رحلة البوليس السياسى وأنظمة الحكم فى مصر نجاحات وإخفاقات وجدل على الدوام

24/08/2016 - 12:03:05

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

عمل وجهد البوليس السياسى فيما قبل ثورة يوليو ١٩٥٢م لم تكن أشهر نشاطاته هى ملاحقة الخلايا الصهيونية التى تجند شباب اليهود للسفر والاشتراك فى الحرب على أرض فلسطين، بل كان له صولات وجولات فى ملف آخر أكثر إثارة وهو متخم هو الآخر بالعنف والجرائم السياسية والاغتيالات، بل وشهد فى بعض فصوله ما يعد قضايا استخبارات مع سلطات الاحتلال الإنجليزى أيضًا، فعلى مدى عقود طويلة من تاريخ مصر روج الإخوان المسلمون لفكرة ريادتهم لما سمى وقتها (الكفاح المسلح)، وأنهم استطاعوا أن يسطروا صفحات مضيئة فى عمليات القتال ضد أعداء الأمة المصرية فى الداخل والخارج، لكن الواقع بالوثائق وبشهادات قادة الإخوان أنفسهم، يثبت أن مثل هذا الترويج لم يكن سوى حملة دعائية وترويجية ممنهجة لاستقطاب الشباب لصفوفهم عبر مجموعة من الأوهام صنعتها المنابر والمنشورات والقصص الخيالية.


أوهام الكفاح المسلح وجدت طريقها إلى صفحات الكتب الإخوانية التى ظل تداولها شبه إجباري بالنسبة لأعضاء التنظيم فيما يشبه دساتير العمل، وتحولت بمرور الوقت إلى ما يشبه الحقائق خاصة فى عقول شباب الإخوان، لأنهم لم يتوقعوا أن تكون آلاف الروايات عما جرى فيما قبل ثورة يوليو هى التاريخ المزيف، الذى تم اصطناعه إبان أيام الثورة الأولى فيما بين أعوام (١٩٥٢ ـ ١٩٥٥)، وهذا دفع الأجيال الإخوانية الجديدة لتصديقها فى النهاية من كثرة الأساطير، التى نسجت حولها، فى الوقت الذى كان هناك شبه إجماع بين المؤرخين والمعاصرين لتاريخ الإخوان على أن العمليات، التى قامت بها الجماعة، سواء أعضاء التنظيم الخاص أو الشباب خلال فترة الأربعينيات كانت عمليات إرهابية وجنائية منظمة أفقدت الإخوان الكثير من رصيدهم الافتراضى لدى الجماهير، وأدخلتهم نفقا مظلما بعيد تماما عن مسار الحركة الوطنية المصرية بكافة مشتملاتها حينها، وقد كان البوليس السياسي وقتها يلاحق ويرصد التحركات الإخوانية الخارجة عن هذا السياق وأثبت أكثر من مرة فساد الطرح والعمل الإخوانى والذى كان يروج أنه يتقدم صفوف العمل الوطنى.


حيث تمكن « البوليس السياسي» فى العام ١٩٤٨م من اختراق مراسلات المفوضية الروسية، التى كانت تعمل فى القاهرة حينئذ، واستطاع فى إحدى المرات اعتراض إحدى برقياته السرية، التى كان يطيرها إلى موسكو تباعا، عندما وجد أنها تتعلق ببعض المعلومات الأمنية الدقيقة، التى تخص المشهد الأمنى فى مصر، وهذه البرقية محفوظة فى ملفات «البوليس السياسي» تحت عنوان «سرى للغاية» بتاريخ ٢٨ فبراير ١٩٤٨م ومن أهم ما جاء فيها نصا:


