نصرخ.. أم نبكى وقد جفت الدموع؟!

24/08/2016 - 11:55:52

  حمدى الكنيسى حمدى الكنيسى

بقلم - حمدى الكنيسى

خطفه رجل مذعور من بين أنياب الدمار الذى تفجره القنابل والصواريخ، وجرى به إلى عربة إسعاف تهددها القذائف، ووضع الطفل عمران داخلها، حيث جلس ذاهلا.. ثم مد يده إلى وجهه ليمسح ما تصوره تراباً، ثم نظر إلى يده فاكتشف أنها دماء تسيل من جبهته، لم ينطق وتاهت نظراته فى المجهول.


بحرقة وألم أخرس شاهدنا صورة المأساة التى جسدها رعب وضعف ودم الطفل عمران، ومصمصنا شفاهنا.. واحتوانا - كالعادة - العجز حتى عن البكاء. وهذا بالضبط ما حدث يوم قذف الرعب والرصاص الطفل «إيلان» إلى البحر قذفه هو الآخر جثة هامدة على شواطئ تركيا!


وتسابقت الكاميرات وكل وسائل الإعلام إلى نقل صور المأساة السورية وقد جسدها ما حدث لإيلان.. ثم لعمران، وانطلقت - كالعادة - الشعارات الإنسانية الجوفاء، والاتهامات الجاهزة لهذا الطرف المسئول أو ذاك!!


وهذا هو حالنا - يا قادتنا وزعماءنا الأشاوس جداً!! على مدى سنوات خمس نرى فيها دولة عربية - المفترض أنها شقيقة!! وهى تنزف الدماء والإمكانيات والبنية الأساسية كل يوم، ويحاصرها الدمار من كل صوب ويقهقه الشيطان وهو يراها تتمزق وفى طريقها إلى أن تتحول إلى دويلات وكيانات صغيرة متصارعة لا تملك من أمرها شيئاً سوى الرضوخ تحت أقدام إسرائيل وحلفائها الكبار أصحاب مخطط الشرق الأوسط الجديد.. والفوضى الخلاقة «المدمرة»!


أما نحن فلا نملك سوى تلقى أخبارها المحزنة المحبطة عاجزين حتى عن البكاء وتندفع خناجر الأرقام فى وجوهنا لنقول إن عدد من قتلوا من أشقائنا السوريين يصل إلى خمسمائة ألف «نصف مليون» وعدد من هاجروا إلى أى دولة أخرى أكثر من خمسة ملايين يعيشون مشردين ضائعين.


تصفعنا هذه الأرقام التى تجسد مع صورة «عمران» و»إيلان» حجم المأساة الرهيبة التى تخنق الشعب السورى الذى كان من أعمدة الأمة العربية وأكثرها ارتباطاً بقضايا الأمة، فإذا به يرى وطنه وقد صار ساحة لمعارك وصدامات براً وجواً وبحراً تشترك فيها أطراف أجنبية وعربية، وتحولت القضية الآن إلى السؤال البغيض عما إذا كانت «أمريكا» هى صاحبة الكلمة الأخيرة فوق جثة سوريا، أم «روسيا» التى تملك منطق مواجهتها - فقط - لداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية مع حرصها على وحدة الدولة العربية، أم هى «إسرائيل» التى تعمل وتتحرك من وراء الستار سراً.. وأحياناً علناً، أم هى تلك الدول العربية التى لم تدرك حتى الآن أن سقوط وانهيار سوريا هو المقدمة المؤكدة لاستكمال المخطط إياه بتمزيق جميع الدول العربية دون استثناء.


وحيث إننى لا أجد ما يعبر عن أحوالنا البائسة العاجزة الضالة التائهة إلا هذه القصة التى تكاد تتحدث عنا وإن بدت مجرد خيال:


يقال أن محتالاً اشترى حماراً وملأ فمه بالدنانير الذهبية، وأخذه إلى حيث تتزاحم الأقدام فى السوق الكبيرة، ووخزه سرا بعصاه فنهق الحمار وتساقطت النقود من فمه، وهنا تجمع الناس حول ذلك المحتال الذى أخبرهم أن الحمار كلما نهق تتساقط الدنانير الذهبية من فمه، وعلى الفور بدأت المفاوضات حول بيع ذلك الحمار، واشتراه كبير التجار بمبلغ كبير، لكنه اكتشف بعد ساعات أنه وقع ضحية عملية نصب خبيثة فانطلق مع أهل المدينة فوراً إلى بيت «المحتال» وطرقوا الباب فأجابتهم زوجته أنه غير موجود، لكنها سترسل الكلب الذى سوف يحضره فوراً.


