خروجا عن مبادئ الإسلام الأمين والمأمون!

24/08/2016 - 12:05:18

زرع هذه المأساة، أبوهما هارون الرشيد، بأن وضع البأس بين أولاده، أو وضع بأسهم بينهم، يوم تعجل ولاية العهد وكأنه يصادر على قدر الله وإرادته.. كان يُنظر إلى ولاية العهد على أنها «منحة» يضعها الخليفة حيث يشاء إلى من شاء، ولكنها منحة غيبية غير مقدرة، ويتجلى هذا الرجم حين تتعدد ولاية العهد ببذلها على التوالى لمن يرى الخليفة أن يرتبهم فى شجرة الملك الذى لا يبلى، أو يظن أنه لا يبلى.


ذلك أنه إذا كان الحرص على إيثار الابن بولاية العهد مفهوم العلة والسبب، فإن تعدد ولاية العهد يخرج عن حدود هذا الإيثار لما يبدو أنه رجم بالغيب، مَن سيموت أصلًا قبل مَن، حتى تعقد ولاية العهد لهذا بعد ذلك.. فلا أحد يعرف متى تحل الآجال مستقبلًا، فى دولة تتشح بالدين وتعرف منه أنه لكل أجل كتاب، وأنه إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون.


ولا يفوت الحكيم، أن تعدد ولاة العهد، ما هو إلا زرع لبذور التنافس والصراع، وربما تمنى الموت المترقب، أن لم يكن الترتيب له والعمل عليه، لذلك قال الحكماء يوم عهد الرشيد بولاية العهد إلى الأمين ثم المأمون ثم المؤتمن، بأنه ألقى بأسهم بينهم!


والمدهش أن الرشيد شغل نفسه بولاية العهد وولداه: الأمين والمأمون، فى الخامسة، فقد ولدا فى عام واحد يوم توليه الخلافة سنة ١٧٠ هـ. وكان الرشيد نفسه شابًّا آنذاك فى العشرينيات من عمره يوم تولى الخلافة، ويوم عهد لابنه «محمد الأمين» بولاية العهد فى سنة ١٧٥هـ، وهو لما يزل فى الخامسة من عمره.


وأعجب من هذا أن يقض ذلك مضجعه، حتى ليبيت على حسك السعدان ندمًا على تعجله وما يحسب أنه أخطأ فيه خطًا كبيرًا بتقديمه الأمين بدلًا من المأمون، الذى كان بدوره فى سن الأمين ولا يزيد عنه إلا ستة أشهر!!


والأعجب إلا يقض مضجعه ماذا لو أتاه هو نداء الموت، ماذا هو مصير أمة مترامية حين يتولى أمرها طفلٌ فى الخامسة أو السادسة أو السابعة، سيصير أُلعوبة فى أيدى البلاط وأهواء أصحاب النفوذ والساعين إليه!!


والأعجب أن نتأمل فيما فعله الرشيد هارون ليزيح عن ضميره خطأ تقديمه الأمين على المأمون؟


ينقل المسعودى فى مروج الذهب عن الأصمعى أنه كان ذات ليلة فى صحبة الرشيد يسامره، فلاحظ عليه قلقًا شديدًا.. يقعد مرة ويضطجع مرة ويبكى، وأنشد شعرًا فهم منه الأصمعى أنه يريد أمرًا عظيمًا. ثم ما لبث أن أمر بأن يأتوه بيحيى بن خالد البرمكى، فلما أتاه طفق يقول له: « يا أبا الفضل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات فى غير وصية والإسلام جذع، والإيمان جديد، وكلمة العرب مجتمعة قد آمنها الله تعالى بعد الخوف، وعزّها بعد الذّل، فما لبث أن ارتد عامة العرب على «أبى بكر»، وكان من خبره ما قد علمت، وأن أبا بكر صيَّر الأمر إلى عمر، فسلمت الأمة له، ورضيت بخلافته، ثم صيّرها عمر شورى، فكان بعده ما قد بلغك من الفتن حتى صارت إلى غير أهلها، وقد عنيت بتصحيح هذا العهد(ولاية العهد) وتصييره إلى من أرضى سيرته، وأحمد طريقته، وأثق بحسن سياسته، وآمن ضعفه ووهنه، وهو عبد الله (المأمون).