إن الخلايا الشيوعية فى القطر المصرى تراقب حاليا نشاط الإخوان المسلمين بدقة، وقد ثبت من التقارير التى قدمتها بعض الخلايا أن شعب الإخوان بدأت تتسلح بطريقة داخلية بحتة تحت انظار رجال الإدارة، وأن أسلحة كثيرة يحتفظ بها أفراد هذه الشعب تحت أيديهم منتظرين الفرصة المناسبة للقيام ضد العناصر الأخرى حكومية كانت أو غير حكومية، وقد أوضح أغلب المسئولين أن هناك اتصالات كثيرة بين الإخوان ونواب مكتب الإرشاد المنتدبين لبعض المناطق الإخوانية، تمت تنفيذا لتعليمات مندوبى السفارة البريطانية، وذلك لإحداث نوع من الشغب الداخلى بين أفراد الأمة وتهيئة الجو لقبول بعض المبادى الثورية الشاذة، ضد النظام الحاضر وعدم تمكين العناصر الشيوعية من التغلغل فى الوصول إلى نتائج تساعدهم على النجاح).. وفى جزء آخر من نفس الوثيقة يذكر مشهدا آخر وتحركا إخوانيا فى اتجاه أكثر إثارة رصده قسم الدعاية الشيوعى التابع للمفوضية، والذى حرص على إبلاغه لمسئولى الأمن الروس بعد التأكد من صحته، بدليل تضمينه للتقرير المفترض أنه رفع إلى موسكو بالقدر اللازم من الأهمية جاء فيه نصا:


(ثبت لقسم الدعاية أن هناك دراسات يقوم بها بعض أفراد من الإخوان المسلمين فى مناطق مختلفة، تتعلق بموضوعات تمس الأمن العام، وذلك بأنهم يكتبون تقارير ويدونون فى سجلاتهم ما يساعدهم على تفهم مدى قوة الأمن العام المصرى، من حيث العدد والأسلحة فى كل مركز من مراكز القطر، وأن الأستاذ حسن البنا قد عقد فى اليوم التالى للانفجار الذى حدث فى إحدى دورهم، اجتماعا حضره أعضاء مكتب الإرشاد وأشخاص آخرون من مناطق القاهرة المختلفة، وقد أفهمهم فيه أن الشيوعيين بدأوا يتعقبون خطواتهم، وأنه قد نظم بطريقة سرية الأنظمة، التى يمكنه التخلص بها من نشاطهم، عن طريق القلم السياسى بالمحافظة، وذلك بالتمهيد لهذه المقاومة بتقديم جميع البيانات عن هذا النشاط، وقد قدم قسم الدعاية مذكرة تشير إلى بعض الخطابات، المتبادلة بين الأستاذ حسن البنا ومحمد بك إمام إبراهيم فى هذا الموضوع.


هذه الوثيقة من كتبها هو أحد العاملين بالمفوضية الروسية بالقاهرة، وهو ينقل لموسكو طبيعة الجهود التى كانت الخلايا الشيوعية المصرية ترصدها بالشارع المصرى، بغرض اطلاعهم على الحالة السياسية فى مصر وقتها وهى تذكر الصلات السرية التى بدأت تخرج للعلن ما بين السفارة البريطانية والإخوان، فضلا عن فصول الصراع الذى كان يدور ما بين الإخوان والشيوعيين، مما دفع البنا إلى محاولة نسج تعاون ما بين الجماعة والبوليس السياسى عبر تقديم معلومات لمدير البوليس السياسى محمد بك إمام إبراهيم، فيما يسمى باللغة الأمنية أنه يجهز وشاية ثمينة لتقديمها فى مقابل الوصول إلى العمل لحساب البوليس السياسى فى الظلام، فى نفس الوقت الذى كانت تدور عملية الاستخبارات الإخوانية، التى كانت مكلفة برصد القوات الأمنية الرسمية حينها التابعة لوزارة الداخلية.


