فى الذكرى ٥٠٠ لانتصار الاحتلال العثمانى فى «مرج دابق»: أين مشروع مصر العربى؟!

24/08/2016 - 12:09:15

بقلم: أحمد النجمى

سقط الغورى من فوق حصانه، يقال إن الشلل قد أصابه، ومات بـ “النقطة” كما قال “ابن زنبل الرمال المحلى” أحد المؤرخين الشعبيين فى القرن السابع عشر، الذى لم يعاصر معركة “مرج دابق” بين المماليك والعثمانيين، لكنه سمع تفاصيلها من الرواة، الذين ظلوا يروونها لقرون.. اليوم - الأربعاء - تمر الذكرى الحزينة لمعركة “مرج دابق” التى انهزم فيها جيش المماليك “جيش مصر والشام” أمام الجيش العثمانى.. ومات السلطان المملوكى “قنصوة الغورى” فى الميدان، وأكمل خليفة العثمانيين “سليم الأول” زحفه نحو مصر، اليوم - الأربعاء - تمر ٥٠٠ سنة بالتمام والكمال على وقوع هذه المعركة التى أجمع المؤرخون على أنها كانت “مأساة”.. !


كان صدامًا تاريخيًا محتومًا، بين المماليك والعثمانيين، أفضى إليه التكوين الاستراتيجى الإقليمى فى ذلك الزمان.. كانت ثمة ثلاث قوى فى الشرق الأوسط.. السلطنة المملوكية فى مصر والشام والحجاز، والدولة الصفوية فى إيران والعراق، والدولة العثمانية فى تركيا، كان لابد من سقوط قوتين لحساب الثالثة.. لم يكن من الممكن بحسابات القوى فى ذلك المنحنى التاريخى أن تتعايش الدول الثلاث مصر - من جانبها - لم تكن تملك مشروعات توسعية، بينما كان الصفويون فى إيران “الشاه إسماعيل الصفوى” والعثمانيون فى تركيا “سليم الأول” يمتلكون مشروعات توسعية، لاسيما العثمانيون الذين كانوا بصدد تكوين إمبراطورية.. !


لم يكن عدم اتجاه الدولة المملوكية فى مصر إلى التوسع - وحده - هو السبب فى تقوقعها على ذاتها، كانت عوامل اقتصادية - اجتماعية متعددة تشكل أسبابًا لهذا التقوقع: انقطاع التجارة الدولية التى كانت تمر من الأراضى المصرية إلى شواطئ آسيا، وكانت مصر تربح الكثير جدًا فى هذا الزمن كمكوس تجارية، وبدلًا من هذا الطريق.. اكتشف الرحالة البرتغالى “فاسكودا جاما” طريق رأس الرجاء الصالح الذى يدور بالتجارة حول إفريقيا وصولًا إلى آسيا، فانقطعت إيرادات التجارة عن خزانة السلطنة المملوكية فى مصر.. وبالتالى أوشكت الدولة على الإفلاس، من هنا تفشت الرشوة والفساد فى جهاز دولة المماليك، تعويضًا لنقص الإيرادات.. حتى السلطان قنصوه الغورى ذاته، كان يتقاضى رشاوى لتعيين هذا أو ذاك فى أحد المناصب الرفيعة للدولة، أى أنه يعرف - مقدمًا - أن هذا الشخص الذى يدفع له “الرشوة” سيعوضها أضعافًا مضاعفة من منصبه.. !


كان الفساد - إذن - دستورًا لمصر فى السنوات الأخيرة لدولة المماليك، فى عصر “الغورى” تحديدًا.. الذى استشهد فى “مرج دابق”!


ولنعد إلى بداية الحكاية.. حين تحرك “سليم الأول” العثمانى ضد إيران أولًا، ثم مصر!