وقد كان مقتضى بداية الحديث، أن يعهد الرشيد إلى رجل كفء من الرجال، وليكن من البيت العباسى نزولًا على ما ارتضوه من الانفراد بالأمر دون باقى المسلمين، ولكن الرشيد هارون يريد أن يضيف إلى ولاية العهد ـ لا أن يبدله ـ ابنه المأمون، وكانا معًا لا يزالان طفلين: الأمين والمأمون، دون العاشرة، ليكون المأمون بعد الأمين، وهنا غاية العجب والحماقة، والإمعان فى الضرب فى المجهول وفى مصير الأمة، بزعم إصلاح خطأ، بينما ما أجراه الرشيد واتفق معه فيه « يحيى البرمكى » لا يغير شيئًا على الإطلاق من تقدير الدنيا، ولا يأتى بجديد إلا زراعة بأس الإخوة فيا بينهم.


فالوضع كما هو عليه، أن يلى الأمين بعد وفاة أبيه الرشيد، أيًّا كان أجل هذه الوفاة، الذى لا يعلمه أحد، ولا يصحح هذا ما قيل إنه أقض مضجع الرشيد وأراد إصلاحه، والفرض إلا يلى المأمون، أن تأخر أجله لما بعد أخيه، إلا بعد وفاة الأمين. وعلى ذلك فإن إضافة المأمون إلى ولاية العهد بعد أخيه، لم تغير شيئًا، ولم تصلح خطأ، ولم تفعل سوى أن يتربص كل أخ بأخيه، ومن ورائه الحزب الذى يناصره ويرى مصلحته معه، وكانت هذه بداية المأساة بين الأخّين، وإن دفعت الأمة ثمن ويلاتها!


الإمعان فى العبث بمصير الأمة!


لم يكن خافيًا على الرشيد ولا على غيره، وأفصح عنه الرشيد فى الرواية، التى نقلها المسعودى فى مروج الذهب، أن العرب بعامة والهاشميين بخاصة ـ يزكون منح ولاية العهد إلى «محمد الأمين» ابن «زبيدة» ابنة أبى جعفر المنصور، وأن هوى الشعوبيين والفرس بخاصة مع «عبد الله المأمون»، الذى ولد للرشيد من أم هى «مراجل» الفارسية.


ويقال بأن إدخال المأمون فى ولاية العهد، قد أطمع إخوته فى ترشيحهم أيضا لولاية العهد، وجهروا فى المطالبة علنًا بذلك، وكان «القاسم» الابن الثالث لهارون ـ أكثر الساعين إلى ذلك، فقد كانت أمه «قصف» فيما نقل الرواة ـ أثيرة إلى قلب الرشيد، وكرست من يطالبونه بذلك، ومنهم عبد الملك بن صالح الذى كان القاسم فى حجره.


ولم يلبث الرشيد أن استجاب لهذا السعى أو الضغط، فبايع للقاسم بعد أخويه، وسماه «المؤتمن»، وكان ذلك بعد فترة وجيزة من إعلان بيعة المأمون بولاية العهد بعد الأمين.. ومن المفارقات ـ فيما عقب السيوطى فى تاريخ الخلفاءـ أن «المعتصم»، الذى زوى الرشيد بولاية العهد عنه، ولم يقبل إضافته لكونه أميًّا، قد ساق الله الخلافة إليه، وجعل الخلفاء من بعده من ذريته، دون أحد من باقى أولاد الرشيد.


الأمين يبدأ بالشر!


بعد قليل من وفاة الرشيد (١٩٣ هـ / ٨٠٩ م ) وهو دون الخمسين، ظهرت حكمة العقلاء الذين قالوا بأن عقده ولاية العهد لأبنائه، قد ألقى بأسهم فيما بينهم!


كان محمد الأمين فى الثالثة والعشرين من عمره يوم ولى هذه الخلافة المترامية الأطراف، وكان فيما أورد الرواة يتربص موت أبيه الذى اشتد مرضه، متخوفًا من الوثيقة، التى أحكم فيها الرشيد إحكامًا شديدًا لابنه المأمون، وعلقها بالكعبة بالبيت الحرام.