جدير بالذكر فى هذا العام ١٩٤٨م وما سبقه أن «البوليس السياسي» كان يمثل أحد أهم وأقوى أجهزة «محمود فهمى النقراشى باشا، رئيس الوزراء ووزير الداخلية»، الذى اصطدم معه الإخوان بعد شهور قليلة من هذا التاريخ عندما شعر حسن البنا بأن هناك اتجاها لحل الجماعة، فرغم هذه الاتصالات السرية فإن الواقع كان يمثل معركة يقوم بها الإخوان ضد النقراشى وجهاز الأمن المتمثل فى البوليس السياسي، حيث كان هناك فى نفس توقيت الوثيقة التى تشير للاتصالات السرية قامت مجلة «الإخوان المسلمين» لسان حال الجماعة بنشر مقالا افتتاحيا تحت عنوان) إدارة الأمن العام تتطوع للدعاية للشيوعية فى مصر)، كتبه أحد أعضاء الجماعة يدعى «محمد فتحى محمد عثمان» وأفردت له المجلة صفحة كاملة ومما جاء فيه نصا:


لا يمر يوم من الأيام إلا وتحشد إدارة الأمن العام قضها وقبضها، وهيلها وهيلمانها للقبض على العمال الذين يريدون أن يتنفسوا ليطالبوا بحقهم فى الحياة، الذين آمنوا بهذا الحق فدافعوا عنه، ففى كفر البرامون أراد الناس أن يشعروا بإنسانيتهم، وأراد الإخوان المسلمون الذين علمهم دينهم كرامة الحياة وعزة المؤمنين أن يعلنوا جهادهم فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان، فكانت الشيوعية هى التهمة التى بمثابة سيف الجلاد المصلت على الرؤوس، خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم فى سلسلة ذرعها سبعون ذرعا فاسلكوه، إنهم لا يؤمنون بسادة الإقطاع جبابرة دون الله، وإذن فهم شيوعيون، فيقتلون أو يصلبوا، ولتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ولينفوا من الأرض، واسأل القرية هناك تبينك عن المغارم والمآثم، التى ارتكبها الغلاظ الشداد من زبانية «الفزع» لا «الأمن»،... مثل تلك الكلمات التحريضية هى النصوص التى كانت تنشرها مجلة الإخوان طعنا فى جهاز الأمن الذى كانت تجلس مع قسمه السياسى سرا، لتشى له بأسماء وعناوين الخلايا الشيوعية والتى ذهبت مكتوبة لمكتب مدير الجهاز محمد بك إمام إبراهيم من مرشدها العام ومؤسسها السيد حسن البنا، لكن ما كان يدور فى الخفاء هو أن التنظيم السرى للجماعة كان قد عقد العزم على إرهاب الداخلية التى كانت تلاحق التنظيم على مدار الساعة، وذلك بالتخطيط لاغتيال وزيرها ورئيس الوزراء حينئذ الرجل القوى «محمود فهمى النقراشى باشا»، خاصة أن مكتب الارشاد كان قد وصل لليقين بأن النقراشى باشا هو من استدعى «محمد بك إمام إبراهيم، مدير البوليس السياسي»، وكلفه مباشرة بإعداد ملف كامل بالوثائق والأدلة يودى بجماعة الإخوان للحل وغلق مقراتها.


وليس هناك أوثق من مذكرة إحالة المتهمين إلى القضاء فى (قضية اغتيال النقراشى باشا) والتى تحررت بمعرفة النيابة العمومية واستندت فيها على تحريات «البوليس السياسي»، تلك المذكرة محررة فى ١١/٧/١٩٤٩م بمعرفة «السيد/ محمود منصور النائب العام» آنذاك والتى تضمنتها أوراق (القضية رقم ٥ لسنة ١٩٤٩ جنايات عسكرية ـ عابدين، ويحمل ملفها رقم (١/٣/١٩٧) عموم الأمن العام، القسم المخصوص.


وتبدأ المذكرة بإتهام النائب العام لكل من:


١ـ عبدالمجيد أحمد حسن


السن ٢٢ طالب بكلية الطب البيطرى ويقيم بحدائق القبة شارع حسنى رقم ٦ ومحبوس بسجن الأجانب.


٢ـ محمد مالك يوسف محمد مالك


السن ٢٥ موظف بمطار الماظة ويقيم بشارع الصحافة رقم ١٨١ بالسبتية.


ومحبوس بسجن الاستئناف.


