بـ ١١مليون جنيه وسيناريو عرض جديد لمحتوياته: متحف ملـــوى.. مؤسسة تعليمية وتثقيفية تحارب التطرف والإرهاب

24/08/2016 - 12:11:00

تقرير: أمانى عبد الحميد

فى الصدارة يقف شامخا تمثالا لـ «بيبى عنخ» وزوجته للترحيب بالزائرين داخل المتحف الجديد بمدينة ملوى، بمحافظة المنيا، ليأخذهم فى رحلة شيقة تحكى تاريخ العائلة المترابطة فى صعيد مصر، التى صنعت الحضارة وحافظت على تقاليدها وقوة تماسكها وعراقة جذورها منذ آلاف السنين من خلال سيناريو عرض يحمل فلسفة وعادات وتقاليد أهل ملوى وحرفهم وصناعاتهم عبر العصور.


على قدم وساق تجرى التجهيزات الأخيرة، داخل قاعات متحف ملوي، تمهيدا لافتتاحه, المتحف الذى تعرض لهجمات إرهابية طالته بالحرق والتدمير وسرقة مقتنياته خلال أحداث فض اعتصامى «رابعة والنهضة» فى أغسطس من العام ٢٠١٣, ليعود من جديد ويحكى تاريخ تلك البقعة من أرض الصعيد من خلال سيناريو عرض مختلف يحوى قطعا أثرية يتم عرضها للمرة الأولى بعدما فقد المتحف أكثر من ١٠٨٩ قطعة أثرية خلال عمليات النهب المؤسفة ,لكنه يعود بقوة مرة أخرى بفلسفة عرض جديدة ترتبط بحياة أهل ملوى وتقدم لهم خدمة ثقافية تعليمية متكاملة.


المتحف الصغير المكون من طابق واحد فقط من المقرر أن يفتح أبوابه أمام الزائرين خلال أيام معدودة، وذلك بعدما قررت وزارة الآثار وضعه على قائمة المشروعات المستعجلة نظرا لدوره فى مجابهة الإرهاب فكرا وسلوكا، خاصة وأنه كان من أكثر المتاحف الأثرية تضررا خلال أحداث فض اعتصامى «رابعة والنهضة» ,لذا كان لابد من أن يقف تمثال « بيبى عنخ « وزوجته فى صدارة المتحف الجديد ليستقبل جمهور متحف ملوى بعد الترميم مرحبا بالزائرين بادئا الرحلة التاريخية الأثرية للتأكيد على دور مدينتهم الصغيرة فى صناعة الحضارة المصرية القديمة وعلى مدى حفاظها ,حتى وقتنا هذا ,على التقاليد التى تحترم العائلة وكبيرها وجذورها.


متحف ملوى أصبح مختلفا تماما عما مضي, فلم يعد يضم عددا من القطع الأثرية المتراصة بجوار بعضها بحيث تستعرض الحضارة المصرية على عجالة دون التعمق فى تفاصيلها,بل أصبح متحفا يختص بسرد يوميات أهالى صعيد مصر فى المنيا وملوى منذ أقدم العصور ليقدم خدمة أثرية تعليمية يستمتع بها كل زائر سواء يعيش على أرض ملوى أو غيرها.


بعد الترميم والتجديد أصبح المتحف جزءا مما يمكن وصفه بفلسفة أو سياسة متحفية جديدة تتبناها وزارة الآثار من أهم أهدافها تحويل المتاحف الإقليمية إلى مؤسسات تعليمية وإرشادية ثقافية وإنتاجية أيضا، وهو ما أوضحته الأثرية إلهام صلاح الدين، رئيس قطاع المتاحف بالوزارة، التى ترى ضرورة أن تخدم المتاحف مختلف الأعمار لسكان الإقليم وأن تلعب دورا فى تصحيح الفكر على المستوى الدينى والثقافى والسياسى أيضا.