وكانت مشكلة هذه الوثيقة، أنها قسمت المملكة والسلطة بين ولاة العهد الثلاثة، تقسيمًا ظن الرشيد أنه يحسن به صنعًا، ولكنه كان على النقيض يقسم الدولة، ولا يخطئ المتأمل فيه ـ أنه يؤثر «المأمون» إيثارًا شديدًا، ويثقل ميزانه ويحتاط له، ويعطيهـ فيما أعطاهـ الحق فى خلع أخيهما «القاسم» من ولاية العهد، وصرف ذلك إلى من يرى من أولاده أو إخوته، مع أنه حرم «الأمين» هذا الحق بنص العهدين اللذين استوقع عليهما الأمين والمأمون فى الوثيقة التى علقها بالكعبة.. وهى قسمة ضريرة تكاد تحصر «محمد الأمين» فى لقب الخلافة بلا سلطة، وتخص «المأمون» بخراسـان حيث شيعـة أمـه «مراجل» الفارسية، وجعل له ـ فى حياته وبعد مماته أى فى خلافة الأمين ـ استقلالًا كاملًا بخراسان وكورها وثغورها، وهى بذاتها مملكة مترامية الأطراف، عظيمة الموارد، ووفر للمأمون أسسًا ثابتة بحماية رجاله من العزل بيد « الأمين » لدى وصوله للخلافة، وحرم الخليفة الأمين ـ من كل حقوق الخلافة إزاء «مملكة خراسان» التى أعطاها للمأمون ليحكمها فى استقلال تام عن دولة الخلافة.. وهذه القسمة قسمة ضيزى، لا حكمة فيها، لأنها زرعت البأس بين الإخوة، وخلقت مشاكل على السلطة والنفوذ لا يمكن تجاوزها، بل وتؤدى إلى الخلاف واشتعال الصراع.


ومع أن الدكتور محمد مصطفى هدارة، لا يخفى إعجابه بل وانحيازه للمأمون فى كتابه الضافى عنه (أعلام العرب ١١٣)، فإنه سجل أن الرشيد أراد أن يجنب المأمون مخاطر الموقف الذى هو فيه، بإقرار الضمانات لصالحه، فضلا عن إيثاره بالمال الكثير ليمنحه القدرة الكافية على العمل المثمر، والتأثير فى الناس، وتقويه جيشه، واستمالة الطامعين إلى جانبه، ومن هداياه إليه التى تكشف عن حبه الشديد له وإيثاره ـ إعطاؤه خاتم الخليفة المنصور الذى كان الرشيد يتيمن به كثيرًا، وأنه بعد أن وثق البيعة له بولاية العهد بالحج، أعطاه مائة ألف دينار أورد الطبرى أنها حُملت له من الرقة إلى بغداد، ولم يكتف الرشيد بذلك بل إنه حين شخص إلى خراسان فى عام ١٩٣ هـ (وهو عام وفاته) ـ جدد البيعة للمأمون على القواد الذين معه، وأشهدهم وسائر الناس أن جميع من معه من الجند مضمومون إلى المأمون، وأن جميع ما معه من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون.


بل أن هذه المعانى واضحة فى العهد الذى أخذه الرشيد على المأمون، فى مقابل العهد الذى أخذه على الأمين، فقد جاء بكتاب المأمون عبارات تقطع بهذه المعانى، وتورى بأن الرشيد قد «أقطعه» ما أعطاه. فقد جاء بهذا الكتاب الذى كتبه المأمون: «أن أمير المؤمنين هارون ولانى العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين فى سلطانه بعد أخى محمد بن هارون، وولانى فى حياته ثغور خراسان وكورها وجميع أعمالها، وشرط على «محمد بن هارون» الأمين الوفاء بما عقد لى من الخلافة وولاية أمور العباد والبلاد بعده، وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لى فى شيء «مما أقطعنى» أمير المؤمنين وابتاع لى من الضياع والعقد والرباع وابتعت منه من ذلك، وما أعطانى أمير المؤمنين من الأموال والجواهر والكساء والمتاع والدواب والرقيق، وغير ذلك، ولا يعرض لى، ولا أحد من عمالى وكتابى بسبب محاسبة».


