وداعاً عبد العظيم مناف .. عن «نفق الكباب» وصانع النجوم الذى كان فى شارع القصر العينى

24/08/2016 - 12:18:27

بقلم: أسامة عفيفى

كان عمنا وشيخنا الشيخ سعاد جلال يرحمه الله واحدا من أعلام التجديد فى الخطاب الديني، يكتب مقالا دائما فى جريدة الجمهورية يشرح للبسطاء دينهم ودنياهم وعلاقتهما معا بأسلوب عصرى وفكر مستنير ولغة راقية بسيطة وسهلة، وكان الرجل صديقا لصاحب محل أبو شقرة الكبابجى بشارع قصر العيني، وكنت أنا من مريدى الشيخ وأحب أن أشاكسه دوما، قلت له يوما أنت تكتب مقالك فى الجمهورية للبسطاء على رائحة الكباب والحمام المشوى ويأتيك ما لذ وطاب والبسطاء يتضورون جوعا ..قهقه ضاحكا، وقال أنا هنا أجلس خارج المحل وأكتب على الريحة أما صاحبك فى الموقف العربى فعنده نفق من مكتبه لقلب المطعم مباشرة والعهدة على صاحبه محمد عودة.. ضحكنا فأنا أعرف الشائعة التى أطلقها عمنا عودة على عبد العظيم مناف بسبب كرمه الحاتمى فلقد كان الرجل يعزم رواد المجلة وزائريه من نجوم الصحافة والفكر من مصر والوطن العربى يوميا على ما لذ وطاب من الكباب والكفتة لدرجة أن عودة قال له يوما: “ ايه يا عبد العظيم أنت عامل نفق لأبو شقرة تحت شارع القصر العينى شغال لحسابك؟”


كان موضوع هذا النفق مثار تندر من أصدقائه جميعا، حتى إننى سمعت عنه من رجاء النقاش عندما عرفنى بعبد العظيم مناف يرحمهما الله لأول مرة.


فلقد عرفت الرجل بالصدفة البحتة نهاية السبعينيات عندما اصطحبنى الفنان والناقد التشكيلى الراحل فاروق بسيونى يوما لمجلة الموقف العربى ليصرف مكافأة عن مقال له وعندما دخلنا إلى الدار كان عبد العظيم مناف يودع عمنا رجاء النقاش على باب المكتبه ورآنى رجاء فسلم علىَّ بحرارة وقدمنى للرجل قائلا: “الشاب ده من الصحفيين الثقافيين الجيدين استفيد منه يا عبد العظيم” وقدمه لى عمك عبد العظيم مناف رئيس تحرير مجلة الموقف العربى وصاحب نفق الكباب الشهير وضحكنا جميعا واستقبلنا الرجل فى مكتبه فاروق بسيونى الذى يعرفه وأنا، ودار حوار طويل عن الناصرية والردة الساداتية والعروبة والقومية كنت فى تلك الأيام أميل للتنظير والتقعير شأنى شأن أبناء جيل السبعينيّات وكان الرجل يعرض القضية بشكل عاطفى رومانتيكي، شأنه شأن الستينيين من الناصريين وتشعب الحوار وامتد لمدة أكثر من ساعتين لنستكمله فى مطعم أبو شقرة للغذاء وعند عبورنا شارع القصر العينى قلت له ضاحكا: إحنا ماعديناش من النفق ليه ولا هو مخصص لكبار الزوار؟! ضحك الرجل وضحكنا وبدأت العلاقة تعاملت مع المجلة، وكتبت عددا من المقالات وبعدها سافرت إلى الخارج لأكثر من ثلاث سنوات سمعت أثناءها عن إغلاق الموقف العربى وعن اعتقال الرجل مع رموز الحركة الوطنية فى سبتمبر، وعندما عدت بعد رحيل السادات كانت المجلة قد بدأت تستعد للظهور مرة أخرى ولما كنت أدخل إلى المؤسسات الصحفية لأخرج منها فلقد نصحنى عمنا كامل زهيرى أن أذهب إلى الرجل فهو يستعد لإصدار المجلة من جديد بعد حصوله على حكم قضائي، وبالفعل ذهبت إليه أنا والراحل صلاح القاضى ووافق الرجل أن أنضم لفريق المجلة ليؤيد اشتغالى بالمهنة لحل مشكلتى مع النقابة وأكون ضمن فريق العمل الأساسى واستمرت رحلتى معه لأكثر من ثلاثين عاما من العمل والإبداع والغلق والمصادرة والصدور من الخارج فى الموقف العربى وصوت العرب حتى حصل فى أوائل الألفية الثانية على حكم قضائى بعودة الموقف العربي، رحلة طويلة من العمل الشاق والاتفاق والاختلاف والتوتر والمحبة والحميمية والوشايات و... و... رحلة أتمنى أن أتمكن يوما من كتابة تفاصيلها كشهادة للتاريخ.