رئيس قطاع المتاحف بالوزارة، أكملت قائلة: الوزارة حصلت على تمويل من محافظة المنيا ووزارة التخطيط فى حدود ٧ ملايين جنيه لترميم مبنى المتحف الذى تعرض للحريق والتدمير والتشويه علاوة على ٤ ملايين من إيطاليا لصالح فاترينات العرض المتحفى وأعمال الجرافيك والتدريب,لذا أصبح المتحف بعد الترميم عبارة عن دور أرضى مخصص للعرض والدور الأول مخصص للأعمال الإدارية ومكاتب أمناء المتحف وقاعة للمحاضرات.


وفيما يتعلق بـ»سيناريو العرض الجديد» الذى سيتم العمل به داخل المتحف، أوضحت الأثرية إلهام صلاح الدين أن « سيناريو العرض الجديد اختلف عما كان فى السابق حيث كانت المتاحف الإقليمية تحكى تاريخ الحضارة المصرية بشكل عام دون وجود أية فكرة رئيسية أو موضوع محدد تشرحه القطع الأثرية المعروضة,لكن اليوم أصبح لكل متحف إقليمى فكرة يختص بعرضها وشرحها عن المنطقة المحيطة به».


« المتاحف الإقليمية أصبحت مملة نتيجة تكرار فكرة العرض مما أثر على زوارها فى كل أقاليم مصر..»، جملة آخرى ألقت بها رئيس قطاع المتاحف بالوزارة، فى سياق حديثها، مشيرة إلى أنها وضعت منهجا علميا لتحديد دور كل متحف إقليمى على حدة, وتابعت قائلة: لابد لكل متحف أن يحاكى تاريخ الإقليم التابع له، أى أن يستعرض المتحف الإقليمى الفكر الدينى لأهالى الإقليم وعاداتهم وتقاليدهم وحرفهم وصناعاتهم وكل ما يخص حياتهم اليومية على مر العصور.


وأضافت «إلهام»: تغيير نهج المتاحف يسعى إلى دفع الناس إلى التنقل بين المتاحف وزيارتها جميعها دون الاكتفاء بزيارة متحف واحد، وإن كان من أهم الأهداف هى مخاطبة عامة الناس وليس المتخصصين فقط، كما أننا نسعى إلى تقديم معلومات مبسطة وواضحة لا تحتاج إلى أثرى أو مثقف لفهمها.. حتى لا نكون كالذين يتحدثون مع أنفسهم فقط.


وفيما يتعلق بالقطع الأثرية المقرر عرضها داخل «فاترينات المتحف»، أشارت إلى أن القطع الأثرية تم جلبها من مواقع الحفائر الأثرية من داخل الإقليم,عن متحف ملوى تم جلب قطع أثرية من المخزنين الأثريين « الأشمونين « و» البهنسا « بالمنيا لعرضها ضمن سيناريو العرض الجديد وعددهم حوالى ٤٢٥ قطعة أثرية مع اختيار بعض القطع من الآثار المستردة الصالحة للعرض,علاوة على عدد من القطع التى كانت معروضة داخل متحف المنيا القديم والتى ترتبط بفكرة العرض الجديدة,أما بقية القطع الأثرية غير الصالحة للعرض سيتم تخزينها داخل المخازن الأثرية خاصة أن عددا منها أصبح بعد حادث السرقة والتدمير فى عام ٢٠١٣ لم يعد صالحا للعرض المتحفي.


جدير بالذكر أن المتحف عدة أقسام تستعرض الحياة اليومية للمصرى القديم وما كان يستخدمه فى منزله وما يمارسه من صناعات وحرف وتجارة مثال ذلك يحوى المتحف جزءا خاصا عن «الفخار» الذى ظل لسنوات طويلة جزءا لا يتجزأ من حياة الأسرة المصرية وكان ولايزال أحد مكونات حرفها وصناعاتها الأساسية,كان يتم استخدامه فى عمليات التخزين وفى الأكل والشرب وفى صناعات الأوانى بمختلف أنواعها واستخداماتها.