وهذه الصياغة هى صياغة عهد للمأمون لا عهدًا عليه كما يحمل عنوانها، ويقر الدكتور هدارة بأن اختيار الرشيد ولاية خراسان ليعهد بها للمأمون ـ لم يكن عبثا، بل بناه الرشيد على أسباب كثيرة، منها أن الخراسانيين هم شيعة العباسيين، وفيهم خضـوع ومؤازرة لهم، ثـم أن «مراجل» أم المأمون خراسانية، وله خئولة إذن فى خراسان وعصبية تؤازره، وقد وقر فى نفوس الفرس منذ زمن بعيد احترام ملوكهم إلى حد التقديس.


ولذلك فلا يستقيم قول الدكتور هدارة ـ رغم ذلك ـ بأنه كان من الممكن أن تستمر حياة المأمون وأخيه الأمين، كما أراد لهما الرشيد: المأمون يتولى أمر خراسان وله بها استقلال يكاد يكون كاملًا، والأمين خليفة المسلمين، ولكن القدر كان يوجه حياتهما توجيهًا آخـر!


ومن القصص ذات المغزى، فيما يفضى إليه التنافس على السلطة ووراثة الخلافة، ما رواه الرشيد نفسه وهو فى مرضه الأخير فى طوس، فقد نقل الطبرى بسنده، وابن الأثير أيضًا، من أن الرشيد تحدث لأحد خلصائه فى مسيره إلى خراسان بالمرض الذى يعانى منه ويكتمه، وكشف له عن موطن الداء المعصوب به بطنه، وقال له: «هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكلِّ واحدٍ من ولدى علىّ رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين، وما منهم أحد إلا وهو يحصى أنفاسى، ويستطيل عمرى!».


والخليفة الذى يشكو هذا من ولديه، يستحيل أن يأمل أن الحياة كان يمكن أن تسير بينهما على ما يرام، وكيف وكل منهما يحصى أنفاس أبيه، ويترقب بل يستعجل موته لتأتيه السلطة معشوقة الجميع!!


ما كان يمكن أن تستمر الدولة، ولا حياة الأخّين على هذا النحو، فإذا كنا قد ذكرنا أن الأمين قد بدأ بالشـر، فليس لأننا نقر هـذه القسمة الضيزى وما أفضت إليـه، وإنما لأن «الأمين» هو الذى بدأ بمحاولة عزل أخيه المأمون من ولاية العهد، وعقدها لابنه الطفل «موسى» وسماه الناطق بالحق، وليس فى هذا خير للدولة أو للأمة الإسلامية!


بداية الشر!


قُبض الرشيد بطوس، بينما كان ابنه «محمد الأمين» فى بغداد، وابنه «عبد الله المأمون» فى «مرو»، وقد فتح ذلك المجال لحاشية كل من الأخوين للحض على ما يريد، وكان «الفضل بن الربيع»، الداهية التى ظهر شرها فى كثير من المواقف التى مـرت بنا، يميل ناحية الأمين، وقيض للمأمون أن يكون إلى جواره ـ داهية آخر هـو «الفضل بن سهل»، وكان عظيم المنزلة والقدر لدى المأمون، وروى الطبرى وغيره، أنه حين وردت كتب الأمين إلى أصحابها، تشاور القادة والجند فى «طوس» فى اللحاق بمحمد الأمين وقد صارت إليه الخلافة، وشجع «الفضل بن ربيع» على هذا الاتجاه قائلًا: إنه لا يدع مُلكًا حاضرًا ـ أى مُلك الأمين، لآخر ـ أى المأمون ـ لا يدرى ما يكون من أمره، ثم إنه أمر الناس بالرحيل إلى بغداد فصادف ذلك هواهم باللحاق بأهلهم ومنازلهم فيها.


ونزل الخبر على «المأمون» بما يشبه الصاعقة، فشاور من معه من قادة أبيه الرشيد، فأشاروا عليه أن يلاحقهم فى تجريدة من ألفى فارس ليردهم، وكاد المأمون أن يأخذ بهذه المشورة، لولا أن حضر «الفضل بن سهل» فحذره أنه أن فعل ذلك يكون قد جعل هؤلاء هدية لأخيه الأمين، ولكن الرأى الصواب أن يكتب إليهم كتابًا مع رسول يذكرهم البيعة ووجوب الوفاء بها، ويحذرهم من مغبة الحنث فى دينهم وفى دنياهم.