تحرك سليم إلى إيران، دارت بينه وبين “إسماعيل الصفوى” معركة رهيبة، خسرها الصفوى “معركة تشالديران”، وقبل أن يتحرك سليم إلى قتال الصفوى، أعد “العدة الأساسية” للمعركة.. فاستصدر الفتاوى من فقهاء سلطنة، بأن الصفوى كافر زنديق، بل إنه خارج عن ملة الإسلام “بحكم كون الصفوى من الشيعة، بينما سليم والدولة العثمانية من السنة.. ” وهو الطرح ذاته الذى استخدمه “أردوغان” ضد إيران وضد الرئيس السورى بشار الأسد فى السنين الماضية، ليضفى على مؤامراته على سوريا بعدًا طائفيًا ويضمن وقوف الدول العربية السنية معه، قبل أن يغير الدفة ويتحالف مع إيران فى الأسابيع الأخيرة.. !


ثم تحرك ضد مصر المملوكية.. فكان لابد من الاستيلاء على سوريا - التى كانت تتبع مصر وقتئذ - وكسر جيش المماليك فى “مرج دابق” قبل خمسمائة سنة بالضبط، ومرج دابق هذه قريبة من “حلب” التى لعبت فيها سياسة أردوغان التآمرية دورًا من أبشع الأدوار، وساعدت وزرعت تنظيم “القاعدة” وغيره من التنظيمات الإرهابية فى قلبها ومن حولها، وهى المدينة التى يخوض الجيش السورى حربًا ضروسًا لتحريرها هذه الأيام.. !


وبعد أن انكسر الجيش المملوكى فى “مرج دابق” فى ٢٤ أغسطس ١٥١٦، واصل جيش “الغزو العثمانى” زخفه نحو مصر، ودخلها بالفعل، فى يناير ١٥١٧، وكان على رأس الدولة آنذاك السلطان الشهيد العظيم “طومان باى” الذى استبسل وسط ما تبقى له من الجيش فى الدفاع عن مصر، وبعد هزيمة جيشه فى “الريدانية” - قرب المطرية الآن - ظل يقاوم «مقاومة شعبية» من شارع إلى شارع، ومن قرية إلى قرية، حتى قبض “الاحتلال العثمانى” عليه، وأعدموه شنقًا فى أبريل من نفس العام، بعد قرابة ثلاثة أشهر من الاستبسال فى معارك المقاومة!.


ولكن.. كيف انتصر العثمانيون قبل ٥٠٠ سنة على المماليك فى “مرج دابق” وقبل ٤٩٩ سنة فى “الريدانية”؟ بالشجاعة؟ لا.. بالقدرات القتالية الفائقة؟ لا.. بالتخطيط الجيد؟.. لا، انتصروا بالخيانة، وشراء الذمم!.


ففى “مرج دابق” ثبت المماليك أمام العثمانيين، برغم أن العثمانيين كان معهم سلاح غير موجود فى الجيش المملوكى وهو “المدفع الميدانى” الذى كان قد ظهر فى أوربا قبل مرج دابق بنحو عشرين عامًا.. لكن المماليك بغزو سيتهم وقدراتهم القتالية المشهود لها فى التاريخ ثبتوا أمام العثمانيين، وأوشكوا على إلحاق الهزيمة بهم.. لولا “الخيانة”.. خيانة “خاير بك” وإلى حلب من قبل السلطان الأشرف قنصوه الغورى، التاريخ أن خاير بك لم يكن سوى جاسوس يعمل لحساب العثمانيين!


انسحب “خايربك” بقواته - وكان قائد الميسرة فى الجيش المملوكى - فصنع ثغرة رهيبة فى صفوف هذا الجيش مكنت العثمانيين من إنهاء المعركة لصالحهم.. !


كان هناك خائن آخر.. اسمه الأمير “جان بردى الغزالى” من أمراء المماليك أيضًا، وكان هناك “جواسيس” لبنى عثمان فى قصر الغورى” ذاته، مثل “خشقدم” أحد الأمراء الذين كانوا يعملون فى قصره، و“العجمى الشنقجى” نديم السلطان الغورى ذاته.. !