٣ـ عاطف عطية حلمى


السن ٢٥ طالب بكلية الطب ويقيم بشارع الجوالى رقم ١٣ بالمنيرة.


ومحبوس بسجن مصر برقم ٤٣٢٥/١٩٣٢.


٤ـ كمال سيد سيد القزاز


السن ٢٦ نجار موبيليات ويقيم بشارع الرحبة رقم ٤ بقلعة الكبش.


ومحبوس بسجن مصر برقم ٧٧٦٢/١٦٥٨.


٥ـ عبدالعزيز أحمد البقلى


السن ٢٦ ترزى افرنكى ويقيم بشارع الحكومة رقم ٧ بقلعة الكبش.


ومحبوس بسجن مصر برقم ٧٧٦٠/٢٧٤٨.


٦ـ سيد سابق محمد التهامى


السن ٣٤ مقرئ دلائل ويقيم بشارع التبانة زقاق سوق الغنم رقم ٦


ومحبوس بسجن مصر برقم ٦١٩٦/٢٨٧٣.


بأنهم فى يوم ٢٨ ديسمبر سنة ١٩٤٨ م الموافق ٢٧ صفر سنة ١٣٦٨هـ بدائرة قسم عابدين بمدينة القاهرة ارتكبوا الجرائم التالية:


المتهم الأول:


أولا:- قتل حضرة صاحب الدولة محمود فهمى النقراشى باشا عمدا مع سبق الإصرار والترصد، بأن عقد النية هو والمتهمون الثانى والثالث والرابع والخامس والسادس على قتله، وأعد بمعونتهم مسدسا وسترة عسكرية لضابط بوليس برتبة الملازم أول ومرن على ارتدائها والظهور بها، وفى صبيحة يوم الحادث ارتداها وحمل المسدس وقصد إلى مقهى قريب من وزارة الداخلية فى انتظار إشارة تليفونية من أحد شركائه باقتراب موعد وصول المجنى عليه، فلما تلقاها دخل بهو الوزارة متوسلا بتلك السترة وتربص للمجنى عليه واقفا بالقرب من المصعد المؤدى إلى مكتبه، حتى إذا قدم وهم بدخول المصعد فاجأه المتهم باطلاق مقذوفات نارية عليه من ذلك المسدس قاصدا قتله، فاصابه بالجروح النارية المبينة بالتقرير الطبى والتى أودت بحياته على الأثر.


ثانيا- أحرز سلاحا ناريا ـ مسدسا ـ بدون ترخيص.


والمتهمون الثانى والثالث والرابع والخامس والسادس:


اشتركوا مع المتهم الأول بطريق الاتفاق والتحريض والمساعدة، فى ارتكاب هاتين الجريمتين بأن انعقدت إرادتهم على قتل دولة المجنى عليه، بوصف كونهم هم والمتهم الأول أعضاء فى جمعية إرهابية من وسائلها القتل، ووقع اختيارهم على المتهم الأول لتنفيذ الجريمة، فأمروه بارتكابها وساعدوه على الأعمال المسهله والمتممة لها، إذ جهزوه بالسلاح والسترة الرسمية ورسموا له كيفية ارتكابها وحددوا له الزمان والمكان، فوقعت الجريمتان بناء على ذينك الاتفاق والتحريض وهذه المساعدة.


وبعدها جاءت اعترافات هؤلاء المتهمين لتحمل مفاجآت عدة خاصة باضافة شهادات من كانوا بـ»التنظيم الخاص» للجماعة فى هذا التوقيت، فلم تكن عملية اغتيال رئيس وزراء مصر ووزير داخليتها بالعملية الاعتيادية التى من الممكن أن تمر، أو ينظر إليها كحادث اعتيادى للعنف فقد كانت فصلا مهما وفارقا بعلاقة التنظيم وحربه ضد «البوليس السياسي» الذى عد وقتها أنه هو من أوقع بالتنظيم الخاص لكنه دفع ثمنا باهظا من حياة وزيره القوى النقراشى باشا، وفى هذا نستكمل الاسبوع القادم إن شاء الله.