لكن ولأننى شاهد على هذه الرحلة أعتقد أن أهم ملامحها بالإضافة إلى دور المؤسسة التى أنشأها عبد العظيم مناف فى دعم الحركة الناصرية ودعم فكرة العروبة فى مصر والتى كان يحاول من خلالها تحقيق شعاره المكتوب على لافتة دار الموقف العربي»صوت مصر فى الوطن العربى وصوت العروبة فى مصر”.


هذه التجربة أرى أن من أهم ملامحها أنها فتحت الباب على مصراعيه أمام نجوم السبعينيّات والثمانينيّات فى الصحافة المصرية، فضلا عن الرواد الكبار الذين كتبوا فى الموقف العربى وارتبطوا بها كفتحى رضوان وكامل زهيرى ومحمد عودة ورجاء النقاش ومحمود المراغى ونجاح عمر وعبدالله إمام وعلى الراعى ونعمان عاشور ونجيب سرور وفؤاد حداد والفيتورى والطيب صالح ومحمد إبراهيم أبو سنة ومحمد المقالح ومظفر النواب ويوسف القعيد وجمال الغيطانى وحسنين كروم وضياء الدين داود وعبد الوهاب الزنتانى وفريد عبد الكريم وعبد الرحمن الشرقاوى ومحمود القاضى ومحمد مهران السيد وأمل دنقل ونديم البطار وعصمت سيف الدولة ومحمد الماغوط وغيرهم وغيرهم كثير, فتحت المجلة أبوابها لجيل السبعينيات الطالع والمصادر فى الصحافة الرسمية فاحتضنت كتابات محمد السعيد إدريس ومصطفى بكرى وجمال القصاص وحسن طلب وحلمى سالم ورفعت سلام وفاروق بسيونى وأحمد ثابت وضياء رشوان وأحمد عز الدين وعبد الله السناوى ومحمد حماد وعبد الحليم قنديل وحمدين صباحى وأحمد عبد الحفيظ وأحمد الصاوى ومجدى رياض وسيد حسان وسيد زهران وعزازى على عزازى وغيرهم وغيرهم، وعدد كبير من كوادر مركز الدراسات الاستراتيجية فى الأهرام، بالإضافة إلى نجوم الثمانينيات مثل عبد الفتاح طلعت وخالد صلاح وعماد الدين حسين وطلعت إسماعيل وأشرف عبد الشافى وحمدى عبد الرحيم وسعيد شعيب وتهانى تركى وناهد السيد وبهاء حبيب وغيرهم كثيرون، والمتابع للحراك الصحفى منذ منتصف التسعينيات حتى قبيل ثورة ٢٥ يناير سيلاحظ ان أغلب رؤساء تحرير الصحف المستقلة والحزبية كانوا من كوادرها الرئيسية من الموقف العربى أو صوت العرب وعدد كبير من رؤساء تحريرها أيضا. فلقد شكلت تجربتى الموقف العربى وصوت العرب الحاضنة المهنية لعدد كبير من نجوم الصحافة الحزبية والمستقلة، فإذا كان الروائيون الروس جميعا قد خرجوا من معطف جوجول، فإننى أكاد أن أجزم أن نجوم الصحافة الحزبية والمستقلة فى مصر قد خرجوا من معطف الموقف العربى وصوت العرب، فلقد أعطى عبد العظيم مناف يرحمه الله الفرصة لعدد كبير من شباب الصحافة المصرية أن يشقوا طريقهم عبر المطبوعتين وأن يلتحق أغلبهم بنقابة الصحفيين من خلالهما, بل لقد كانت كوادر جريدة العربى لسان حال الحزب الناصرى منذ نشأتها تقوم على أكتاف كوادر الموقف العربى وصوت العرب بعد إغلاقهما فى عهد مبارك مجددا. والقول بالقول يذكر