إذن.. فالغورى - بصرف النظر عن خراب الدولة فى عهده، وخراب الذمم فى أيامه - تصدى بشجاعة للغزو العثمانى، وخرج ليلاقيه على حدود السلطنة فى حلب، واستشهد فى الميدان.. قبل ٥٠٠ سنة، والغورى قتيل الخيانة فى صفوف جيشه.


أيضًا الشهيد العظيم سلطان “طومان باى” كان شهيد الخيانة.. فقد لجأ ومن تبقى معه من أمراء جيشه، بعد أن أضعفتهم المعارك مع العثمانيين فى شوارع القاهرة وقرى الجيزة، إلى شيخ العرب “حسن بن مرعى” فى محافظة الغربية “الآن”، لكى يخيفهم عن عيون الجيش العثمانى، الذى كان قد تمكن تمامًا من أرض مصر، لكن حسن بن مرعى سرعان ما باع طومان باى - برغم أنهما كانا صديقين قديمين - للغزاة العثمانيين مقابل المنصب والمال.. فشنق طومان باى على باب زويلة.. ! إنها “قصة الخيانة” للمرة الثانية، والطعن فى الظهر كما طعن قنصوة الغورى فى الظهر فى “مرج دابق”.. !


وذاق المصريون مرارة الاحتلال.. أول مرارات الاحتلالات، أن مصر تحولت من سلطنة عظيمة تخضع لها أراضى الشام والحجاز، إلى مجرد ولاية فى السلطنة العثمانية - أو الخلافة كما كان يحلو لسلاطنيها أن يزعموا لأنفسهم - وثانى مرارات الاحتلال العثمانى، أن سليم الأول حين قرر العودة إلى (الأستانة) وولى على مصر )خاير بك – (الذى سماه مؤرخو عصره )خاين بك) لأن الخيانة أشهر صفاته - أخذ معه جميع أرباب الحرف والفنون والصنائع فى مصر إلى تركيا، لينقل هذه الحرف إلى بلاده.. وبهذا خسرت مصر أسطوات الحرف الكبار، وانحدرت فنونها الزخرفية والمعمارية والجميلة والتطبيقية على السواء.. وثالث هذه المرارات، مناخ الجهل والخرافة والتخلف الذى غرسه العثمانيون فى مصر.. إذ لم يكونوا قوم علم ولا فن، ولا من مشجعى النهوض فى أى مجال، فانحدرت مصر فى عصرهم انحدارًا ملحوظًا، بل خرجت من مدارج التطور الحضارى التى كانت تسير فيها فى العصر المملوكى إلى التخلف والركود، وظلت كذلك نحو ثلاثمائة عام، حتى أنقذتها العناية الإلهية بتولى محمد على حكم مصر ونهوضه واستقلاله بها.


قبل ٥٠٠ سنة، زرع الأتراك فى مصر شجرة للتخلف والركود والفقر والجهل والمرض، وقفوا على التطور الاجتماعى - الاقتصادى لمصر، فبرغم تباطؤه فى السنوات الأخيرة من عصر المماليك، كما قلنا، إلا أن المؤرخين أجمعوا على أن مصر - إذا لم تكن قد انهزمت أمام العثمانيين - كانت ستخرج من أزمتها الاقتصادية بمرور الوقت وتواصل التطور.. إنه نفس التطور الذى شهدته دول عرفت - فيما بعد بالتحضر الشديد، كفرنسا مثلا.. لقد حرمت مصر من هذا التطور ثلاثمائة سنة كاملة.. !


هكذا تأتى هذه الواقعة وهذا التاريخ - اليوم الأربعاء - كذكرى شديدة الأهمية فى تاريخ مصر فى العصور الوسيطة، لاتزال لها أصداؤها فى تاريخ مصر فى العصور الحديثة والراهنة، فحتى تجربة محمد على باشا، التى وقعت تفاصيلها بين ١٨٠٥ و١٨٤٩، تم إجهاضها فى سنة ١٨٤٠، بمعاهدة لندن وتم ضرب الجيش المصرى والمشروع الكبير للتوسع الإقليمى للدولة المصرية، وتم ضرب هذين الهدفين بشراكة إنجليزية - عثمانية.. !