بيد أن رسول المأمون لم يلحق بهم إلا وقد قطعوا ثلاث مراحل ووصلوا إلى «نيسابور»، فلم يحدث الكتاب أثرًا وواصل الفضل بن الربيع ـ رأس الشر ـ السير بمن تحركوا معه.


وروى أن المأمون انزعج لذلك أشد الانزعاج، ولكن الفضل بن سهل ما زال به حتى أفرخ قلقه، وأشار عليه أن يبعث إلى الفقهاء بالحضرة فيدعوهم إلى الحق وإحياء السنة، وقد فعل، وأن يُكرس جهوده لرد المظالم ليكون قريبًا من قلوب الناس.


ويقال إن المأمون لم يبدأ أخاه بشىء يريبه، بل تواترت كتبه إليه بالتعظيم والهدايا.


أما الأمر فى بغداد، فقد جعل ينذر بشرٍّ مستطير، يدفعه الداهية الفضل بن الربيع محور الشر فى كثير من أحداث تلك الفترة، تدفعه مخافة ولاية المأمون على نفسه، ويساعده على مراده أن الأمين كان شخصية منقادة، فأخذ يحرضه على خلع أخيه المأمون من ولاية العهد، وأن يولى بدلًا منه ابنه موسى، وكان طفلًا صغيرًا لم يبلغ الحلم!


قد أدى انقياد الأمين إلى عزل أخيه القاسم من الولايات، التى خصه بها أبوه فى الشام وقنسرين وبعض العواصم والثغور، وإلى النداء على ابنه موسى من على المنابر بالإمرة بعد الدعاء له wوللمأمون والقاسم.


وقد أوجس المأمون خيفة من دلالة هذه المؤشرات، على نوايا «محمد الأمين»، فأخذ يحتاط منه، وقطع البريد عنه، وأسقط اسمه من الطرز، ثم لم يلبث بعض قواد الأمين وقد لمسوا ضعفه وانقياده ـ أن تركوه ولحقوا بالمأمون، وكان ذلك كفيلًا برد الأمين إلى الاعتدال لو أحسن التفكير والتعقل، ولكنه لم يتراجع، بينما استمر المأمون فى المداراة والمصانعة بإرسال الهدايا الخراسانية ورسائل تعظيم أخيه الأمين!


الصراع على المكشوف!


بدأ محمد الأمين، فيما يروى الأستاذ الكبير محمد الخضرى (ص ٢١٩)، بمحاولة تجربة أو امتحان أخيه، وماذا يمكن أن يكون رد فعلـه، فكتب إلى «العباس بن عبد الله بن مالك»، عامل المأمون على «الرى» ـ يأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الرى، فلما فعل وبلغ المأمون استجابته، عزله عن ولايته.


ثم أن الأمين بعث إلى المأمون بثلاثة رسل، أحدهم «العباس بن موسى بن عيسى»، يطلبون منه قبول تقديم «موسى» ابن الأمين على نفسه فى ولاية العهد، فحدث ما يتوقعه الأمين نفسه هو ومحرضوه، ورفض المأمون ما طلبه أخوه، ولكنه توصل بتدبير «الفضل بن سهل» إلى إقناع «العباس بن موسى» بأن يكون عونًا للمأمون، ومنوه الأمانى، حتى قبل وصار عينًا على «الأمين»!


وتضطرب الروايات فى ترتيب ردود الأفعال المتقابلة بين الأخين، والمؤكد أن محركى الأحداث فى الجانبين كان الفضل بن الربيع من وراء الأمين، والفضل بن سهل من وراء المأمون.


والمقطوع به أن فكرة نقل ولاية العهد إلى الطفل «موسى» ابن محمد الأمين، قد سيطرت عليه، فيروى الطبرى فى أحـداث سنـة ١٩٤ هـ أن الأمين أمر بالدعاء لابنـه «موسى» بالإمرة من على المنابر، ويروى فى أحداث سنة ١٩٥ هـ ـ أن الأمين نهـى عن الدعاء للمأمون والقاسم، وبالدعاء لـه هو ثم من بعـده لابنـه «موسى»، وسمَّاه «الناطق بالحق»، وكان لمّا يزل طفلًا صغيرًا.