أعتقد أن مجلة الموقف العربى بالتحديد كان لها دور رائد فى الاهتمام بالثقافة والإبداع العربيين من خلال استكتابها لكبار مبدعى مصر والوطن العربي، بالإضافة إلى قيام ملحق الأدب والفن الذى توالى على الإشراف عليه مبدعون وصحفيون آمنوا بدور الإبداع الملتزم فى تطوير وعى الأمة، فلقد أشرف على هذا الملحق رجاء النقاش ومحمد مهران السيد ويوسف القعيد ويسرى العزب وكاتب هذه السطور، ولعل أبرز ما قام به هذا الملحق هو كسر احتكار القاهرة للنشر الإبداعى ففتح الباب أمام المبدعين الحقيقيين فى بر المحروسة فى الدلتا والصعيد، ولقد تميزت الموقف العربى بكتابة أسماء المبدعين دون ذكر مدنهم أو قراهم كما كانت تفعل بعض الصحف, فهم مبدعون مصريون فقط يتساوون فى الحق فى النشر, ولقد نشر هذا الملحق أعمالا إبداعية لنجوم الإبداع خارج العاصمة من الاتجاهات الفنية والفكرية المختلفة دون تمييز فى وقت كان يعانى فيه المبدعون من تقليص مساحات نشر الإبداع فى الصحف والمجلات الكبري، فضلا عن تبنى هذا الملحق قضية مواجهة التطبيع الثقافى بقوة لدرجة أن الملحق خصص منذ تولى يوسف القعيد الإشراف عليه باباً بعنوان ضد التطبيع استمر حتى توقف المجلة عن الصدور، ولقد أسهم هذا الباب فى فضح المطبعين عبر سنوات وسنوات.


ومن طرائف هذا الباب أن أحد المطبعين رفع قضية على المجلة يتهمها بالسب والقذف فى حقه لأن الباب فضح الرجل الذى نشر عملا إبداعيا فى إسرائيل وطالب الحركة الثقافية بإدراجه على قوائم المقاطعة ... ولأن المطبع يعتبر إسرائيل دولة تربطها علاقات دبلوماسية بمصر فهو يرى أنه لم يرتكب جريمة وأى مطالبة بمقاطعته هى من باب السب والقذف وقطع الأرزاق .. ولما كنت أنا محرر الباب فلقد طلبت من عمنا عبد العظيم مناف أن أحضر أنا تحقيقات النيابة فرفض وقال: أنا رئيس التحرير، وأى كلمة من غير إمضاء أنا المسئول عنها، وبالفعل حضر التحقيق وفى المحكمة قدم المحامى الصديق سيد شعبان حافظة مستندات بها قرارات مؤتمر مصر فى الأقاليم بإدانة أى كاتب ينشر إبداعاته فى إسرائيل ويدعو لمقاطعته واعتبر القاضى أن موقف المجلة تنفيذ لقرارات المؤتمر الذى يعبر عن أدباء مصر جميعا, وحكم ببراءة الموقف العربى من تهمة السب والقذف.


تجربة ثرية تستحق التوثيق والتسجيل والدراسة والتحليل لأنها جزء لا يتجزأ من ذاكرة الوطن ورجل يستحق أن يكتب عنه وعن دوره الكثير، لأنه بلا شك كان صانعا للنجوم وللأمل من مكتبه الذى يحتل شقة صغيرة فى شارع القصر العينى اكتشفنا أنها لا تضم نفقا للكباب ...ولكنها كانت مليئة بالمحبة والأمل والكفاح والكرم.


رحم الله عمنا عبد العظيم مناف صانع هذه المؤسسة المكافحة المناضلة التى قدمت الكثير للوطن وللصحافة المصرية والعربية.