بعد ٥٠٠ عام على رحيله قبة السلطان الغورى تنشد بردة البوصيرى فى حب الأولياء الصالحين

24/08/2016 - 12:06:44

تقرير: أمانى عبد الحميد

طبول ودفوف ..رقص على إيقاعات موسيقية ..إنشاد صوفي ديني وترانيم ..راقصون يطوفون حول أنفسهم يستشعرون رقص الكون من حولهم.. وآذان بشر من كل صوب ينصتون لأشعار بردة البوصيري .. ومن حولهم جدران تحمل استلهامات من فنون الخط العربي.. تلك هي أجواء قبة السلطان الغوري المطلة على ناصية شارع المعز لدين الله الفاطمي على أمل أن تحتضنه خلال رحلته السماوية وتكون مثواه الأخير, لكن الحياة أبت أن تمنحه ما كان يبغي وأصبحت قبته بعد ٥٠٠ عام على معركته الأخيرة في “مرج دابق” لا تحوي جسدا أو رفات، وإنما روح تحكي أهازيج ذكريات آخر سلاطين المماليك في مصر قبل اجتياح العثمانيين لأراضي المحروسة.


جسده تحول إلى أشلاء بل تلاشى وباتت القبة الضريحية التي بناها على عينه لتكون مرقده الأخير في قلب القاهرة العتيقة لا تحوي جسدا أو رفات, أرضيتها من الرخام المزخرف بأشكال هندسية وسقفها الخشبي وجدرانها التي تحوي شريطا كتابيا قرآنيا يحمل آيات سورة يس لم تعد تحتضنه وتحولت بعد سنوات طويلة من وفاته إلى موقع يقدم بين جنباته بعضا من الفنون الإسلامية التراثية, ويبدو أن قبته الضريحية أبت أن تواصل وجودها وكأنها على علم بنهايته المؤسفة فانهارت خلال حياته, فأمر السلطان الغوري بهدمها أكثر من مرة وإعادة بنائها, وبعد وفاته لم يقدر لها أن تظل قائمة وتم استبدالها بقبة خشبية في عام ١٨٨١ ثم تم هدمها وحل محلها سقف خرساني مقام على حديد.


السلطان الغوري هو الأشرف أبو النصر قنصوة الغوري بن بيردي الشركسي الحبشي المولود في عام ٨٥٠ هجرية _١٤٤٦ ميلادية، وكان أبوه مملوكا للسلطان قايتباي الذي أعتقه لذكائه وشجاعته وجعله يترقى في المناصب العليا, وعندما تولى الحكم كان عمره وقتها ٦٠ عاما ليكون السلطان المملوكي رقم ٢٤ لكن للأسف انتهت حياته مقتولا في معركة «مرج دابق” عام ١٥١٦ ولم يتم دفنه تحت قبته الرائعة الجمال, حيث كان من سلاطين المماليك المهتمين بالعمارة الإسلامية ذات الطابع المعماري الجمالي، لذا ازدهرت في عصره واقتدى به أمراء دولته، وعني بإنشاء الحدائق واقتناء الطيور المغردة، وأكبر دليل على ولعه إقامته لمجموعته المعمارية الكبيرة في عام ٩٠٩ هجري أي ١٥٠٥ ميلادية والتي تضم قبة ووكالة وحماما ومنزلا ومقعدا وسبيلا وكتابا و”خانقاه”، وتطل على شارع الأزهر وشارع المعز لدين الله وتمثل قلب القاهرة الفاطمية, كما يؤكد الأثري السيد حلمي رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار أن لكل منشأة من مجموعة الغوري دورا أو وظيفة تؤديها باستقلالية تامة عن غيرها, حيث تم بناء الواجهة الرئيسية من الحجر «النحيت المشهر» وتم تقسيمه الى أربعة قطاعات طولية تتوجها مجموعة من الشرفات التي تأخذ شكل الورقة النباتية الثلاثية الفصوص، وبالتالي توزيع العناصر المعمارية ذات الغرض الوظيفي داخل حنية غائرة متوجة بصفين من المقرنصات تحوي شبابيك للإضاءة والتهوية للمصلى والخانقاه, ويعتبر السبيل من أبرز ما تحويه المجموعة فهو ذو ثلاثة شبابيك وكتاب يعلوهم وعلى واجهته شريط كتابي: «أمر بإنشاء هذا المعروف المبارك من فضل الله تعالى سيدنا ومولانا الأعظم ومالك رقاب الأمم سيد ملوك العرب والعجم السلطان العالم والعادل الملك الأشرف قنصوة الغوري خلد الله ذكره...»


وفي عام ٢٠٠٥ تحولت وكالة وقبة الغوري من مجرد مبانٍ أثرية إلى مكان ثقافي تابع لصندوق التنمية الثقافية لتقدم عروضا فنية من الموسيقى والغناء والرقص خاصة عروض التنورة التراثية, حيث تعتمد فلسفة المكان هناك على احتضان واحتواء كافة أشكال الفنون التراثية بهدف إحياء التراث المصري وإتاحة الفرصة للتعرف على الفنون الحضارية ذات الطابع المصري الأصيل وفتح مجالات للحوار بين المبدعين على مستوى العالم وخلق تصور جديد للحركة الثقافية الحديثة, حيث أوضح د. نفين الكيلاني رئيس صندوق التنمية الثقافية التابع لوزارة الثقافة أن مراكز الإبداع المقامة داخل البيوت والمواقع الأثرية على غرار قبة الغوري ووكالته الأثرية تقوم بدور توعوي وتثقيفي في محيط أماكن تواجدها، بل ساهمت على مدى سنوات في الارتقاء بالحس الفني والثقافي لأبناء تلك المناطق, بل يحاول الصندوق أن يقدم خدمة مجتمعية تنموية حقيقية لا تهدف إلى الربح, لذا دائما نرى حفلات الغوري كاملة العدد ومزدحمة لأن كل المصريين متعطشون للفن الجميل وفنون التراث الأصيل, وتضرب مثالا بعروض التنورة التراثية التي يتم تقديمها ثلاث مرات على مدار الأسبوع بمركز إبداع وكالة الغوري وتصاحبها الآلات الموسيقية الشعبية مثل الطبلة والربابة والمزمار والصاجات والسلامية، كما يقوم بالغناء مطربون شعبيون يعتمدون على منهج التلقائية والإنشاد الديني، يصاحبهم عدد من الراقصين بالتنورة الملونة سواء من يقومون بـ”الفيف” أو بـ”الحناتية”، حيث يرقصون بآلة الإيقاع «المزهر», ومعلوم أن رقصة التنورة الصوفية تتميز بطابع فريد من نوعه، تعتمد على الحركات الدائرية وتنبع من الحس الإسلامي الصوفي الذي له أساس فلسفي ودلالي يرجع في جوهره إلى المفهوم المولوي القائل بأن الحركة في الكون تبدأ من نقطة وتنتهي عن ذات النقطة وأن الحركة تكون دائرية, وعندما يرقص فنان التنورة «اللفيف» يدور حول نفسه كأنه الشمس ويلتف حوله الراقصون «الحناتية” وكأنهم الكواكب, أما الغناء المصاحب فهو دائما يدور حول الدعاء إلى الله ومديح النبي محمد عليه الصلاة والسلام والأولياء الصالحين وبعض الأغاني والمواويل عن الموضوعات الشعبية مثل الصداقة والكرم والمحبة والحكمة.