كما يوجد داخل المتحف قسم خاص يستعرض النسيج المصرى القديم منذ بداية استخدامه ومراحل تطويره على مر العصور التى عاشتها المنيا خاصة وأنه تلك المنطقة اشتهرت بصناعة النسيج ,وكذلك العلوم والطب والكتابة.


كما أن سيناريو العرض الجديد لمحتويات المتحف يشرح للزائر كيف استخدم المصرى القديم الإضاءة الطبيعية والصناعية وكيف وظفهما جيدا لإنارة المكان, كما يتطرق العرض إلى فكرة الزينة والجمال سواء فيما يتعلق بالملبس والتجميل خاصة استخدام المصريين للباروكة.


إضافة إلى ماسبق يستعرض المتحف تفاصيل الحياة الآخرة وعقيدة المصرى القديم والحياة الدينية لأهالى ملوى والمنيا وعملية التحنيط للموتى ,فيقدم الإله « آيبيس» معبود المنطقة والإله « جيحوتي» معبود الإقليم , مع العلم أن سيناريو العرض حرص على استعراض العقيدة المصرية بحيث يظهر الجانب السماوى أكثر من الوثنى فيها,ويحكى سبب لجوء المصرى القديم إلى المعبودات من الحيوانات ومدى أهميته ,كما يوضح عقيدة البعث والخلود ,والعدالة ,وهناك مجموعة من التوابيت ومومياء وعدد من مومياوات الحيوانات المحنطة,وإن كان أهم ما يتميز به متحف ملوى هو عرض مجموعة مقبرة مكتملة العناصر لصاحبها «حنو» التى تم اكتشافها داخل أحد أبيار مقبرة أخرى ليست له ,وهى تحكى عن بعض عادات القدماء فى عملية دفن موتاهم,


كما يقيم متحف ملوى الجديد ورشا لإحياء الحرف التراثية داخل المتحف لتعليم النسيج والسجاد تخدم أهالى المنطقة المحيطة به,وبالفعل الاتفاق مع أحد المصانع المتخصصة للمساعد فى عمليات التعليم والتسويق أيضا,وفى نفس الوقت يستطيع الزائر خلال جولته أن يقرأ على جدران المتحف لوحات من الجرافيك توضح كل المبادئ وأخلاقيات المصرى القديم الخاصة بالأسرة,ويرى على جدران كل قسم كتابات مرتبطة بفكرة العرض توضح الحكمة والآداب التى كان يؤمن بها المصري,حيث يعقب كل فاترينة كتابات سواء على الجدران أو على لوحات تحمل معلومة مبسطة تعليمية خبرية بحيث تكتمل فى نهاية الزيارة المعلومة الأثرية الخاصة بالمتحف ككل.


تجدر الإشارة هنا إلى أن الشركة المنفذة انتهت من أعمال ترميم مبنى متحف ملوى وتجهيزه بالكامل بعد إجراء بعض التعديلات الفنية وفقا لمعايير خطة تطوير المتاحف التى تبنتها وزارة الآثار مؤخرا فيما يتعلق بطرق العرض المتحفى أمن وسلامة المتحف.


وأوضحت اللجنة المشكلة بقرار من د. مصطفى أمين، أمين عام المجلس الآعلى للآثار برقم ٣٤٧٤ فى أبريل ٢٠١٥ أن «القطع الأثرية التى تم استردادها بعد سرقتها فى أعقاب أحداث فض اعتصامى «رابعة والنهضة» قد تم مطابقتها بالسجلات الخاصة بالعهد الأثرية وثبت أن حوالى ٦٠٩ قطع أثرية قد تطابقت فقط من أصل ١٠٨٩ قطعة, أما بقية القطع المستردة وعددها ٧٢ لم تتطابق فى طبيعتها أو لعدم وضوح معالمها أو وجود أى دلائل تساعد على مطابقتها بالسجلات,مع عرض حوالى ٥٣ قطعة أثرية من مقتنيات المتحف ضمن معرض للآثار المستردة داخل المتحف المصرى بالتحرير,وبالتالى يصبح عدد القطع المستردة ٦٦٣ من أصل ١٠٨٩ مسجلة بسجلات المتحف».