فهل كان الأمين هو البادئ بهذا التطور أو التصعيد؟ هناك روايات تقول إن هذا التصعيد كان رد فعل لإطلاق «المأمون» على نفسه اسـم «الإمام» ـ بمشورة الفضـل بن سهل ـ مما يوحى بأنه تمهيد لإعلان خلافته، فأثار ذلك محمد الأميـن، وكـان أخـوه «المأمون» قد رفض ما طلبه إليه من ترك بعض كور «خراسان»، وجرت بينهما مكاتبات خلاصتها أن الشك قد تسرب بقوة إليهما، وأنهما لا يداريان ذلك، ويأبى كل منهما أن يجيب أخاه إلى ما يريد، وواضح مما كتبه المأمون أنه لن يفرط فيما يعتقد أن الرشـيد «أقطعه» إياه ليتولاه دون أى تداخل من الخليفة محمد الأمين. فسلطانه لا يجوز أن يمتد إلى «خراسان»، التى رسخ فى ذهن المأمون أنها مملكته المستقلة بغير شريك ولا منازع.


ويروى الطبرى فى أحداث سنة ١٩٥ هـ أيضًا، أن الخليفة محمد الأمين أحضر أهل بيته، وأجلس للناس ابنـه « موسى » فى محـراب المسجـد ومعـه الفضل بن الربيع، وقرأ عليهم الفضل كتابًا من « الأمين » يعلمهم فيه بحقه عليهم، وما سبق لهم من بيعته متقدمًا منفردًا، وما يلزمهم ذلك، ويشير إلى أن المأمون إذ تسمى بالإمامة، والدعاء لنفسه، فإنه قد قطع ذكر الخليفة فى دور الضرب والطرز (والطرز أصلها فارسى وتشير إلى دور نسج ثياب السلطان بزخارفها من الحرير وأسلاك الذهب والفضة)، وأن هذا يخالف ما يجب عليه من طاعة، وتحدث الفضل بن الربيع فى أنه لا حق لأحدٍ فى الإمامة والخلافة إلا أمير المؤمنين، ثم زاد بأن الأمير «موسى» ابن أمير المؤمنين قد أمر لأهل خراسان من صلب ماله بثلاثة آلاف درهم تقسم بينهم، وأقبل علىّ بن عيسى يخبر الخليفة بأن أهل خراسان كتبوا إليه يذكرون أنه أن خرج ـ أطاعوه وانقادوا معه.


وقبل أن ينتصف عام ١٩٥هـ ـ كان الموقف قد بلغ غاية الاشتعال، وبدأت نذر الحرب بين الأخين، يؤججها الفضل بن سهل من «مرو» و«خراسان»، لتكون «مرو» حاضرة الخلافة العظمى، وتعود لخراسان عظمتها، وكان أول ما فعله الفضل بن سهل، أن جمع الأجناد، التى كان قد أعدها بجنبات «الرىّ» مع أجناد كان قد مكنها فيهـا، وأجناد آخرين حشدهم وأقامهم بالحد لا يتجاوزونه إلا أن يؤمروا، واختار للقيـادة «طاهر بن الحسين الخزاعى».


أما الفضل بن الربيع، الذى كان يؤجج من بغداد، فقد اختار لجنـد العـراق «علىّ بن عيسى بن ماهان»، فولاه الخليفة محمد الأمين كور الجبل ونهاوند وهمذان وقم وأصفهان، وفرض أرزاقًا كثيرة للجند وأمدهم بالسلاح والعدة، وشخص «علىّ بن عيسى بن ماهان» من بغداد فى جمادى الآخرة سنة ١٩٥ هـ، ومعه زهاء أربعين ألفًا، وكان اختيار «علىّ بن عيسى» قائدًا للجند، أسوأ ما وقع فيه معسكر محمد الأمين من خطأ، فقد سبق للرجل أن ارتكب فظائع فى خراسان، وترك لدى أهلها أسوأ الذكريات، بحيث صار مجرد تعيينه للقيادة، دعوة لحشد الخراسانيين لحربه ومن معه!


ولتنفتح ويلات الحرب بين الأخين، وتنقسم الأمة من حولها انقسامًا لا يبشر بخير، وقد أتى بالشر كله!