ظل العثمانيون - إذن - يلقون بظلالهم البشعة على الواقع المصرى، حتى بعد أن خرجت مصر عمليًا من السيادة العثمانية فى عصر محمد على، وظل العثمانيون يحاصرون مشروع النهضة المصرى فى عصر حفيده إسماعيل باشا ويتآمرون عليه مع الإنجليز والفرنسيين، إلى أن تهدمت دولتهم وسقطت وانتهى أمرها - تماما - فى أوائل القرن العشرين.. !


لكن العثمانيين ورانا ورانا كما يقال فى العامية المصرية !


المشروع العثمانى البغيض، الذى ضرب الدولة المصرية العظيمة فى الصميم قبل ٥٠٠ سنة، لايزال فى عقل أردوغان، ولا يخفى هذا الرجل ذو الطابع النازى رغبته فى إحياء (الخلافة)، قال هذا فى مناسبات متعددة، وحلفاؤه هنا فى مصر من الجماعة الإرهابية المحظورة، يبايعونه سرًا أميرًا للمؤمنين وخليفة للمسلمين.. والمعزول مرسى حين حكم مصر فى السنة السوداء إياها، لم يكن يعتبر نفسه سوى والٍ ولم يكن يعتبر مصر سوى ولاية، أما الخليفة فهو أردوغان.. !


والمعادلة الإقليمية كما هى: مصر، إيران، تركيا.. غير أن طرفًا رابعًا أضيف إليها: إسرائيل.. ! ومعروف أن لأردوغان وتركيا ميولا توسعية وأن الرجل يعيش على وهم الخلافة، ومعروف أن إسرائيل تقوم - بالأساس - على أحلام التوسع الصهيونية، وفى خيال قادتها - منذ نشأتها السرطانية فى مايو ١٩٤٨ - فكرة التمدد من النيل إلى الفرات فيما يعرف بـ«إسرائيل الكبرى».. ولا يخفى أن لإيران حلمها التوسعى الذى يبدو شديد الوضوح فى العراق وسوريا واليمن ولبنان، عبر دعمها للقوى الشيعية فى هذه البلاد: الحكومة العراقية، الرئاسة السورية، الحوثيين فى اليمن، وحزب الله فى لبنان.. أما مصر فهى - كعادتها - لا تملك أحلامًا توسعية ولا أفكارًا لفرض نفوذها على جيرانها الإقليميين.. !


لكن مصر الآن يجب أن يكون لديها مشروعها الاستراتيجى الإقليمى الذى يحميها ويحمى العالم العربى كله من الأطراف الثلاثة المناوئة: تركيا، إيران، إسرائيل.. والتى تشترك جميعًا فى كونها غير عربية.. ! (مصر العربية) يجب أن يكون لها مشروعها القومى، الذى ثبت بالدليل القاطع فى عصر خالد الذكر «جمال عبدالناصر»، أنه المشروع الوحيد القادر على طرد الأغراب من المنطقة !


إن ٥٠٠ سنة من الزمان تنظر إلينا نحن المصريين، وقد تغير الكثير من عناصر المشهد، بعض هذه التغيرات فى صالح مصر وبعضها ليست فى صالحها، لكن )موازين القوى) لم تتضح بعد بصورة نهائية، ولاتزال مصر قادرة على تبنى رؤية عربية شاملة تجمع كل أبناء العروبة، لم تنفد الأفكار بعد ولا عقمت العقول إلى الآن.. فقط لتكن لدينا نية وعزيمة، ولننظر بدقة إلى هذا التاريخ:٢٤ أغسطس ١٥١٦.. ساعتئذ ستتخذ مصر موقفًا إقليميًا مختلفًا، وتصنع مشروعها العربى الجديد.. !


فهل يفعلها عبدالفتاح السيسى؟