العنف مجدداً، نظراً لتلاقى المؤثرات التصعيدية، الأمر الذى يمكن أن يفاقم الوضع ويؤدى إلى عواقب وخيمة على الجميع.