فعلا أطلقت السيدة الكلب الذى كان محبوسا فهرب لا يلوى على شىء، لكن زوجها عاد بعد قليل وبرفقته كلب يشبه تماما الكلب الذى هرب، هنا نسوا لماذا جاءوا، وظل هو يشرح لهم عجائب ذلك الكلب، واشتراه أحدهم بمبلغ كبير ثم ذهب إلى بيته وقال لزوجته إنه سيذهب إلى مكان بعيد وما عليها إلا أن تطلق الكلب العجيب لكى يجرى حتى يحضره ويعود به إلى المنزل، ونفذت الزوجة ما قاله لها زوجها، لكن الكلب هرب واختفى تماماً بعذ ذلك عرف التجار أنهم تعرضوا للنصب مرة أخرى فانطلقوا إلى بيت المحتال ودخلوا عنوة فلم يجدوا سوى زوجته، فجلسوا ينتظرونه ولما جاء نظر إليهم ثم إلى زوجته وسألها غاضباً :لماذا لم تقومى بواجبات الضيافة لهؤلاء الأكارم؟!.. فردت عليه الزوجة قائلة: إنهم ضيوفك فقم بواجبهم أنت.. فتظاهر الرجل بالغضب الشديد، وأخرج من جيبه سكيناً مزيفا وطعنها فى صدرها حيث كانت بالونة مليئة بالصبغة الحمراء تظاهرت الزوجة بالموت وهى تنزف دماءها، فأخذ الرجال يلومونه على هذا التهور فقال لهم: «لا تقلقوا فقد قتلتها أكثر من مرة وأستطيع إعادتها إلى الحياة من جديد قال ذلك ثم أخرج مزماراً من جيبه وبدأ يعزف عليه فنهضت الزوجة واقفة وهى أكثر حيوية ونشاطاً، وانطلقت لتصنع القهوة والشاى للرجال المندهشين الذين نسوا تماماً لماذا جاءوا، وأخذوا يفاوضونه على «المزمار» حتى اشتراه أحدهم بمبلغ كبير جداً وأسرع إلى بيته وبمجرد أن رأى زوجته طعنها فسقطت على الأرض تنزف دماءها، وأخذ هو يعزف بالمزمار فوقها ساعات لكنها فارقت الحياة، وفى صباح اليوم التالى سأله رفاقه التجار عمل حصل معه، فخشى أن يقول لهم أنه قتل زوجته، وأدعى أن المزمار يعمل فعلاً وقد أعاد زوجته إلى الحياة، فاستعاره التجار منه، وقتل كل منهم زوجته وبعد أن طفح الكيل بالتجار ذهبوا إلى بيت المحتال ووضعوه فى كيس وأخذوه وألقوه عند شاطئ البحر، وجلسوا يستريحون وهم سعداء بالانتقام القريب من ذلك المحتال الخطير، لكنه كان قد أخذ يصرخ داخل الكيس، فجاءه راعى غنم وسأله عن سبب وجوده فى الكيس، وحوله بعض الرجال التجار الذين غلب عليهم النوم فقال له :إنهم يريدون تزويجه من بنت كبير التجار فى الإمارة لكنه يعشق ابنة عمه ولا يريد بنت الرجل الغنى جداً، وهنا أصاب الطمع ذلك الراعى وقبل عرض المحتال بأن يحل مكانه فى الكيس ويحظى هو بالزواج من بنت كبير التجار، ودخل الكيس فعلا وأغلقه عليه المحتال ثم أخذ أغنامه وعاد إلى المدينة.


ولما نهض التجار من نومهم وألقوا الكيس فى البحر، وعادوا إلى المدينة وقد انتقموا من المحتال الخطير، لكنهم وجوده أمامهم ومعه ثلاثمائة رأس من الغنم، فسألوه عما حدث فقال لهم بأنهم عندما ألقوه فى البحر خرجت «حورية» وأنقذته وأعطته ذهباً وغنماً وأوصلته إلى الشاطئ، وأخبرته بأنهم لو ألقوه بمكان أبعد من الشاطئ لأنقذته أختها الأكثر ثراءً وجمالاً وكانت بالتأكيد ستعطيه آلاف الرءوس من الغنم، وهى تفعل ذلك كثيراً، وهنا انطلق الجميع إلى البحر وألقوا بأنفسهم وسط مياهه الهادرة وغرقوا جميعاً، وصارت المدينة ملكاً للمحتال وحده!!


لو حاولنا تطبيق هذه القصة المثيرة بعبرتها ودرسها الواقعى حالياً لوجدنا أن المحتال هو وزوجة المحتال إسرائيل، وأهل المدينة :قادة العرب وقال الشاعر البياتى


البحر مات وغيبت أمواجه السوداء


قلع السندباد


ولم يعد أبناؤه يتصايحون مع النوارس


والصدى المبحوح عاد


والأفق كفنه الرماد


فلمن تغنى الساحرات؟


والعشب فوق جبينه يطفو وتطفو دنيوات


كانت لنا فيها - إذا غنى المغنى - ذكريات


غرقت جزيرتنا وما عاد الغناء


إلا بكاء


أكذا نموت بهذه الأرض الخراب


ويجف قنديل الطفولة فى التراب


أهكذا شمس النهار


تخبو وليس بالمواقد نار


من أشعار عبدالوهاب البياتى الشاعر العراقى الكبير